عبدالقادر بدرالدين.. أول شهداء الأسرة المجاهدة ورجل القرآن الذي ترجَّل في معركة الكرامة

حين يُذكر الرواد الأوائل الذين أسهموا في تأسيس المشروع القرآني وترسيخ دعائمه في أصعب الظروف، فإن الشهيد السيد عبدالقادر بدر الدين الحوثي يحضر بوصفه أحد أبرز تلك القامات الإيمانية والجهادية، وواحد من النماذج الاستثنائية التي جمعت بين العلم والعمل، وبين التربية والجهاد، وبين التواضع والشجاعة، فقد عاش حياته معلماً للقرآن، ومربياً للأجيال، وخادماً للناس، وأحد أوائل رجالات المشروع القرآني الذين حملوا مسؤولية التوعية والبناء منذ البدايات الأولى، قبل أن يرتقي شهيداً في الحرب الأولى على صعدة، ليسجل اسمه كأول شهيد من أسرة العلامة المجاهد بدر الدين الحوثي ” طيب الله ثراه”، ويترك وراءه سيرةً زاخرة بالعطاء والثبات والإخلاص.

 يمانيون| محسن علي 

نشأة في بيت العلم والولاية

وُلد الشهيد عبدالقادر بدر الدين الحوثي عام 1961م في منطقة سحار بمحافظة صعدة، في بيتٍ عُرف بالعلم والورع والتقوى، فهو الابن الثالث للعالم الرباني السيد العلامة بدر الدين أمير الدين الحوثي” رحمه الله”، أحد أبرز علماء اليمن في العصر الحديث، وفي تلك البيئة الإيمانية تشكلت شخصيته، ونهل من معين والده العلمي والأخلاقي، وتربى على حب القرآن الكريم والتمسك بقيم الإسلام الأصيلة، وكان قريباً من أخيه الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي، فجمعتهما منذ وقت مبكر علاقة علم وجهاد ومشروع مشترك حمل همّ الأمة وقضاياها الكبرى.

 

حافظ للقرآن ومربي للأجيال

لم يكن الشهيد عبدالقادر مجرد طالب علم، بل كان من أهل القرآن حفظاً وتعليماً وعملاً، فقد حفظ القرآن الكريم كاملاً عن ظهر قلب بقراءة نافع، وجعل من تعليم كتاب الله رسالة عمره وميدان عطائه.

تنقل بين القرى والمناطق النائية في صعدة، حاملاً نور القرآن إلى الناس، فدرّس في مديرية منبه والشعف والمرازم وذويب وغيرها من المناطق، قاطعاً المسافات الطويلة لإيصال رسالة الهداية والتعليم، وكان يرى أن بناء الإنسان بالقرآن هو الأساس الذي تُبنى عليه نهضة الأمة وعزتها.

 

من أوائل رجالات المشروع القرآني

مع انطلاقة المشروع القرآني كان الشهيد عبدالقادر من أوائل المؤمنين به والعاملين في سبيله، وقد اضطلع بأدوار مهمة في نشر الثقافة القرآنية، والاهتمام بالملازم الثقافية، والإشراف على طباعتها وتوزيعها وإيصالها إلى مختلف المناطق، وكان ملازماً لوالده العلامة بدر الدين الحوثي، ومرافقاً لأخيه الشهيد القائد في مختلف مراحل العمل الثقافي والتوعوي، مؤمناً بأن معركة الأمة تبدأ من الوعي والبصيرة قبل أن تكون معركة سلاح ومواجهة.

 

شخصية صنعتها القيم

عرفه من عاشره رجلاً قليل الكلام كثير العمل، هادئ الطبع، واسع الصدر، متواضعاً إلى أبعد الحدود، شديد البر بوالده، بالغ الاحترام لإخوته الأكبر سناً، حتى إنه كان المرجع التربوي لأبناء الأسرة، يتابع تعليمهم ويوجههم وينصحهم باستمرار، وكان محباً للإصلاح بين الناس، حريصاً على جمع الكلمة وإطفاء أسباب الخلاف، كما عُرف بزهده وإعراضه عن زخارف الدنيا، وانشغاله الدائم بما يقربه إلى الله سبحانه وتعالى.

 

شجاعة الموقف وثبات المبدأ

إلى جانب دوره العلمي والتربوي، عُرف الشهيد عبدالقادر بمواقفه الشجاعة وثباته في مواجهة التحديات، وتُروى عنه مواقف عديدة جسدت قوة شخصيته وسرعة بديهته وحضوره الميداني، كما كان من أوائل المبادرين لتحمل المسؤوليات الأمنية والاجتماعية في مدينة ضحيان والمناطق المحيطة بها، مؤدياً واجبه بصمت وإخلاص بعيداً عن الأضواء، بل وكان أيضاً يتمتع بحس أمني عالٍ ويقظة دائمة، إضافة إلى جرأة استثنائية جعلته حاضراً في أصعب الظروف وأشدها حساسية.

 

في مقدمة صفوف المواجهة

عندما بدأت الحرب الأولى الظالمة على صعدة، لم يكن الشهيد عبدالقادر ممن يكتفون بالمواقف النظرية، بل اختار أن يكون في مقدمة الصفوف، استأذن أخاه الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي للالتحاق بأحد المواقع المتقدمة في جبل صايد المطل على منطقة مران، وهناك خاض مع رفاقه مواجهة بطولية استمرت نحو شهر ونصف، أظهر خلالها أعلى درجات الثبات والصبر والشجاعة، وقد شكّل وجوده في الجبهة مصدر إلهام للمجاهدين، حيث جمع بين روح العالم المربي وشجاعة المقاتل الذي لا يتراجع أمام المخاطر.

 

أول شهداء الأسرة المجاهدة

في أوج الحرب الأولى ارتقى الشهيد عبدالقادر بدر الدين الحوثي شهيداً، ليكون أول شهيد من أسرة العلامة بدر الدين الحوثي، ولم يكن استشهاده مجرد حدث عابر، بل محطة مفصلية جسدت حجم التضحيات التي قدمتها الأسرة في سبيل المبادئ التي آمنت بها، ورسخت معنى الصدق في الموقف والثبات على النهج مهما كانت التحديات.

 

وصية الوعي والبصيرة

قبل استشهاده ترك الشهيد وصايا تؤكد عمق اهتمامه بالجانب التربوي والثقافي، حيث أوصى بالتمسك بالقرآن الكريم، والاهتمام بالملازم الثقافية، وتعزيز الوعي والمعرفة بالله سبحانه وتعالى، وقراءة سيرة أعلام الهدى من أئمة أهل البيت عليهم السلام، وقد عكست تلك الوصايا طبيعة المشروع الذي عاش من أجله، والقيم التي حملها طوال حياته.

 

ختاما..

لم يترك الشهيد عبدالقادر ثروة مادية ولا منصباً دنيوياً، لكنه ترك إرثاً أعظم يتمثل في سيرة ناصعة من الإيمان والتضحية والعلم والجهاد، فقد كان واحداً من الرجال الذين صنعوا حضورهم بالعمل الصامت والعطاء المخلص، وبقي اسمه حاضراً في ذاكرة رفاقه وتلامذته وكل من عرفه، باعتباره نموذجاً للرجل القرآني الذي جمع بين العلم والعمل، وبين التربية والجهاد، وبين الإخلاص والشهادة، وهكذا رحل عبدالقادر بدر الدين الحوثي شهيداً، لكنه بقي حياً في ذاكرة المشروع القرآني، وفي وجدان كل من عرفه أو سمع بسيرته، شاهداً على جيلٍ صنعته البصيرة، وخلدته التضحيات.

You might also like