عندما قَتَلَ الطاعون معظم اليمنيين بينهم أئمتها وملوكها قبل 600 عَام !

شهدت اليمن في القرن التاسع الهجري، الخامس عشر الميلادي واحدة من أعنف الكوارث التي سجلتها كتب التاريخ، عندما ظهر الطاعون الكبير عام 840هـ الموافق 1436م، فكان وباءً واسع الانتشار ضرب مختلف مناطق البلاد، وتحول خلال فترة قصيرة إلى مأساة عامة شملت المدن والقرى، وأحدث خسائر بشرية كبيرة أثرت في الحياة الاجتماعية والعلمية والسياسية في اليمن.

يمانيون | صالح مقبل فارع

وتذكر المصادر التاريخية أن هذا الطاعون استمر قرابة عامين كاملين، وخلال هذه الفترة انتقل من منطقة إلى أخرى حتى عمَّ معظم أرجاء اليمن، فأفنى أعدادًا كبيرة من السكان، وأدى إلى خراب بعض القرى وإخلاء بعض المدن من كثرة الوفيات، حتى وصف المؤرخون شدته بأنه “أودع كثيرًا من أهل اليمن بطون الثرى”، في إشارة إلى حجم الموت الذي خلفه في البلاد.

بدأ انتشار الوباء من مناطق اليمن الجنوبية والغربية، حيث ظهر في مدينة تعز، ثم امتد إلى عدن ولحج وأبين، وبعدها واصل طريقه نحو المناطق الداخلية حتى وصل إلى صنعاء، التي كانت من أكثر المدن تأثرًا بهذا الوباء. ومع وصول الطاعون إلى العاصمة، اشتدت الأزمة، وازدادت أعداد الوفيات بصورة كبيرة، وأصبحت مشاهد الجنائز جزءًا من الحياة اليومية للسكان.

ولم يكن أثر الطاعون مقتصرًا على العامة فقط، بل أصاب كبار العلماء وأهل الفضل والقيادات الدينية في ذلك العصر، ففقدت اليمن عددًا من أبرز شخصياتها العلمية والسياسية، ومن أشهر من توفي خلال هذه المحنة:

  • الإمام المهدي أحمد بن يحيى المرتضى، أحد كبار أئمة اليمن وعلمائها، وصاحب كتاب الأزهارالذي يعد من المؤلفات المهمة في الفقه، وكان له حضور علمي كبير في عصره.
  • الإمام علي بن صلاح الدين، إمام اليمن في زمانه، وأحد الشخصيات البارزة التي كان لها دور ديني وسياسي في تاريخ اليمن.
  • العلامة أحمد بن يحيى حابس، أحد العلماء المعروفين، وصاحب عدد من المؤلفات والنفائس العلمية.

وكانت صنعاء خلال هذه الفترة تعيش حالة استثنائية من الحزن والفقد، إذ تذكر الروايات التاريخية كثرة الجنائز التي كانت تخرج منها يوميًا، فقيل إن عددها بلغ نحو مائة جنازة في اليوم، وقيل أكثر من ذلك، حتى أصبحت المدينة عاجزة عن استيعاب حجم الوفيات المتزايدة.

وبلغت المأساة ذروتها في أواخر شهر رمضان، حيث تذكر الأخبار أن عدد الجنائز التي خرجت من صنعاء في يوم واحد وصل إلى نحو 1700 جنازة، وتكرر المشهد في اليوم الثاني من عيد الفطر، في صورة تعكس شدة انتشار الوباء وعظم الخسائر التي أصابت السكان.

ومع تفاقم الطاعون، تعطلت مظاهر الحياة في عدد من المدن اليمنية، وأغلقت الدور، وخفتت الحركة في المساجد والمجالس العلمية، وتأثرت الحياة الثقافية بسبب وفاة عدد كبير من العلماء والفقهاء وأصحاب المعرفة. كما أصاب الوباء المجتمع بحالة من الخوف والانقطاع، بعد أن فقدت اليمن خلاله نخبة من رجالها الذين كان لهم أثر في العلم والإدارة والقيادة.

ويُعد طاعون عام 840هـ من أبرز الأوبئة التي مرت بها اليمن خلال العصور الوسطى، فلم يكن مجرد مرض عابر، بل كان حدثًا تاريخيًا ترك أثرًا عميقًا في ذاكرة اليمنيين، لما سببه من وفاة أعداد كبيرة من الناس، ورحيل شخصيات علمية وسياسية بارزة، ودخوله سجل الكوارث الكبرى التي غيرت مسار الحياة في اليمن خلال القرن التاسع الهجري.

أعلى النموذج

– اليمن بعد الطاعون وتفكك القوى السِّيَاسِيَّة وظهور قوى حاكمة جديدة:

أحدث وباء الطاعون الكبير الذي ضرب اليمن سنة 840هـ/1436م آثارًا عميقة لم تقتصر على الجانب السكاني، بل امتدت إلى المجال السياسي، إذ تسبب في وفاة أعداد كبيرة من الناس، ومن بينهم قيادات وأمراء وأئمة، مما أدى إلى اضطراب الحكم وانهيار موازين القوى في البلاد، وكان في اليمن دولتان، هما الزيدية في صنعاء، والرسولية في تعز، وأدى هذا الطاعون إلى زوال الدولة الرسولية مؤبدًّا، والزيدية مؤقتًا، كما سيتضح في السطور التالية.

 

أولًا: أوضاع الشمال (الدولة الزيدية)

كانت الدولة الزيدية في شمال اليمن من أبرز المتأثرين بالوباء، فقد توفي الإمام المنصور بالله علي بن صلاح الدين، إمام الدولة الزيدية، ثم توفي ابنه الإمام محمد بن علي بعد فترة قصيرة بسبب الطاعون، مما أدى إلى فراغ في منصب الإمامة.

وبسبب وفاة رجال الأسرة الحاكمة، تولت فاطمة بنت الحسن بن صلاح الدين إدارة الحكم في صنعاء، واستعانت بقاسم عبد الله سنقر نائبًا عنها، وكان صاحب نفوذ وقوة عسكرية. إلا أن تولي امرأة للحكم أثار اعتراض بعض الزيدية، فعملت فاطمة على تثبيت شرعيتها بزواجها من السيد صلاح الدين بن علي بن أبي القاسم وتنصيبه إمامًا بلقب المهدي.

لكن الخلاف وقع بين صلاح الدين وسنقر حول السلطة، وانتهى باعتقال صلاح، ثم تمكنت فاطمة من تهريبه والفرار معه إلى صعدة، حيث أقاما حكمًا مستقلًا، بينما بقيت صنعاء تحت سيطرة سنقر.

استمر حكم فاطمة في صعدة حتى سنة 860هـ/1456م، حين تمكن الإمام الناصر من إنهاء نفوذها وأسرها.

أما في صنعاء فقد واجه سنقر رفضًا من الزيدية بسبب أصله، فقام أنصار آل حمزة بتنصيب المطهر بن محمد الحمزي إمامًا، ثم حاول سنقر تثبيت نفوذه بتنصيب الناصر بن محمد إمامًا اسميًا.

غير أن الناصر كان يطمح إلى الحكم الفعلي، فدخل في صراع مع سنقر، الذي حاول التخلص منه، لكن والدته مريم بنت الإمام علي بن صلاح الدين تمكنت من تهريبه من صنعاء إلى حصن هران في ذمار، حيث استقل بحكم ذمار ومناطقها.

وبذلك أدى الطاعون إلى تفكك الدولة الزيدية الموحدة إلى عدة قوى متنافسة:

  • دولة المطهر الحمزي في صنعاء.
  • دولة الناصر بن محمد في ذمار.
  • دولة فاطمة بنت الحسن وزوجها صلاح الدين في صعدة.
  • نفوذ سنقر العسكري والسياسي في صنعاء.

واندلعت بينهم صراعات ومعارك داخلية، من أبرزها معارك قريس سنة 841هـ/1437م، وحمراء علب سنة 846هـ/1441م، وعرقب سنة 866هـ/1462م، وَانْتَهَتْ هَذِهِ الصراعات بزوال الدَّوْلَة الزَّيْدِيَّة مؤقتًا وسيطرة الدَّوْلَة الطَّاهِرِيَّة عَلَى كل الْبِلاد.

 

ثانيًا: أوضاع الجنوب (الدولة الرسولية وبقية اليمن)

أما في جنوب اليمن، فقد كانت الدولة الرسولية تعاني من الضعف والانقسام حتى قبل ظهور الطاعون، ثم زادت الكارثة من حالة التراجع السياسي والإداري داخل الدولة.

فقد أدى انتشار الطاعون إلى مزيد من الاضطرابات، وظهرت خلافات ونزاعات داخل البيت الرسولي، مما أضعف سلطة الدولة وأفقدها قدرتها على ضبط الأوضاع في مناطق نفوذها.

ومع استمرار الصراعات الداخلية وتراجع قوة الدولة الرسولية، انتهى الأمر بسقوطها وزوال حكمها عن اليمن، لتظهر على أنقاضها دولة جديدة هي الدولة الطاهرية، التي ورثت النفوذ السياسي في مناطق واسعة من اليمن.

وهكذا شكل الطاعون الكبير سنة 840هـ/1436م نقطة تحول تاريخية في اليمن، إذ أدى إلى إضعاف القوى القائمة، وانقسام الدولة الزيدية في الشمال، وتسارع انهيار الدولة الرسولية في الجنوب، لتدخل البلاد مرحلة جديدة من التنافس السياسي وظهور قوى حاكمة جديدة.

 

المصادر والمراجع:
– غَايَةُ الأَمَانِيِّ فِيْ أَخْبَارِ القُطْرِ اليَمَانِيّ [ملخص أنباء الزمن]، تأليف العلامة المؤرخ: يحيى بن الحسين بن القاسم بن محمد بن عَلِي.
– اللَّطائِفُ السَّنِيَّةُ فِيْ أَخْبَارِ المَمَالِكِ الْيَمَنيةِ؛ تأليف: العلامة المؤرخ محمد بن إِسْمَاعِيْل الْكِبْسِي.

 

 

You might also like