مطار صنعاء .. حين يتحول الحصار إلى حكم بالموت الجماعي
في مشهد يعكس حجم المأساة الإنسانية التي يعيشها اليمنيون منذ سنوات، كشف المؤتمر الصحفي الذي عقدته وزارة الصحة والبيئة عن واحدة من أكثر الصور إيلامًا للحصار المفروض على اليمن، مقدمًا بالأرقام والإحصاءات ما وصفته الوزارة بأنه كارثة إنسانية وصحية غير مسبوقة نتجت عن استمرار الحصار وإغلاق مطار صنعاء الدولي، وما ترتب عليه من حرمان ملايين المواطنين من حقهم في العلاج، وتفاقم معاناة المرضى، وانهيار أجزاء واسعة من المنظومة الدوائية والصحية، ولم يكن المؤتمر مجرد استعراض لأرقام جامدة، بل جاء ليقدم ملفًا متكاملًا يوثق حجم التداعيات الإنسانية التي مست مختلف شرائح المجتمع، ويضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته القانونية والأخلاقية.
يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي
الأرقام تكشف أن الحصار تجاوز البعد العسكري إلى استهداف الحياة المدنية
تكشف الإحصائيات التي أعلنتها وزارة الصحة أن الحصار لم يعد مجرد إجراء يتعلق بحركة النقل أو السفر، بل تحول إلى عامل مباشر في تهديد حياة ملايين اليمنيين، فوجود أكثر من 17 مليون شخص يعانون من الجوع الحاد، بينهم 3.6 ملايين طفل، منهم 630 ألف طفل في مرحلة حرجة مهددة للحياة، يعكس اتساع دائرة الكارثة الإنسانية بصورة غير مسبوقة، كما أن حرمان أكثر من 20 مليون مواطن من الرعاية الصحية الأساسية يوضح أن الأزمة لم تعد تخص المرضى المزمنين فقط، وإنما أصبحت تمس حق المجتمع بأكمله في الحصول على الخدمات الصحية، وتكشف هذه المؤشرات أن الأزمة الصحية في اليمن أصبحت أزمة بنيوية شاملة، تتداخل فيها آثار الحصار مع تراجع القدرة التشغيلية للمؤسسات الصحية.
إغلاق مطار صنعاء .. من وسيلة ضغط إلى وسيلة قتل بطيء
واحدة من أخطر الرسائل التي حملها المؤتمر هي أن استمرار إغلاق مطار صنعاء لم يعد مجرد قضية تتعلق بحرية السفر، بل أصبح يمثل شريانًا مقطوعًا للحياة، فالمطار بالنسبة لآلاف المرضى يمثل المنفذ الوحيد للوصول إلى العلاج، وتشير البيانات إلى أن ، أكثر من 200 ألف مريض حرموا من السفر للعلاج بالخارج، وتم تسجيل 18,370 حالة مرضية مستعصية تحتاج للعلاج الخارجي خلال الفترة (2021-2025)، وكذلك التقديرات تشير إلى وفاة 28 ألف مريض بالسرطان نتيجة عدم حصولهم على العلاج المناسب أو عدم تمكنهم من السفر، وتكشف هذه الأرقام أن إغلاق المطار تحول عمليًا إلى عامل رئيسي في ارتفاع معدلات الوفيات بين المرضى.
الأطفال يدفعون الثمن الأكبر
ربما كانت أكثر الإحصائيات إيلامًا تلك المتعلقة بالأطفال، فقد كشف المؤتمر عن:
2300 طفل أصيبوا بسرطان الدم منذ بداية العدوان.
استخدام الأسلحة المحرمة أدى إلى تضاعف معدلات الإصابة.
في مركز اللوكيميا الوحيد بصنعاء يفارق 30% من الأطفال المؤهلين للسفر للعلاج الحياة.
نحو 3000 طفل يعانون من سرطان الدم مع انعدام جزء كبير من أدوية العلاج.
وتؤكد هذه المؤشرات أن الأطفال أصبحوا الفئة الأكثر هشاشة أمام تداعيات الحصار، في ظل نقص الأدوية وتعذر السفر وانهيار سلاسل الإمداد الدوائي.
انهيار المنظومة الدوائية .. أزمة تتجاوز نقص الأدوية
لم يتوقف المؤتمر عند الحديث عن المرضى، بل تناول التأثيرات العميقة للحصار على قطاع الدواء، ومن أبرز المؤشرات، انخفاض القدرة الاستيعابية للسوق الدوائي بنسبة 60%، وتوقف نشاط 83 شركة ومستوردًا، وتدهور أوضاع أكثر من 380 شركة دوائية، وانسحاب 83 شركة أدوية عالمية، واختفاء 1600 صنف دوائي، وفقدان أكثر من 550 صنفًا دوائيًا منقذًا للحياة، بينها 12 صنفًا أساسيًا للعلاج الكيماوي، وتكشف هذه البيانات أن الأزمة لم تعد مرتبطة بتوفير الدواء فقط، وإنما أصبحت تمس قدرة السوق الدوائي بالكامل على الاستمرار.
النقل البري فاقم الكارثة الصحية
يشير المؤتمر إلى أن إغلاق مطار صنعاء فرض الاعتماد على النقل البري لمسافات طويلة، وهو ما تسبب في خسائر كبيرة، ومن أبرز النتائج، إتلاف أكثر من 100 طن من الأدوية، وفقدان نحو 30% من الإمدادات الطبية، وتلف الأدوية المبردة نتيجة انقطاع سلسلة التبريد، وبقاء مئات الشحنات الدوائية عالقة في جيبوتي، وارتفاع تكاليف النقل والتأمين إلى مستويات غير مسبوقة، وهذا يعني أن الحصار لا يمنع وصول الدواء فقط، بل يؤدي كذلك إلى إتلاف ما يتم استيراده بالفعل.
المرضى المزمنون في دائرة الخطر المباشر
سلط المؤتمر الضوء على الفئات الأكثر تعرضًا للمخاطر، ومن أبرزها
أكثر من 120 ألف مريض سرطان، و40 ألف مريض بالثلاسيميا وأمراض الدم الوراثية، وكذا 8 آلاف مريض غسيل كلوي، وتؤكد الوزارة أن هؤلاء يواجهون خطر الوفاة نتيجة نقص الأدوية والمستلزمات الطبية، خاصة تلك التي تحتاج إلى الحفظ في درجات حرارة محددة.
البعد الاقتصادي للحصار الصحي
الأزمة الصحية لم تتوقف عند حدود العلاج، فقد أدى الحصار إلى ارتفاع أسعار الأدوية بنسبة 200%، وزيادة تكاليف الشحن والتأمين، وتعقيد إجراءات الاستيراد، وخروج شركات من السوق،
وانخفاض المنافسة، وزيادة الأعباء المالية على المرضى وأسرهم، وبذلك تحولت الأزمة الصحية أيضًا إلى أزمة اقتصادية واجتماعية تضاعف من معاناة المواطنين.
الرسائل السياسية للمؤتمر
يحمل المؤتمر عدة رسائل سياسية مهمة، أبرزها،
تحميل السعودية مسؤولية التداعيات الإنسانية والصحية الناتجة عن الحصار، والتأكيد أن استمرار إغلاق مطار صنعاء يفاقم الأزمة الإنسانية، ودعوة الأمم المتحدة والمنظمات الدولية إلى تحمّل مسؤولياتها وعدم تجاهل معاناة المرضى، وكذا المطالبة بفتح مطار صنعاء أمام الرحلات الإنسانية والتجارية بصورة مستمرة، ورفع القيود المرتبطة بالحصار.
الدلالات القانونية والإنسانية
من منظور القانون الدولي الإنساني، يسلط المؤتمر الضوء على قضايا تتعلق بحق المدنيين في الحصول على الرعاية الصحية، وإيصال الإمدادات الطبية، وحماية المرضى، وهي موضوعات تحظى باهتمام في الاتفاقيات الدولية الخاصة بالنزاعات المسلحة، كما يبرز المؤتمر الحاجة إلى استمرار الجهود الإنسانية الرامية إلى تسهيل وصول المرضى إلى العلاج وضمان تدفق الأدوية والمستلزمات الطبية الأساسية.
ختاما ..
يعكس المؤتمر الصحفي لوزارة الصحة والبيئة صورة شديدة القسوة للأوضاع الإنسانية والصحية المرتبطة باستمرار القيود على مطار صنعاء الدولي، حيث تشير الأرقام المعروضة إلى تحديات كبيرة تواجه المرضى والمنظومة الصحية وسوق الدواء. ويبرز التقرير أن القضية لا تتعلق فقط بحركة الطيران، بل تمتد إلى آثار واسعة على فرص العلاج، وتوافر الأدوية، واستمرارية الخدمات الصحية، وتضع هذه المعطيات المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية أمام مسؤولية مضاعفة لمتابعة الوضع الإنساني، والعمل على دعم وصول الخدمات والإمدادات الطبية، بما يسهم في الحد من معاناة المدنيين وضمان حصول المرضى على الرعاية والعلاج اللازمين.