الإمام الهادي إلى اليمن.. رحلة الإصلاح، وتأسيس أوَّل كيان سياسي مستقل عن العباسيين.

6 صفر 284هـ/ 14 مارس 897م.

يُعَدُّ وصول الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين بن القاسم الرَّسِّي عَلَيْهِ السَّلام إلى اليمن سنة 284هـ/897م من أبرز المنعطفات السياسية والدينية في تاريخ اليمن الإسلامي؛ إذ مثّل بداية قيام الدولة الزيدية التي أصبحت إحدى أطول الدول الإسلامية عمرًا في اليمن. وقد جاء الإمام الهادي في وقت كانت البلاد تعاني فيه من الانقسام السياسي، واضطراب الأمن، وتنافس القوى المحلية والإقليمية، الأمر الذي دفع عددًا من زعماء القبائل اليمنية إلى البحث عن قائدٍ يجمع الكلمة ويعيد الأمن والاستقرار.

يمانيون/ صالح مقبل فارع.

اليمن قبل قدوم الإمام الْهَادِي:

عاشت اليمن في أواخر القرن الثالث الهجري حالةً من الاضطراب السياسي؛ فقد تنازعتها عدة قوى، أبرزها الدولة العباسية، والدولة اليعفرية، والدولة الزيادية، والحركة الإسماعيلية القرمطية، إضافةً إلى الصراعات القبلية المتواصلة بين القبائل وأمراء المناطق. وأدى هذا الواقع إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية والأمنية، وانتشار الفوضى في كثير من أنحاء البلاد، ولا سيما صنعاء وما حولها.

وأمام هذا الواقع، اتفقت مجموعة من وجهاء اليمن على استقدام شخصية تمتلك الكفاءة العلمية والقيادية لتوحيد البلاد وإقامة العدل وتكون قادرةً على إصلاح الأحوال، فبعثوا وفدًا إلى الحجاز، حيث دلّهم العلماء على الإمام يحيى بن الحسين الرسي، لما عُرف عنه من العلم والورع والشجاعة وحسن السيرة.

 

الرحلة الأولى إلى الْيَمَن:

وقع اختيار الوفود اليمنية على الإمام الْهَادِي إِلَى الْحَقّ يحيى بن الحسين بن القاسم الرَّسِّي، أحد أبرز علماء آل البيت في عصره، وكان يقيم في منطقة الرَّسِّ شمال المدينة المنورة. فاستجاب للدعوة،

استجاب الإمام الهادي للدعوة، ووصل إلى اليمن لأول مرة سنة 280هـ/894م، إلا أن التجربة لم تستمر طويلًا؛ إذ لم يجد من الناس الَّذِيْنَ دعوه الالتزام بما تعاهدوا عَلَيْهِ من الطاعة والانضباط، فعاد إلى الحجاز، معلنًا موقفه المشهور: «والله لا أكون مثل الشمعة تحرق نفسها لتضيء للناس»، كما قال: «والله ما هي إلا سيرة عَلِيٍّ أو النار».

وقد عكست هذه العبارات تمسكه بالمبادئ، ورفضه أن يتولى الحكم دون إقامة العدل والالتزام بأحكام الشريعة.

 

الرحلة الثَّانِيَة إِلَى الْيَمَن:

لم تمضِ فترة طويلة حتى عادت الفوضى إلى اليمن، فأرسل اليمنيون وفدًا ثانيًا إلى الإمام، وتعهدوا له بالطاعة والنصرة، فقبل الدعوة مرة أخرى، وارتحل إلى اليمن ومعه عدد قليل من أصحابه وأفراد أسرته؛ وَفِي خروجه هَذَا بدأت مرحلة تاريخية جَدِيْدة لِلْيَمَنِ.

 

رفاق الإمام الهادي في رحلته الثَّانِيَة إلى الْيَمَن:

لم يخرج الإمام الهادي إلى اليمن على رأس جيش كبير، وإنما رافقه عدد قليل من أهل بيته وأصحابه الذين شكّلوا النواة الأولى للدولة الزيدية، ومن أبرزهم:

  • ابنه الإمام المرتضى أبو القاسم محمد بن الهادي، من ذرية الإمام الحسن بن علي.
  • يوسف بن محمد الحسيني، من ذرية الإمام الحسين بن علي.
  • الشهيد محمد بن عبيد الله العلوي العباسي، من ذرية العباس بن علي.
  • يحيى بن الحسين، من ذرية عمر بن علي بن أبي طالب.
  • إدريس بن أحمد الجعفري الحجازي، من ذرية جعفر بن أبي طالب.

ثم التحق به بعد ذلك عدد من أقاربه وأنصاره، منهم: أخوه عبد الله بن الحسين، وولده الناصر أحمد بن الهادي، وعمه الحسن بن القاسم وابناه، وابن عمه علي بن سليمان بن القاسم، ومؤلف سيرته علي بن محمد بن عبيد الله العباسي، وإخوته جعفر والقاسم وموسى، إضافةً إلى عشرات من الشيعة الحجازيين والطبريين واليمنيين الذين شاركوا في تثبيت أركان الدولة الناشئة.

 

وصول الإمام الهادي وتأسيس الدولة الزَّيْدِيَّة:

وصل الإمام الهادي إلى اليمن في 6 صفر 284هـ، الموافق 14 مارس 897م، وهو وصوله الثاني، وبمجرد وصوله أعلن قيام الدولة الزيدية، واتخذ لقب الهادي إلى الحق، وجعل مدينة صعدة عاصمةً لدولته.

وقد خاطب أهل اليمن بقوله: يا أهل اليمن، لكم عليَّ ثلاث: أن أحكم فيكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وأن أقدمكم عند العطاء، وأتقدمكم عند اللقاء، ولي عليكم: النصح والطاعة ما أطعت الله”.

 

 

منهجه في الحكم وَالإِصْلاح:

تميّز الإمام الهادي بمنهج مختلف عن كثير من حكام عصره؛ فلم يدخل اليمن بجيشٍ أجنبي، ولم يعتمد على شراء الولاءات بالأموال، وإنما دعا إلى إقامة العدل والالتزام بالشريعة، واشترط الطاعة لله قبل الطاعة له، ولذلك التف حوله كثير من القبائل التي رأت فيه قائدًا دينيًا ومصلحًا قبل أن يكون حاكمًا سياسيًا. كما عُرف بعفوه عن خصومه بعد الانتصار عليهم، وهو ما أسهم في كسب ولاء كثير من القبائل والزعماء المحليين.

ومن أبرز الأمثلة على ذلك موقفه مع الأمير أسعد بن أبي يعفر؛ إذ عفا عنه بعد أسره، وأطلق سراحه، وأعاده إلى إمارته، فكان لهذا الموقف أثر بالغ في توثيق العلاقة بينهما، وأصبح أسعد من أبرز الموالين للإمام الهادي، وساند أبناءه من بعده في أكثر من مناسبة.

 

صراعات الدولة النَّاشِئَة:

استمرت إمامة الإمام الهادي قرابة أربع عشرة سنة، من 6 صفر 284هـ حتى 20 ذي الحجة 298هـ [14 مارس 897م – 18 أغسطس 911م]، وخلال هذه الفترة خاض عشرات المعارك ضد الدولة اليعفرية والإسماعيلية القرامطة وبعض القبائل، وكانت الغلبة تتبادل بين الأطراف المختلفة، إلا أن الإمام استطاع تثبيت أركان دولته في شمال اليمن، مع توسع نفوذها أحيانًا ليشمل صنعاء وذمار وعمران والجوف وحجة ونجران، بينما كان يقتصر في بعض الفترات على صعدة وما حولها.

 

الدولة الزيدية وأثرها التاريخي:

أسس الإمام الهادي دولةً أصبحت من أطول الدول اليمنية عمرًا؛ إذ استمرت ـ مع فترات من الانقطاع، أكثر من 1065 عامًا، منذ سنة 284هـ/897م حتى سقوطها بقيام ثورة 26 سبتمبر 1962م، وكانت أول دولة يمنية مستقلة استقلالًا كاملًا عن الدولة العباسية، فلم تُذكر أسماء الخلفاء العباسيين في خطبة الجمعة داخل أراضيها. كما تعاقب على حكمها أكثر من مائة إمام، وكانت مدينتا صعدة وصنعاء أبرز عواصمها عبر تاريخها الطويل.

 

الإمام الهادي: العالم والمصلح:

لم يكن الإمام الهادي قائدًا سياسيًا فحسب، بل كان أيضًا من كبار علماء الإسلام، ومؤسس المدرسة الهادوية الزيدية، وترك مؤلفات مهمة في الفقه والعقيدة وأصول الدين، من أشهرها: الأحكام في معرفة الحلال والحرام، والمنتخب، والمجموعة الفاخرة.

كما عُرف بالزهد والورع، فلم يتخذ لنفسه راتبًا من بيت المال، وكان يعتمد في نفقاته على ما يأتيه من موطنه في منطقة الرس بالحجاز، مؤكدًا أن غايته إقامة الحق لا جمع الأموال.

 

خاتمة:

شكّل وصول الإمام الهادي إلى اليمن نقطة تحول بارزة في التاريخ اليمني؛ إذ نقل البلاد من مرحلة الانقسام والصراع إلى تجربة سياسية ودينية جديدة قامت على فكرة الإمامة الزيدية. ورغم ما واجهته دولته من حروب وصراعات متواصلة، فقد استطاعت أن تترك أثرًا عميقًا في الحياة السياسية والفكرية والدينية في اليمن، واستمرت قرونًا طويلة لتصبح إحدى أهم التجارب السياسية في تاريخ اليمن الإسلامي، ولا يزال تأثيرها حاضرًا في الدراسات التاريخية والفكرية المتعلقة بتاريخ اليمن حتى اليوم.

* * *

 

 

You might also like