اليمن يدفن 70 عامًا من الوصاية السعودية
يمانيون| بقلم: عبدالخالق دعبوش
من قيود الوصاية التي كبّلت اليمن لسبعة عقود، إلى زمن انتزاع القرار، كيف استطاعت صنعاء أن تقلب الطاولة وتنتصر للوطن بكامله شمالًا وجنوبًا؟
من رحم عقود طويلة من مصادرة الإرادة اليمنية، تبرز اليوم حقيقة لا يمكن القفز فوقها؛ أن ما يعيشه اليمن هو مواجهة مفتوحة مع “فيتو” تاريخي فرضته قوى الإقليم لسبعين عامًا.
لقد أُريد لليمن أن يظل بلدًا مكبّلًا، محرومًا من أبسط مقومات السيادة، ومرتهنًا لوصاية خارجية تعمّدت إبقاءه في مربعات الفقر والحاجة، مستخدمةً الحصار والتجويع أدواتٍ سياسية لكسر كبرياء هذا الشعب العظيم وإخضاع قراره الوطني.
لكن السؤال الجوهري، الذي تكمن إجابته في محصلة الأحداث والمواجهة خلال الاثني عشر عامًا الماضية:
كيف استطاعت صنعاء، بعد كل تلك السنوات من الضغط والترهيب وحرمان الشعب من أبسط حقوقه، أن تقلب الطاولة بالكامل على رأس العدو؟
كيف انتصرت لليمن بأكمله، من شماله إلى جنوبه، واستعادت الوطن المسلوب المنهوب لسبعة عقود، من جغرافيا مثخنة بالجراح إلى قوة عسكرية ضاربة، وقوة شعبية تمتلك وعيًا استثنائيًّا كسر معادلات الهيمنة؟
الحقيقة التي يعرفها كل يمني اليوم، على اختلاف توجهاتهم، حتى أولئك الموالون للرياض من المرتزقة، هي أن قصة النفط في محافظة “الجوف”، ومصادرة القرار الوطني في كل شبر يمني، لم تكن سرًا، هي جرح سياسي مفتوح في الذاكرة اليمنية.
لطالما أكدت الدراسات الجيولوجية أن هذه الأرض تنام على بحيرات من الثروة، كفيلة بنقل اليمن إلى ضفاف الاكتفاء، لكن الإرادة الإقليمية وضعت خطًّا أحمر أمام أية محاولة يمنية لامتلاك قرارها الاقتصادي والسياسي، برعاية محلية من نظام مرتهن سابق ارتضى مسؤولوه دور الحراس على إفقار شعبهم وتكبيل سيادتهم.
لكن الجديد اليوم، بعد سبعين عامًا، هو أن التاريخ لا يسير في خط مستقيم إلى الأبد، وأن زمن الصمت والمجاملة على حساب كرامة المواطن قد انتهى.
وإن كلفة التضحيات الباهظة التي قدمها، ويقدمها، الشعب اليمني أحدثت تحولًا وجوديًّا، حيث تحول الجوع والحصار البشع إلى وقود لبناء قوة عسكرية استثنائية.
لقد أثبتت صنعاء، بعبقريتها العسكرية والتخطيطية المحكمة، أنها تدافع وتضحي لتنتصر لليمن ككل، شمالًا وجنوبًا، ولكل مظلوم عانى من وصاية الجوار وهيمنة الأدوات الخارجة عن الصف الوطني.
هذا الصمود الأسطوري حقق فرزًا تاريخيًّا غير مسبوق؛ فسقطت الأقنعة الزائفة، وتعرّت النخب التقليدية، وانكشف المرتزقة والخونة الذين شرعنوا حصار وتدمير بلدهم مقابل فتات الموائد، بينما التفّت الحواضن الشعبية، بوعي وإيمان، حول بُوصلة قيادة حكيمة أثبتت أن النصر يُنتزع بالثبات والاعتماد على الله، وليس بالارتهان للسفارات والأموال.
نحن اليوم أمام لحظة تاريخية لليمن الذي أفرز الوطني بامتياز، ولم يعد هناك مُتَّسعٌ للمناطق الرمادية أو للاختباء خلفَ لافتات “الحِياد” الباردة.
عندما يتعرَّضُ شعبٌ بأكمله للتجويع الممنهج لسبعين عامًا، فإن الحِيادَ في وجه هذا العدو القبيح هو تواطُؤٌ مضمر، وصمت يمنح المعتدي وقتًا إضافيًّا لتمزيق ما تبقى من أشلاء الوطن.
إنها الفرصة التاريخية لكل يمني حر يرفض التبعية؛ فمعركة استعادة الثروة والقرار والسيادة، شمالًا وجنوبًا، هي معركة الوجود الأخيرة ضد أبشع صور الهيمنة، وسيعيش اليمن حرًا، مستقلًا، وسينتصر، وسيملك زمام أمره وقراره وثرواته.