معركة الرَّزْم (الرَّدْم) 2هـ / 624م: يومٌ من أيام اليمن الفاصلة بين القبائل والتحولات الكبرى.

القرن الأول الهجري، السابع الميلادي.

تُعَدُّ معركة الرَّزْم أو الرَّدْم من الأحداث البارزة في تاريخ اليمن خلال صدر الإسلام، فقد وقعت في مرحلة مهمة شهدت فيها الجزيرة العربية تغيرات سياسية ودينية كبرى. ففي الوقت الذي كانت فيه غزوة بدر الكبرى تجري في الحجاز بين المسلمين وقريش، كانت أرض اليمن تشهد مواجهة قبلية كبيرة بين قوتين من أكبر القوى القبلية آنذاك، هما مذحج وهمدان، في منطقة الجوف. ولم تكن هذه المعركة مجرد صراع على النفوذ والسيطرة، بل كان لها أثرٌ كبير في تغير موازين القوى بين القبائل، ومهّدت لاحقًا لدخول قبائل مذحج في الإسلام، لتبقى معركة الرزم محطة مهمة في التاريخ اليمني والإسلامي.

يمانيون/ صالح مقبل فارع.

 

وكما قلنا في المقدمة تُعَدُّ معركة الرَّزْم أو الرَّدْم من المعارك القبلية المهمة في تاريخ اليمن القديم والإسلامي المبكر، إذ وقعت في فترة شهدت فيها الجزيرة العربية تحولات سياسية ودينية كبرى، ففي الوقت الذي كانت فيه غزوة بدر الكبرى تجري في الحجاز بين المسلمين بقيادة النبي محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- وقريش في السابع عشر من رمضان سنة 2هـ، الموافق 12 آذار / مارس 624م، كانت اليمن تشهد في اليوم نفسه معركة أخرى لا تقل أهمية في آثارها القبلية والسياسية، وهي معركة الرَّزْم (الرَّدْم) في منطقة الجوف اليمنية.

كانت اليمن آنذاك تحت النفوذ الفارسي الساساني، وكان الحاكم عليها باذان، وقد كانت الأوضاع الداخلية تشهد تنافسًا بين القوى القبلية الكبرى، وفي مقدمتها همدان بفروعها الكبرى: حاشد وبكيل، ومذحج بفروعها المتعددة مثل مراد وعنس وزبيد والنخع وغيرها.

 

– أسباب اندلاع المعركة:

نشأت أسباب معركة الرزم نتيجة صراع قبلي على النفوذ والسيطرة، فقد كانت مذحج تطمح إلى بسط نفوذها على صنعاء، التي كانت تُعد من المواطن التاريخية لقبائل همدان، كما أن مذحج كانت قد تمكنت من السيطرة على منطقة الجوف وانتزاعها من نفوذ همدان، الأمر الذي دفع الأخيرة إلى التحرك لاستعادة مكانتها ونفوذها.

فاشتد الخلاف بين الطرفين، حتى اجتمعت القبائل واستعدت للمواجهة، وكان ميدان الصراع هو وادي الرَّدْم أو الرَّزْم في الجوف، وهو موضع ارتبط تاريخيًا بقبيلة مراد المذحجية.

 

– أطراف المعركة وقادتها:

اجتمعت في هذه المعركة قوتان قبليتان كبيرتان:

– الطرف الأول: مذحج وحلفاؤها:

  • – قبيلة مراد، وكانت في مقدمة الجيش.
  • – عنس.
  • – زبيد.
  • – النخعيون.
  • – وغيرها من فروع مذحج.

وكان من أبرز قادتها:

  • – فروة بن مسيك المرادي.
  • – الفارس المشهور قيس بن مكشوح المرادي.

– الطرف الثاني: همدان:

  • – حاشد.
  • – بكيل.

وكان من قادتها:

  • – الأجدع بن مالك.
  • – وقيل: مالك بن حريم.

 

– وقائع معركة الرَّزْم:

التقى الجمعان في وادي الرزم في يوم شديد القتال، وكانت المعركة من المعارك العنيفة التي سقط فيها عدد كبير من القتلى من الطرفين، إلا أن الغلبة كانت في النهاية لقبائل همدان، حاشد وبكيل، حيث تمكنت من هزيمة جيش مذحج وإخراج مراد من منطقة الجوف.

وتذكر الروايات أن قبيلة مراد فقدت عددًا كبيرًا من رجالها، وقيل إن من قتل من كبار مشايخها وفرسانها بلغ نحو ستين رجلًا أو أكثر، وكانت هذه الخسارة ضربة قوية لمذحج، وأدت إلى انتقال السيطرة على الجوف إلى همدان، وبقيت المنطقة مرتبطة تاريخيًا بقبائل بكيل.

 

– الصلح وإنهاء النزاع:

بعد انتهاء المعركة تدخلت بقية قبائل اليمن، ومنها كندة وحمير وغيرها، بهدف إيقاف النزاع وحقن الدماء، فاجتمعوا في وادي الجوف وتم الاتفاق على إنهاء الحرب.

وكان من نتائج الصلح:

  • – خروج مراد من وادي الجوف.
  • – انتقال مراد إلى مناطق مغارب مأرب.
  • – جعل الأرض الواقعة بين مأرب وبيحان وردمان مجالًا لقبيلة مراد وأحلافها.

وكانت هذه المناطق قبل ذلك موضع تنازع بين قبائل مذحج وحمير وحضرموت منذ عصور الملوك السبئيين، ومن أبرزهم الملك السبئي شعرم أوتر.

وقد كان لهذا الصلح أثر كبير في تهدئة العلاقة بين القبائل، كما أصبح لاحقًا من الأسباب التي مهدت لدخول مراد في الإسلام.

 

– خذلان كندة وأثره في الهزيمة:

كانت قبيلة كندة قد تحالفت مع مذحج، ووعدت بنصرتها في القتال، لكنها لم تحضر يوم المعركة، وكان لهذا التخلف أثر كبير في هزيمة مذحج ومراد.

وقد شعر فروة بن مسيك المرادي بأن كندة خذلته، ففارقه متوجهًا إلى الحجاز، حيث كانت الدعوة الإسلامية قد انتشرت، وقصد المدينة المنورة لطلب النصرة، وقال في طريقه:

لما رأيت ملوك كندة أعرضت   كالرجل خان الرجل عرق نسائها
قربت راحلتي أَؤُمّ محمدًا   أرجو فواضله وحسن ثرائها

 

معركة الرزم وبداية إسلام مراد:

عندما وصل فروة بن مسيك إلى المدينة المنورة لم يجد فقط ما كان يبحث عنه من نصرة سياسية، بل وجد رسالة الإسلام ولقاء النبي محمد -صلى الله عليه وآله وسلم-، فدخل في الإسلام وأعلن إيمانه.

وقد ازداد يقينه عندما قال له النَّبِيّ: “يا فروة هل ساءك ما أصاب قومك يوم الردم؟”؛ فأدرك فروة أن النبي يعلم ما حدث لقومه دون أن يخبره أحد، فثبت إيمانه، فقال: إن من يصاب قومه بمثل ما أصيب به قومي يوم الردم لا يسوءه ذلك.

فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: “أما إن ذلك لم يزد قومك في الإسلام إلا خيرًا”.

ثم ولّاه النبي على مراد وزبيد ومذحج كلها، فعاد إلى اليمن داعيًا قومه إلى الإسلام، فاستجابوا له ودخلت قبائل مذحج في الإسلام.

 

– أهمية معركة الرَّزْم في التاريخ اليمني

تكمن أهمية معركة الرزم في أنها لم تكن مجرد مواجهة قبلية عابرة، بل كانت حدثًا ترك آثارًا سياسية واجتماعية ودينية عميقة؛ فقد أعادت ترتيب موازين القوى بين قبائل اليمن، ورسخت نفوذ همدان في الجوف، وكانت في الوقت نفسه سببًا غير مباشر في اقتراب قبائل مذحج من الإسلام.

وهكذا بقيت معركة الرزم (الردم) شاهدًا على مرحلة انتقالية مهمة من تاريخ اليمن، اجتمع فيها صراع القبائل مع بدايات انتشار الإسلام، لتصبح واحدة من الأحداث التي ربطت بين تاريخ اليمن القديم وعصر الدولة الإسلامية الناشئة.

* * *

 

 

You might also like