الحرب النفسية والإرجاف الإعلامي في ضوء القرآن الكريم
تكتسب محاضرات السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي السادسة ضمن سلسلة «إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم» أهمية استثنائية في ظل التحديات التي تواجه الأمة الإسلامية، لا سيما في ميدان الحرب النفسية والإعلامية، التي تحولت إلى أحد أخطر أسلحة الصراع الحديث، وقد جاءت هذه المحاضرة لتسلط الضوء على طبيعة المعركة المعنوية التي يخوضها الأعداء ضد الأمة، وكيفية توظيف الإشاعات والتضليل والإرجاف كوسائل لإضعاف الجبهة الداخلية وتحطيم الروح المعنوية للمجتمعات المؤمنة، ومن خلال استناده إلى النص القرآني، قدم السيد القائد رؤية متكاملة تكشف أبعاد الحرب النفسية، وتوضح مسؤولية الأمة في التصدي لها بالوعي والبصيرة والتثبت، باعتبار أن المعركة الإعلامية ليست معركة هامشية، بل جبهة أساسية من جبهات المواجهة.
يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي
الإرجاف.. سلاح قديم متجدد
ركز السيد القائد على أن الإرجاف ليس ظاهرة طارئة، بل أسلوب اعتمده أعداء الحق عبر التاريخ، وقد حذر الله تعالى منه في القرآن الكريم بقوله: «لَئِنْ لَـمْ يَنْتَهِ الْـمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْـمُرْجِفُونَ فِي الْـمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا»،
ويبرز السيد القائد أن هذه الآية لا تتعلق بزمن محدد، وإنما تمثل قاعدة قرآنية مستمرة تكشف خطورة المرجفين في كل عصر، أولئك الذين يتحركون لبث الخوف والإحباط والتشكيك وخدمة مشاريع الأعداء من الداخل، ويكشف السيد القائد أن الحرب النفسية التي يشنها العدو الصهيوني والأمريكي تعتمد بدرجة كبيرة على ضرب الثقة الداخلية، وإثارة البلبلة، وإضعاف معنويات الناس، عبر التهويل والتضليل وصناعة الشائعات، بالتزامن مع تحركات إعلامية وسياسية ممنهجة تنخرط فيها أطراف مرتبطة بالمشروع المعادي.
البعد النفسي للصراع وأهمية المعنويات
يوضح السيد القائد أن المعركة المعنوية أخطر أحياناً من المواجهة العسكرية المباشرة، لأن استهداف الروح المعنوية يهدف إلى تفكيك الإرادة الداخلية للأمة، ولهذا أشار السيد القائد إلى أن الأعداء يدركون أهمية الجانب النفسي أكثر مما يدركه كثير من أبناء الأمة أنفسهم،
وفي هذا السياق استشهد بما حدث في المواجهة بين العدو الصهيوني ومجاهدي حزب الله، حيث كان العدو يتكتم على حجم خسائره وأضراره حفاظاً على تماسك جبهته الداخلية، وهو ما يكشف إدراكه العميق لأهمية الحرب المعنوية وتأثير الإعلام على الصمود الشعبي، ومن هنا يؤكد السيد القائد أن الأمة مطالبة بأن تكون أكثر وعياً في التعامل مع الأخبار والشائعات، وألا تتحول دون وعي إلى أداة تخدم العدو في معركته النفسية.
الشائعات وخدمة العدو من حيث لا يشعر البعض
ومن أبرز ما تناوله السيد القائد، التحذير من التفاعل غير الواعي مع الأخبار والإشاعات، خصوصاً في مواقع التواصل الاجتماعي، حيث أشار السيد القائد إلى أن كثيراً من الناس يتفاعلون مع الأكاذيب والدعايات دون تثبت أو إدراك لخطورة ما ينشرونه، واستشهد في ذلك بقوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا»، وتكشف هذه الإشارة القرآنية أن الإسلام أسس لمنهج إعلامي وأخلاقي يقوم على التثبت والتحقق وعدم الانجرار خلف العواطف أو الدوافع الشخصية،
كما تناول السيد القائد ظاهرة “السذج وأصحاب الخدمات المجانية” الذين يساهمون دون وعي في نشر الدعايات الكاذبة، ويعيدون تداول الشائعات بما يخدم أهداف الأعداء، فيتحولون إلى أدوات مجانية في الحرب النفسية، رغم أنهم قد لا يدركون حقيقة ما يفعلونه، وهنا يبرز البعد الأخلاقي في الخطاب القرآني، حيث يتحمل الإنسان مسؤولية الكلمة والنشر والتفاعل، لأن المشاركة في التضليل أو الترويج للشائعات ليست مسألة عابرة، بل قد تتحول إلى إثم عظيم وأداة للإضرار بالمؤمنين والمجتمع.
البهتان الإعلامي واستهداف المؤمنين
من الدلالات المهمة التي ركز عليها السيد القائد، أن كثيراً من الحملات الإعلامية المعادية تقوم على البهتان وتشويه المؤمنين والمجاهدين، وهو ما وصفه القرآن الكريم بأنه إثم وبهتان مبين، في قوله تعالى: «وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْـمُؤْمِنِينَ وَالْـمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا»، ويشير السيد القائد إلى أن بعض الأشخاص تدفعهم الحسابات الشخصية أو الأحقاد الذاتية أو المصالح الضيقة إلى الانخراط في حملات التشويه والإرجاف، حتى وإن كانت تصب في خدمة العدو بشكل مباشر.
وهذا الطرح يعكس رؤية قرآنية تعتبر أن الخلافات أو المسائل الشخصية لا ينبغي أن تتحول إلى عامل يضر بقضايا الأمة الكبرى، أو يضعف جبهة المواجهة مع الأعداء.
خطورة إذاعة الأخبار دون وعي
وفي سياق التحذير من الانجرار خلف الحرب النفسية، تناول السيد القائد خطورة نشر الأخبار الحساسة دون إدراك لنتائجها، مستشهداً بقوله تعالى: «وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِـمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ»، وتكشف هذه الآية عن منهجية قرآنية دقيقة في إدارة المعلومات، تقوم على الوعي والتقدير للمصلحة العامة، وعدم التسرع في نشر كل ما يُتداول، لأن بعض المعلومات قد تتحول إلى خدمة مجانية للعدو أو أداة للإضرار بالمجتمع والجبهة الداخلية، ومن هنا فإن الوعي الإعلامي لم يعد ترفاً ثقافياً، بل ضرورة لحماية الأمة من الاختراق والتضليل.
المقاطعة الإعلامية.. موقف ديني و أخلاقي ووعي حضاري
كما تناول السيد القائد جانباً مهماً يتمثل في “المقاطعة الإعلامية”، موضحاً أن هناك وسائل إعلام وقنوات تعمل بشكل مباشر أو غير مباشر لخدمة المشروع الصهيوأمريكي، من خلال تبرير جرائم العدو وتحميل المسؤولية للمجاهدين والمظلومين، وأكد أن مقاطعة هذه الوسائل تمثل موقفاً أخلاقياً ووعياً ضرورياً، انسجاماً مع التوجيهات القرآنية التي تدعو إلى عدم الجلوس في مجالس الباطل أو التفاعل مع حملات التضليل والاستهزاء بالحق، واستشهد بقوله تعالى: «وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ»،
ويحمل هذا الطرح دلالة مهمة مفادها أن المعركة الإعلامية لا تقتصر على إنتاج المحتوى فقط، بل تشمل أيضاً الوعي بما يُشاهد ويُتابع ويُروَّج له، لأن التفاعل مع الإعلام المعادي يمنحه التأثير والانتشار.
القول السديد .. أساس المواجهة الإعلامية
وفي ختام المحاضرة، شدد السيد القائد على أهمية “القول السديد” باعتباره منهجاً قرآنياً في الخطاب الإعلامي والاجتماعي، مستشهداً بقوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ»، فالقول السديد وفق الرؤية القرآنية هو الكلمة المسؤولة التي تدافع عن الحق، وتحفظ المجتمع، ولا تتحول إلى أداة يستغلها العدو أو وسيلة لنشر الانحراف والتضليل، وفي المقابل، انتقد السيد القائد حالة اللهاث خلف “الإعجابات الوهمية” أو الشهرة الرقمية على حساب القيم والمواقف الصحيحة، معتبراً أن هذا السلوك يعكس حالة من الزيغ والانحدار الأخلاقي لدى بعض الأصوات التي لا تحمل قضية حقيقية.
الإعلام الواعي .. ضرورة لحماية الأمة
تكشف هذه المحاضرة بوضوح أن القرآن الكريم يقدم منهجاً متكاملاً في التعامل مع الإعلام والحرب النفسية، يقوم على الوعي والتثبت والمسؤولية الأخلاقية وحماية الجبهة الداخلية،
كما تؤكد أن المعركة اليوم لم تعد مقتصرة على السلاح العسكري، بل أصبحت الكلمة والصورة والخبر والشائعة أدوات شديدة التأثير في رسم مسار الصراع، ومن هنا تبرز الحاجة الملحة كما شدد السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي إلى تكثيف الوعي الإعلامي على كل المستويات، وتعزيز الثقافة القرآنية في مواجهة حملات التضليل والإرجاف، حتى تبقى الأمة أكثر تماسكاً وقدرة على الثبات في مواجهة التحديات والمؤامرات.