الهوية الإيمانية والنهج التحرري .. رؤية قرآنية شاملة للحفاظ على الوحدة
تكتسب المحاضرة الرابعة للسيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي حفظه الله ضمن سلسلة إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم أهمية استثنائية في توقيتها ومضامينها، كونها تضع أمام الشعب اليمني رؤية قرآنية متكاملة لمعالجة أخطر التحديات التي تستهدف وحدة اليمن وهويته واستقلال قراره الوطني، في ظل ما تشهده المنطقة من مشاريع تفتيت وصراعات تعمل قوى الهيمنة الخارجية على تغذيتها وإدامتها، وقد ركزت مقدمة المحاضرة على محورين رئيسيين اعتبرهما السيد القائد الضمانة الحقيقية لوحدة اليمن وتماسكه، وهما: الهوية الإيمانية الجامعة والنهج التحرري المستقل، باعتبارهما ركيزتين أساسيتين لإفشال مشاريع التمزيق والإخضاع الخارجي.
يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي
الهوية الإيمانية .. الأساس الجامع لوحدة اليمنيين
أبرز ما حملته المحاضرة هو التأكيد على أن الهوية الإيمانية ليست مجرد عنوان ديني أو ثقافي، بل تمثل مشروعاً جامعاً قادراً على تجاوز كل الانقسامات الحزبية والطائفية والمناطقية، انطلاقاً من التوجيه القرآني العظيم:
﴿واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا﴾.
وفي هذا السياق، قدّم السيد القائد قراءة عميقة لطبيعة الأزمة التي تعاني منها الأمة، موضحاً أن حالة التشرذم والانقسام لم تنشأ بصورة طبيعية، وإنما كانت نتيجة مباشرة لمشاريع خارجية عملت على ضرب عوامل الوحدة الجامعة، وإثارة النزاعات البينية، وتحويل الانتماءات الفرعية إلى أدوات صراع وتفكيك، وتكشف هذه الرؤية عن إدراك عميق لطبيعة الحرب الناعمة التي تستهدف المجتمعات العربية والإسلامية، حيث لم تعد أدوات الاستهداف مقتصرة على العدوان العسكري المباشر، بل أصبحت تعتمد على تفكيك البنية الفكرية والثقافية والاجتماعية للأمة، عبر تغذية الانقسامات المذهبية والحزبية والمناطقية، ومن خلال التركيز على الهوية الإيمانية، يؤسس السيد القائد لمعادلة وطنية جامعة تقوم على الانتماء لله وللقيم القرآنية كمرجعية عليا تتجاوز الحسابات الضيقة والمصالح الفئوية، بما يعزز حالة التلاحم الشعبي ويحفظ وحدة المجتمع والدولة.
تحميل الخارج مسؤولية تفكيك الوحدة اليمنية
ومن أبرز الدلالات السياسية في المحاضرة تحميل النظام السعودي مسؤولية كبيرة في محاولات خلخلة الوحدة اليمنية، من خلال دعمه للأدوات والمشاريع التي تعمل على تغذية الانقسام الداخلي وارتهان بعض القوى للخارج،
ويعكس هذا الطرح رؤية تعتبر أن الأزمة اليمنية ليست مجرد خلافات داخلية، بل هي جزء من مشروع إقليمي ودولي يستهدف إبقاء اليمن في حالة ضعف وتفكك، بما يضمن استمرار الهيمنة الخارجية على قراره السياسي وموقعه الاستراتيجي، كما تؤكد المحاضرة أن الارتهان للخارج يمثل أخطر تهديد لوحدة البلاد، لأن القوى المرتبطة بالأجندات الخارجية تصبح مستعدة لتقديم المصالح الوطنية مقابل تحقيق مكاسب سياسية ضيقة، وهو ما يؤدي إلى إضعاف الهوية الجامعة وتمزيق النسيج الوطني.
النهج التحرري .. صمام الأمان للسيادة والاستقلال
المحور الثاني الذي ركزت عليه مقدمة المحاضرة يتمثل في أهمية النهج التحرري في الحفاظ على وحدة اليمن وسيادته، حيث أكد السيد القائد أن الشعب اليمني لا يمكن أن يقبل بأي إملاءات خارجية تنتقص من حريته واستقلال قراره الوطني، وفي هذا الإطار، جاء الرفض الواضح لما يسمى بـ”اللجنة الرباعية” التي تديرها السعودية، باعتبار أن أي وصاية خارجية على القرار اليمني تمثل انتقاصاً من سيادة الشعب وحقه في تقرير مصيره، وتحمل هذه الرسائل أبعاداً سياسية واستراتيجية مهمة، أبرزها،
التأكيد على أن استقلال القرار الوطني شرط أساسي للحفاظ على وحدة البلاد، ورفض تحويل اليمن إلى ساحة نفوذ للقوى الخارجية، وترسيخ معادلة السيادة الوطنية باعتبارها جزءاً من الهوية الإيمانية والكرامة الوطنية، والربط بين التحرر من الهيمنة الخارجية وبين تعزيز التماسك الداخلي، كما تكشف هذه المواقف عن محاولة لترسيخ وعي شعبي يعتبر أن المعركة ليست فقط عسكرية أو سياسية، بل هي معركة وعي واستقلال وهوية.
سقوط مشاريع التفريق والتمزيق
ومن أهم الرسائل التي حملتها المحاضرة التأكيد على فشل كل محاولات الأعداء الرامية إلى تقسيم الشعب اليمني عبر العناوين الطائفية والمناطقية والفئوية، ويستند هذا الطرح إلى ما يعتبره السيد القائد حالة من الوعي الشعبي المتنامي تجاه مخاطر مشاريع التفكيك، خصوصاً بعد سنوات من الحرب التي كشفت للكثير من اليمنيين طبيعة التدخلات الخارجية وأهدافها الحقيقية، وتبرز هنا دلالة مهمة تتمثل في أن صمود اليمنيين لم يعد مقتصراً على الجانب العسكري، بل امتد إلى الجانب المجتمعي والثقافي، حيث استطاع المجتمع أن يتجاوز الكثير من أدوات الاستقطاب والانقسام التي سعت قوى العدوان إلى تكريسها.
أبعاد قرآنية ووطنية في مشروع الوحدة
ما يميز الطرح الذي قدمه السيد القائد هو الربط بين البعد القرآني والبعد الوطني، حيث يتم تقديم الوحدة باعتبارها فريضة دينية ومصلحة وطنية في آن واحد، فالهوية الإيمانية هنا لا تُطرح كإطار انعزالي أو مذهبي، بل كحالة جامعة تسهم في حماية المجتمع من الانقسامات، فيما يُقدَّم النهج التحرري باعتباره ضرورة لحماية السيادة ومنع التدخلات الخارجية، وبذلك تتحول الوحدة الوطنية من مجرد شعار سياسي إلى مشروع متكامل قائم على الوعي القرآني، والاستقلال الوطني، والتحرر من التبعية، وتعزيز الانتماء الجامع، ومواجهة أدوات التفكيك الثقافي والسياسي.
ختاما .
تكشف المحاضرة الرابعة للسيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي ضمن سلسلة إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم عن رؤية تعتبر أن حماية وحدة اليمن تبدأ من حماية هويته الإيمانية واستقلال قراره الوطني، وأن أخطر ما يهدد البلاد ليس فقط العدوان العسكري، بل مشاريع التفكيك الداخلي والارتهان للخارج، كما تؤكد المحاضرة أن وحدة اليمن لن تُصان إلا عبر مشروع جامع يتجاوز الانقسامات الضيقة، ويرتكز على الوعي القرآني والنهج التحرري والسيادة الوطنية، في مواجهة كل محاولات الهيمنة والتقسيم، وفي ظل التحولات الإقليمية والدولية الراهنة، تبدو هذه الرسائل محاولة لتكريس معادلة جديدة عنوانها، لا وحدة حقيقية دون هوية جامعة، ولا سيادة حقيقية دون تحرر من الوصاية الخارجية.