أبرز أسباب الشقاء هو الإعراض عن ذكر الله وعن هدى الله المتمثل في القرآن الكريم

يقدم الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي (رضوان الله عليه) في الدرس السادس عشر من دروس رمضان رؤية قرآنية متكاملة تعيد تعريف مفهوم الشقاء والسعادة، وتصحح كثيراً من المفاهيم التي ترسخت في الوعي الإسلامي عبر قرون من الجمود وسوء الفهم للنصوص القرآنية، فالقرآن الكريم لا يربط الشقاء بالفقر المادي أو قلة الإمكانات وحدها، وإنما يجعله نتيجة مباشرة للإعراض عن ذكر الله، والابتعاد عن هديه، والتقصير في تحمل المسؤولية التي كلف الله بها الأمة، وتكتسب هذه الرؤية أهمية استثنائية لأنها تنقل الإنسان من عقلية الاستسلام للواقع إلى عقلية المراجعة والمحاسبة، ومن ثقافة تبرير الهزيمة إلى ثقافة البحث عن أسبابها الحقيقية في ضوء السنن الإلهية.

 

يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي

 

 

الشقاء ليس قدراً .. بل نتيجة للإعراض عن هدى الله

ينطلق الشهيد القائد من قول الله تعالى:
{فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ۝ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا}.
ويؤكد أن هذه الآية تضع قانوناً إلهياً ثابتاً؛ فالهداية تقود إلى الاستقامة والعزة، بينما يقود الإعراض عن القرآن إلى الضنك والشقاء، مهما امتلكت الأمة من الثروات أو الإمكانات، وبذلك يصبح الشقاء مؤشراً يستدعي المراجعة، لا واقعاً يُسلَّم به، ورسالةً تدعو الأمة إلى تصحيح مسارها والعودة إلى منهج الله.

 

تصحيح المفهوم الخاطئ لمعنى الابتلاء

ومن أبرز ما تتناوله الرؤية نقد الاعتقاد السائد بأن حياة الذل والضعف والهوان هي السمة الطبيعية للمؤمنين، وأن كل معاناة دليل على الإيمان، ويبين الشهيد القائد أن هذا الفهم يناقض القرآن الكريم، لأن الله لم يجعل الضنك وساماً للمؤمنين، وإنما جعله نتيجة للإعراض عن ذكره، فالابتلاء في القرآن وسيلة للتمحيص والارتقاء، لكنه لا يعني أن تستقر الأمة في حالة هزيمة دائمة أو أن ترضى بالذل والاستضعاف، بل إن استمرار هذه الحالة يستوجب مراجعة أسبابها والبحث عن مواضع التقصير.

 

المراجعة الذاتية قبل تعليق الأخطاء على الآخرين

تدعو هذه الرؤية إلى ثقافة قرآنية راقية تقوم على محاسبة النفس قبل اتهام الآخرين، فبدلاً من تفسير كل ما تعانيه الأمة بأنه نتيجة مؤامرات الأعداء فقط، تؤكد الرؤية أن القرآن يدعو أولاً إلى مراجعة الداخل، لأن التقصير في أداء المسؤولية، والإعراض عن توجيهات الله، وترك العمل بما أمر به، كلها أسباب تؤدي إلى ما تعيشه الأمة من ضعف وتراجع، وهذا الفهم يرسخ مبدأ المسؤولية الفردية والجماعية، ويجعل الإصلاح يبدأ من الداخل قبل الخارج.

 

السنن الإلهية لا تحابي أحداً

وتؤكد الرؤية أن لله في الكون سنناً ثابتة لا تتغير، وأن النصر والعزة مرتبطان بالأخذ بأسباب الهداية والطاعة والعمل، فلا يكفي الانتساب إلى الإسلام أو رفع الشعارات الدينية، بل لابد من الالتزام العملي بمنهج القرآن، لأن السنن الإلهية تجري على الجميع دون استثناء، ومن هنا فإن أي أمة تهمل هدى الله وتفرط في مسؤولياتها ستكون معرضة لنتائج هذا التقصير مهما كان تاريخها أو مكانتها.

 

الأمل الحقيقي لا يقوم على الأماني

ومن الدلالات المهمة أن الشهيد القائد يرفض ثقافة الاتكال على مجرد انتظار نعيم الآخرة دون إصلاح واقع الدنيا، فالإيمان الحقيقي لا يصنع إنساناً مستسلماً، وإنما يصنع إنساناً يعمل ويغير ويجاهد ويأخذ بالأسباب، وهو على يقين بأن وعد الله حق، ولهذا يربط القرآن بين صلاح الدنيا وصلاح الآخرة، ويجعل اتباع الهدى سبباً للفلاح في الدارين.

 

القرآن يبني الثقة لا الشعور بالنقص

كما تؤكد الرؤية أن المؤمن لا ينبغي أن يشعر بالدونية أمام الأمم الأخرى بسبب ما تمتلكه من قوة أو تقدم مادي، فالقرآن يغرس في المؤمن الثقة بما عند الله، ويجعله ينظر إلى الدنيا باعتبارها مرحلة مؤقتة، مع الاستمرار في السعي لبناء القوة والعزة في واقع الحياة، وهذا التوازن يمنع الانبهار بالآخر، كما يمنع اليأس والإحباط، ويصنع شخصية واثقة ثابتة تمتلك مشروعها الحضاري المستند إلى الوحي.

 

ثبات الموقف على أساس العقيدة لا المصالح

ويتناول الشهيد القائد قضية بالغة الأهمية، وهي أن الموقف من الأعداء يجب أن يكون موقفاً مبدئياً قائماً على العقيدة والحق، لا على المصالح الشخصية أو العواطف المؤقتة، فالمواقف التي تبنى على المصالح سرعان ما تتبدل، بينما يبقى الموقف القائم على الإيمان ثابتاً؛ لأنه مرتبط بمعايير القرآن لا بالمكاسب الدنيوية.

وفي المقابل، تؤكد الرؤية أن الإسلام يظل منفتحاً على كل من يهتدي إلى الحق ويؤمن بالله، انسجاماً مع قول الله تعالى في شأن من آمن من أهل الكتاب، وهو ما يعكس عدالة الإسلام وموضوعيته، بعيداً عن التعميم أو الأحكام القائمة على الانتماء المجرد.

 

أبعاد استراتيجية للرؤية

تكشف مضامين الدرس عن مجموعة من الأبعاد المهمة، أبرزها:
البعد الإيماني: ربط السعادة والشقاء بمدى الالتزام بهدى الله لا بالمقاييس المادية وحدها.
البعد الفكري: تصحيح المفاهيم المغلوطة التي تبرر الهزيمة والاستسلام.
البعد التربوي: غرس ثقافة النقد الذاتي والمراجعة المستمرة للأداء.
البعد الحضاري: الدعوة إلى استعادة دور الأمة من خلال العودة إلى القرآن باعتباره مشروعاً لبناء الإنسان والدولة.
البعد النفسي: تحرير الإنسان من الشعور بالدونية واليأس، وبناء الثقة بوعد الله.
البعد السياسي: ترسيخ استقلالية الموقف وعدم إخضاع المبادئ للمصالح أو الضغوط الخارجية.

 

دلالات معاصرة

في ظل ما تعيشه الأمة الإسلامية من تحديات سياسية واقتصادية وثقافية، تبدو هذه الرؤية أكثر حضوراً، لأنها تدعو إلى معالجة جذور الأزمة بدلاً من الاكتفاء بوصف نتائجها، فالنهضة لا تبدأ من تغيير الظروف الخارجية فقط، وإنما تبدأ من العودة الصادقة إلى القرآن الكريم، وفهمه باعتباره منهجاً للحياة، ومصدراً لبناء الوعي، وتحمل المسؤولية، وإقامة العدل، وصناعة القوة.

 

ختاما ..

تؤكد رؤية الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي (رضوان الله عليه) في الدرس السادس عشر من دروس رمضان أن أخطر ما يواجه الأمم ليس قلة الإمكانات، وإنما الإعراض عن ذكر الله وهدى القرآن، لأن ذلك يقود إلى معيشة ضنك في الدنيا، ويهدد بسوء العاقبة في الآخرة، وتضع هذه الرؤية الأمة أمام مسؤولية المراجعة والإصلاح، وتدعو إلى تجاوز ثقافة تبرير الواقع، والعودة إلى القرآن باعتباره مصدر الهداية، ومنطلق العزة، وأساس النهضة. وبهذا تتحول الهداية القرآنية من مجرد نصوص تُتلى إلى مشروع حضاري شامل يعيد بناء الإنسان، ويصحح المفاهيم، ويستنهض الأمة لتنهض بدورها في واقع الحياة وفق السنن الإلهية التي لا تتبدل ولا تحابي أحداً.

You might also like