المسؤولية الأخلاقية للكلمة والإعلام في معركة الوعي
جاءت المحاضرة الخامسة للسيد القائد ضمن سلسلة إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم لتؤكد مجدداً أن القرآن الكريم لا يقدم للإنسان مجرد مواعظ نظرية، بل يصوغ له منهجاً متكاملاً للحياة، يضبط سلوكه، ويهذب وعيه، ويحكم علاقاته ومواقفه وكلماته، خصوصاً في زمن أصبحت فيه الكلمة أخطر من الرصاصة، وأشد تأثيراً من كثير من أدوات الحرب التقليدية، وانطلق السيد القائد من قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، ليؤسس رؤية قرآنية عميقة حول مسؤولية الإنسان فيما يقول وما يكتب وما يعبّر عنه، باعتبار الكلمة موقفاً، والعبارة مسؤولية، والإعلام ساحة من أخطر ساحات الصراع.
يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي
الكلمة في المنظور القرآني.. مسؤولية وليست انفلاتاً
ركزت السيد القائد في المحاضرة على أن الإسلام لا يتعامل مع الكلام باعتباره شأناً عابراً أو مساحة مفتوحة بلا ضوابط، بل يربطه بالإيمان، والأخلاق، والرقابة الإلهية، وما يترتب عليه من آثار في الواقع والمجتمع والأمة، وفي هذا السياق، أبرز السيد القائد أن الإنسان مسؤول دينياً وأخلاقياً عن كل ما يصدر عنه، وأن الخطورة لا تكمن فقط في الفعل المادي، بل قد تكون الكلمة نفسها جريمة حين تخدم الباطل أو تضلل الناس أو تسيء إلى الحق، وهنا تتجلى الدلالة القرآنية العميقة في قوله تعالى:
﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾
إذ تعيد هذه الآية تشكيل وعي الإنسان تجاه الكلام والكتابة والتعبير، ليصبح أكثر حذراً ومسؤولية، وأكثر استشعاراً للرقابة الإلهية، بعيداً عن حالة التسيب والانفلات التي تحاول الثقافة الغربية الحديثة أن تجعلها تحت عنوان “حرية التعبير”.
حرية التعبير بين المفهوم الإنساني والانحراف الغربي
من أبرز الأبعاد التي حملتها المحاضرة، إعادة تعريف مفهوم الحرية وفق المنظور الإيماني والأخلاقي، حيث أكد السيد القائد أن الحرية لا تعني الكذب، ولا الدجل، ولا الإساءة للأعراض، ولا نشر الفاحشة، ولا خدمة الأعداء، ولا ترويج الأكاذيب تحت أي عنوان، وهذا الطرح يكشف حجم الانحراف الذي تعانيه المنظومات الإعلامية الغربية، التي تتحدث عن الحرية بينما توظف الإعلام كأداة تضليل وخداع وتزييف للوعي، وتفتح المجال واسعاً أمام خطاب الانحلال والانحراف الأخلاقي، في الوقت الذي تقمع فيه كل صوت حر يكشف الحقائق أو يدافع عن قضايا الأمة، كما أن السيد القائد في المحاضرة أعاد ربط حرية التعبير بمبدأ العدل، انطلاقاً من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾
وهو مبدأ قرآني يؤكد أن الكلمة يجب أن تكون في خدمة الحق والعدل، لا أداة للظلم والتضليل والتشويه.
الإعلام .. أخطر ميادين الصراع مع العدو الصهيوأمريكي
وضع السيد القائد في المحاضرة الجانب الإعلامي في قلب معركة الأمة مع العدو الصهيوأمريكي، باعتباره أحد أخطر ميادين المواجهة وأكثرها تأثيراً على الوعي العام، وأشار السيد القائد إلى أن اليهود يركزون بشكل كبير على الإعلام، ويمتلكون شبكات إعلامية ضخمة حول العالم، بعضها يعلن هويته بشكل مباشر، وبعضها يتخفى بعناوين عربية أو محلية بينما يؤدي عملياً نفس الوظيفة التي تخدم السياسة الصهيونية، وهنا تكمن خطورة الحرب الناعمة التي تعتمد على صناعة المفاهيم، وتغيير المصطلحات، وتوجيه الرأي العام، والتأثير على التصورات والقناعات، بما يخدم مشاريع الهيمنة والإفساد، وتكشف هذه الإشارة وعياً عميقاً بطبيعة المعركة الحديثة، التي لم تعد تقتصر على المواجهة العسكرية، بل انتقلت إلى استهداف العقول والوعي والثقافة والقيم، عبر أدوات إعلامية ومنصات رقمية وخطابات مضللة تعمل بشكل مستمر على إعادة تشكيل وعي الشعوب.
خطورة المصطلحات وتبني رواية العدو
من أخطر ما تناوله السيد القائد في المحاضرة، التحذير من تبني المفردات والمصطلحات التي يصوغها العدو الصهيوني، حتى من قبل بعض المحسوبين على الأمة أو على الشعب اليمني،
فالمصطلح ليس بريئاً، بل يحمل خلفيات فكرية وسياسية، ويسهم في تشكيل الوعي العام وتوجيهه، ولذلك يسعى العدو دائماً إلى فرض روايته ومفاهيمه وتعابيره على الإعلام والرأي العام، وعندما يتحول بعض الإعلاميين أو الناشطين إلى مجرد ناقلين لمفردات العدو وخطابه السياسي، فإنهم بوعي أو بدون وعي يصبحون جزءاً من معركة التضليل التي تستهدف الأمة، وهذه من أخطر صور الاختراق الإعلامي والثقافي، لأنها تلبس لبوس الانتماء المحلي بينما تؤدي وظيفة تخدم العدو في الواقع.
الحرب الناعمة واستهداف القيم والأخلاق
توقف السيد القائد في المحاضرة عند جانب بالغ الأهمية يتعلق بالحرب الناعمة، التي تستخدم الإعلام ووسائل التأثير الحديثة لإفساد المجتمعات، خصوصاً فئة الشباب، عبر نشر التمييع، وإشاعة الفاحشة، وإضعاف القيم والأخلاق، وفي هذا السياق، ربط السيد القائد هذه الحرب بالمشروع اليهودي الهادف إلى صرف الناس عن الحق وإطفاء نور الله، كما قال تعالى:
﴿يُرِيدُونَ ليُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ ، وهو ما يكشف أن المعركة ليست سياسية فقط، بل هي معركة قيم وهوية ووعي وأخلاق، وأن استهداف الإعلام والثقافة والسلوك جزء أساسي من المشروع المعادي للأمة.
التضليل الإعلامي كجريمة أخلاقية وإنسانية
أكد السيد القائد في المحاضرة أن جرائم الإضلال والخداع لا تتم فقط بالسلاح، بل أيضاً بالكلمة والإعلام والتعبير وقول الزور، وأن تضليل الناس وتزييف الحقائق من أخطر الجرائم لما يترتب عليها من انحرافات فكرية وأخلاقية وسلوكية، وهذا يحمّل الإعلاميين والمثقفين والناشطين مسؤولية كبيرة في تحري الصدق، والالتزام بالحق، وعدم الانجرار خلف حملات التضليل والتزييف، التي يشنها العدو، كما أن السيد القائد أعاد الاعتبار للأخلاق المهنية في العمل الإعلامي، باعتبارها جزءاً من الالتزام الإيماني، لا مجرد قواعد مهنية جافة، وهو ما يمنح الإعلام رسالة إنسانية وأخلاقية تتجاوز المصالح والحسابات الضيقة.
الوعي .. خط الدفاع الأول
يؤكد السيد القائد في المحاضرة في مجمل مضامينها أن الوعي هو السلاح الأهم في مواجهة حملات التضليل والحرب الناعمة، وأن الأمة بحاجة إلى حالة يقظة مستمرة تجاه ما يقال وما يكتب وما يبث عبر وسائل الإعلام والمنصات المختلفة، فالعدو يعمل بشكل متواصل على التأثير على الناس في مجالسهم وتجمعاتهم ومنصاتهم ووسائل تواصلهم، مستفيداً من أدوات الوسوسة والتضليل والتزييف التي أشار إليها القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾
وهو ما يجعل من معركة الوعي معركة مصيرية تتطلب حضوراً قرآنياً وأخلاقياً وإعلامياً واعياً، قادراً على كشف الباطل، وتحصين المجتمع، وتعزيز الارتباط بالحق والقيم الإيمانية.
ختاما ..
تكشف المحاضرة الخامسة للسيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي حفظه الله عن رؤية قرآنية متكاملة تؤسس لمفهوم المسؤولية في الكلمة والإعلام والتعبير، وتربط بين الإيمان والوعي والأخلاق، في مواجهة واحدة من أخطر أدوات الاستهداف التي تعتمد عليها قوى الهيمنة والاستكبار، كما تؤكد أن الإعلام ليس مجرد وسيلة نقل خبر، بل ساحة صراع كبرى، وأن الكلمة قد تكون وسيلة هداية وبناء، وقد تتحول إلى أداة تضليل وإفساد وخدمة للأعداء، الأمر الذي يفرض على الجميع خصوصاً الإعلاميين والنخب الثقافية مسؤولية مضاعفة في الالتزام بالحق والعدل والوعي والبصيرة، وفي ظل تصاعد الحرب الناعمة وحملات التضليل والتزييف، تبدو العودة إلى التوجيهات القرآنية ضرورة ملحة لتحصين الأمة، وحماية هويتها، وصيانة وعيها، وتعزيز قدرتها على مواجهة مشاريع الإفساد والاستلاب الفكري والثقافي.