فاتورة 12 عامًا من الحصار والعدوان

يمانيون| بقلم: أيوب أحمد هادي

​على مدى عقد من الزمن وأنا أرقب فيه التحولات السياسية والاقتصادية في المنطقة من أروقة الصحافة والتحليل الإعلامي، لم أقف قط أمام وثيقة رقمية تشهد على حجم التجريف الممنهج لمقومات دولة وحياة شعب كامل كما توثقه البيانات الأخيرة الصادرة عن وزارة الاقتصاد والصناعة والاستثمار.

إن الإعلان عن بلوغ إجمالي الأضرار المباشرة التي لحقت بالقطاعات الاقتصادية اليمنية جراء 12 عامًا من العدوان والحصار السعودي الأمريكي حاجز الـ 1.598 ترليون دولار (أكثر من 1.5 تريليون دولار)، يمثل وثيقة اتهام جنائية واقتصادية مكتملة الأركان تُحمّل التحالف العبري بقيادة السعودية المسؤولية التاريخية والقانونية والأخلاقية الكامنة وراء واحدة من أكبر الكوارث الاقتصادية والإنسانية في العصر الحديث.

​لقد برهنت سنوات الحرب والحصار العجاف أن الاستراتيجية التي انتُهجت ضد اليمن كانت “حرب تجويع وإخضاع اقتصادية” شُنت بأدوات الحظر الجوي والبحري والبري، واستهداف المنشآت الإنتاجية، وتجريف البنية التحتية لحرمان المواطن اليمني من أدنى مقومات الحياة الكريمة.

​عند القراءة التحليلية للخريطة الرقمية التي كشفت عنها السلطات الاقتصادية، يتضح جليًا أن القصف والحصار لم يستثنيا قطاعًا حيويًّا، فقد تركزا بضراوة على القطاعات ذات الاتصال المباشر بالحياة اليومية للمواطنين وبأمنهم الغذائي والمعيشي.

​يبرز قطاع الاقتصاد المباشر (1.13 ترليون دولار) كأكبر متضرر على الإطلاق، وهو الرقم الذي يعكس الشلل الحاد والتعطل التام الذي أصاب الدورة الاقتصادية الكلية، وتوقف عجلة النمو، وفقدان مئات الآلاف من وظائفهم.

يضاف إلى ذلك قطاع التجارة الخارجية (111.13 مليار دولار) الذي تعرض لضربة قاصمة نتيجة القيود الصارمة والحصار المباشر على حركة السفن في الموانئ والمطارات اليمنية، مما أدى إلى ارتفاع جنوني في تكاليف الشحن والتأمين وتأخير وصول السلع الأساسية والمواد الغذائية والمشتقات النفطية.​

و​تُظهر البيانات استهدافًا مركزًا للقطاعات التي تؤمن القوت اليومي لليمنيين؛ حيث سجل قطاع الزراعة والثروة الحيوانية خسائر باهظة بلغت 111 مليار دولار.

هذا الرقم المرعب يترجم القصف والدمار الذي طال البنية التحتية الزراعية، ومشاريع الري، ومقرات الهيئات والمؤسسات الزراعية بما فيها المعامل والمختبرات المركزية، والأسواق الريفية، فضلًا عن منع دخول المستلزمات الزراعية والمعدات والمدخلات الإنتاجية؛ مما تسبب في حرمان ملايين الأسر الريفية والمزارعين في مختلف المحافظات من مصادر عيشهم.

​ولم يكن قطاع الثروة السمكية (12.6 مليار دولار) ببعيد عن هذا الاستهداف، حيث تعرض الصيادون على امتداد الشريط الساحلي الغربي للاستهداف المباشر، وتدمرت قواربهم ومراكز الإنزال السمكي، مما حرم ألاف الأسر الساحلية من مصدر رزقها الأساسي.

يكتمل هذا الثلث المحتضر بخسائر القطاع الصناعي (82.5 مليار دولار) الذي شهد تدمير وخروج مئات المصانع والمنشآت الإنتاجية عن الخدمة.

​تعمّد التحالف تحييد الموارد السيادية التي ترفد الخزينة العامة؛ حيث تسبب في خسائر قدرها 57 مليار دولار في قطاع النفط والمعادن من خلال وقف التصدير وتدمير المنشآت والأنبوب النفطي، إلى جانب خسائر قطاع الخزينة العامة والقطاع المالي (32.1 مليار دولار) جراء نقل وظائف البنك المركزي الى بنك عدن، وحظر التعاملات المباشرة، وانقسام النظام المصرفي، مما أدى إلى قطع مرتبات الموظفين المدنيين لسنوات طوال.

و​طال التدمير الشريان الخدمي المباشر للمواطنين، مسجلًا خسائر فادحة في قطاع الكهرباء والطاقة والمياه (28 مليار دولار)، وقطاع النقل من طرقات وجسور وموانئ ومطارات (23 مليار دولار)، وصولًا إلى القطاع الصحي (7 مليارات دولار) الذي تُرك يصارع الأوبئة والأمراض وسط نقص المستلزمات وإصابة المراكز الطبية بالقصف المباشر وغير المباشر، فضلًا عن قطاع السياحة والأثار والثقافة (11 مليار دولار) الذي تعرض للتجريف والاندثار.

هذه الأضرار ما هي الا نتاج استراتيجية عقاب جماعي اتُخذت قرارًا وتنفيذًا من قبل التحالف السعودي وحلفائه.

ينص القانون الدولي الإنساني وقواعد اتفاقيات جنيف على حظر استهداف الأعيان المدنية والبنية التحتية الحيوية التي لا غنى عنها لبقاء السكان على قيد الحياة (كالزراعة والمياه والمستشفيات والموانئ).

وما وثقته أرقام وزارة الاقتصاد يُثبت الوقوع في مخالفات جسيمة ترتقي إلى جرائم حرب واعتداء مباشر على المقومات المعيشية للشعب اليمني.

إن الحظر المفروض على الموانئ والمطارات (وعلى رأسها مطار صنعاء وميناء الحديدة) لم يكن إجراءً عسكريًّا بقدر ما كان أداة ضغط سياسي واقتصادي، أسهمت مباشرة في هبوط القدرة الشرائية وتضخم الأسعار وتعميق الفقر والبطالة ليتجاوز خط الفقر أكثر من 80% من السكان.

إن القواعد الاستقرارية في القانون الدولي تُحمِّل الدولة المعتدية أو التحالف المعتدي المسؤولية المادية الكاملة عن إصلاح ما دمرته ألتهم العسكرية.

ومن هنا، فإن فاتورة الـ 1.598 ترليون دولار هي “سند دين قانوني” واجب الدفع وجزء لا يتجزأ من أي تسوية سياسية شاملة أو مسار للعدالة الانتقالية.

بعد كل تلك الأرقام والخسائر يظل من الجليّ أن الحديث عن أي تعافٍ اقتصادي أو استقرار مستدام في اليمن يبدأ من نقطة أساسية واحدة: الإيقاف الفوري والشامل للحصار، وتحميل الرياض والتحالف السعودي المسؤولية المباشرة عن إعمار ما دمرته الحرب.

​فتمكين اليمنيين من استغلال ثرواتهم النفطية، وإعادة تأهيل مصانعهم ومزارعهم، وفتح منافذهم البرية والبحرية والجويّة دون قيود، هي شروط لا تقبل التجزئة.

وبدون إقرار دولي بهذه الفاتورة الثقيلة وتكفل التحالف السعودي بدفع التعويضات العادلة لجبر أضرار القطاعات الإنتاجية والخدمية، ستظل المنطقة ككل تدفع ثمن هذا النزيف الاقتصادي والإنساني الذي أضر بمليونيات المواطنين وأحال مقومات دولة غنية بثرواتها وإنسانها إلى ساحة استنزاف ممتد.

You might also like