“الملف الأسود”.. وثائق تكشف منظومة النهب وصراع الإرادات على الثروة والسيادة في اليمن

لم يعد الحديث عن فساد النظام السابق في اليمن مجرد اتهامات سياسية عابرة أو سجالات إعلامية مرتبطة بمرحلة مضت، بل تحوّل  مع ما كشفه  “الملف الأسود” على قناة المسيرة الفضائية، إلى رواية موثقة بالوثائق الرسمية والأرقام والشهادات والمعطيات الدقيقة، التي تعيد رسم صورة واحدة من أخطر مراحل العبث بالثروة الوطنية والسيادة الاقتصادية لليمن، فالتحقيقات التي عُرضت لا تكشف فقط عن عمليات نهب واسعة للنفط والغاز، بل تفتح الباب أمام قراءة أعمق لطبيعة الصراع الذي ظل يحيط باليمن لعقود، باعتباره صراعاً على القرار السيادي والثروة الوطنية.

يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي

 

 

منظومة نهب ممنهجة.. الاقتصاد تحت إدارة النفوذ الخارجي

تكشف الوثائق والمعطيات الواردة في “الملف الأسود” أن عملية استنزاف النفط اليمني لم تكن ممارسات فساد متفرقة أو أخطاء إدارية عابرة، بل جرت ضمن منظومة متكاملة ومنظمة، اشتركت فيها أدوات النظام السابق والولايات المتحدة والملكة السعودية بهدف إبقاء اليمن في دائرة العجز الاقتصادي والتبعية السياسية، وتشير الوثائق إلى أن قطاع النفط، خصوصاً في مأرب والجوف، كان يخضع لعمليات تلاعب ممنهجة بدأت من تقديرات الاحتياطي النفطي مروراً بكميات الإنتاج الفعلية وانتهاءً بطرق تسويق العائدات وإخفائها،  كما برز الدور المحوري لشركات أجنبية ، وفي مقدمتها شركة “هنت” الأمريكية، التي اتُّهمت بالمشاركة في تقليل تقديرات الاحتياطي الحقيقي للحقول النفطية، بما يتيح التحكم بمستقبل الاستثمار النفطي وتوجيهه وفق مصالح الولايات المتحدة، وتكشف المعطيات كذلك عن وجود فجوة بين الكميات المعلنة للإنتاج والكميات التي كانت تُصدر فعلياً، الأمر الذي يعكس وجود شبكة متكاملة لإخفاء جزء من الإيرادات النفطية بعيداً عن مؤسسات الدولة والرقابة العامة،
الدلالة الأخطر هنا أن ما جرى لم يكن مجرد نهب مالي، بل عملية إعادة تشكيل متعمدة للاقتصاد اليمني، بما يمنع تحوله إلى اقتصاد مستقل قادر على امتلاك قراره السيادي بعيداً عن الهيمنة الإقليمية.

النفط كسلاح سياسي.. البعد الإقليمي للصراع

واحدة من أبرز القضايا التي سلط “الملف الأسود” الضوء عليها تتمثل في البعد الإقليمي للصراع على الثروة اليمنية، حيث تكشف الوثائق عن تدخلات وضغوط مورست على شركات دولية من قبل المملكة السعودية بهدف تعطيل مشاريع التنقيب والاستثمار النفطي في اليمن، وتشير المعلومات إلى أن السعودية لعبت دوراً محورياً في هذا المسار، سواء عبر التأثير المباشر على الشركات النفطية العالمية، أو من خلال ادعاءات النفوذ والسيطرة على بعض المناطق النفطية الحدودية، خصوصاً في مأرب والجوف.
كما تكشف الوثائق عن انسحاب شركات دولية من مشاريع واعدة خلال تسعينيات القرن الماضي، نتيجة ضغوط سياسية وإقليمية حالت دون استكمال عمليات الاستكشاف والتطوير.
وتعكس هذه الوقائع حقيقة أن النفط اليمني لم يكن مجرد مورد اقتصادي، بل تحول إلى ورقة جيوسياسية ضمن معادلة النفوذ الإقليمي، حيث كان المطلوب ـ وفق ما تكشفه المعطيات ـ إبقاء اليمن في موقع الدولة الضعيفة اقتصادياً والعاجزة عن توظيف ثرواتها لبناء مشروع تنموي مستقل.

الفساد الداخلي.. الشريك الأخطر في عملية الاستنزاف

لا تكتمل صورة “الملف الأسود” دون التوقف أمام الدور الذي لعبته شخصيات نافذة في النظام السابق، والتي كشفت الوثائق أنها كانت شريكاً رئيسياً في إدارة عملية النهب والتغطية عليها، فبحسب التحقيقات، تورط مسؤولون كبار وعلى رأسهم عفاش في توقيع اتفاقيات مجحفة مع شركات أجنبية، منحت امتيازات واسعة مقابل عوائد محدودة للدولة اليمنية، إضافة إلى تلقي عمولات ومبالغ مالية سرية تم تحويلها إلى حسابات خاصة خارج الأطر الرسمية،
كما تشير الوثائق إلى أن جزءاً كبيراً من عائدات النفط لم يكن يدخل إلى الموازنة العامة للدولة، بل كان يُدار عبر شبكات مالية خاصة، الأمر الذي ساهم في إضعاف المؤسسات الرسمية وحرمان الشعب اليمني من الاستفادة من موارده الطبيعية، وتكشف هذه الوقائع أن الفساد لم يكن مجرد انحراف إداري فردي، بل كان تحالف مصالح متشابكاً بين الداخل والخارج، هدفه التحكم بالثروة الوطنية وإبقاء القرار الاقتصادي اليمني مرتهناً للقوى الإقليمية والدولية.

صراعات النفط.. من مورد اقتصادي إلى وقود للنزاعات

وفي محافظة شبوة ومناطق نفطية أخرى، يكشف “الملف الأسود” عن جانب آخر من الأزمة يتمثل في الصراعات المعقدة حول القطاعات النفطية، وخاصة القطاع (5) في عسيلان، حيث تحولت الثروة النفطية من عنصر يفترض أن يكون ركيزة للاستقرار والتنمية إلى سبب مباشر للتوترات والصراعات، وتنوعت هذه الصراعات بين نزاعات قانونية بين الشركات، وضغوط سياسية لإعادة توزيع الامتيازات النفطية، وصولاً إلى مواجهات ميدانية وأمنية ارتبطت بمحاولات السيطرة على مناطق الإنتاج وخطوط النقل،  وهذا يعكس حقيقة أن النفط في اليمن لم يعد مجرد ملف اقتصادي، بل أصبح عاملاً مؤثراً في تشكيل الخريطة السياسية والأمنية، ومحركاً رئيسياً للصراع الداخلي والإقليمي.

دلالات استراتيجية.. كيف أُضعفت الدولة اليمنية؟

ومن خلال القراءة التحليلية لما ورد في “الملف الأسود”، تتضح مجموعة من الدلالات الاستراتيجية العميقة، أبرزها أن استنزاف الثروة النفطية كان جزءاً من عملية ممنهجة لإضعاف الدولة اليمنية وتفكيك قدرتها الاقتصادية،
فحرمان اليمن من موارده السيادية أدى إلى إضعاف مؤسسات الدولة، وتعميق الأزمات المعيشية، وإفشال أي إمكانية لبناء اقتصاد وطني مستقل قادر على توفير الخدمات وتحقيق التنمية،  كما أن التحكم الخارجي بقطاع النفط أسهم في تكريس التبعية السياسية والاقتصادية، وربط القرار اليمني بمصالح القوى الإقليمية والدولية،  وفي السياق ذاته، ساهم غياب الشفافية وتحويل قطاع النفط إلى “ملف مغلق” بعيد عن الرقابة الشعبية والمؤسسية، في توسيع دائرة الفساد وتعقيد فرص الإصلاح والمحاسبة، أما على المستوى الأمني والسياسي، فقد لعبت الصراعات المرتبطة بالثروة دوراً كبيراً في تغذية النزاعات الداخلية وإطالة أمد حالة عدم الاستقرار.

ختاماً..

من كشف الحقائق إلى معركة استعادة السيادة
إن ما كشفه “الملف الأسود” لا يمثل نهاية القصة، بل يمكن اعتباره بداية مرحلة جديدة من كشف الحقائق المرتبطة بالثروة والسيادة في اليمن ، فالوثائق والمعطيات التي عُرضت تطرح سؤالاً جوهرياً يتعلق بكيفية استعادة الثروة المنهوبة، وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس الشفافية والعدالة والسيادة الوطنية.
وفي ظل هذه الحقائق، يصبح فتح هذا الملف ضرورة وطنية تتجاوز حدود الإدانة السياسية أو الإعلامية، ليغدو جزءاً من معركة استعادة القرار الوطني وبناء اقتصاد مستقل يضمن لليمنيين حقهم المشروع في ثرواتهم،  لأن ما تكشفه هذه الوثائق لا يتعلق بالماضي وحده، بل يضع الحاضر والمستقبل أمام اختبار حقيقي: إما استمرار دائرة الهيمنة والفساد، أو الانطلاق نحو مشروع وطني يستعيد للدولة سيادتها وللشعب حقه في ثرواته ومقدراته.

You might also like