من الجبال إلى السواحل.. المبادرات المجتمعية تتحول إلى قاطرة وطنية نحو الاكتفاء الذاتي
تتواصل في اليمن مسيرة التنمية المحلية بخطى ثابتة في مشهد يجسد أسمى معاني الصمود والإرادة، مدفوعة بزخم المبادرات المجتمعية التي تحولت إلى قاطرة حقيقية للتغيير، ففي ظل ظروف استثنائية، لم يستسلم الشعب اليمني لليأس، بل بادروا إلى تحويل التحديات إلى فرص، مستثمرين طاقاتهم الذاتية وشراكاتهم الفاعلة مع الجمعيات التعاونية والجهات الرسمية، فمن رصف الطرق الوعرة التي تربط القرى النائية، إلى إحياء الأراضي الزراعية وتطوير قطاع الصيد، وصولاً إلى بناء صروح التعليم، تنسج هذه المبادرات قصة نجاح ملهمة، مؤكدة أن نبض التنمية ينبض بقوة في شرايين الوطن، وأن الإنجازات الكبرى تبدأ من تكاتف الأيادي وعزيمة القلوب.
يمانيون| محسن علي
مبادرات الطرق تكسر عزلة القرى وتفتح آفاق التنمية
تتواصل الجهود المجتمعية الحثيثة في مختلف المحافظات اليمنية لشق ورصف الطرق، التي تعد عصب الحياة وشريان التنمية، ففي قرية القرن بمديرية جبل المحويت، يسطر الأهالي ملحمة في التكافل، حيث دشّنوا المرحلة الثانية من مبادرة رصف طريق الريادي – القرن بطول 100 متر وعرض 7 أمتار، بتكلفة تجاوزت 8 ملايين ريال، ساهم الأهالي بأكثر من ستة ملايين منها، فيما قدمت وحدة التدخلات المركزية التنموية الطارئة 300 كيس إسمنت ، هذه المبادرة، التي سبقتها مرحلة أولى ناجحة بطول 90 متراً، تجسد نموذجاً يحتذى به في تحويل التحديات اللوجستية إلى فرص تنموية تخدم الأهالي وتضع شبكة الطرق في صدارة الأولويات .
ولم تكن هذه المبادرة الوحيدة في المحويت، ففي عزلة الحواصلة، استأنفت اللجنة المجتمعية أعمال رصف طريق الورادنة، وشملت الأعمال تقطيع الأحجار وتجهيز مسارات بطول 125 مترًا وعرض 4–6 أمتار، إضافة إلى صبيات ورصف حجري، بدعم من وحدة التدخلات التي قدمت 400 كيس إسمنت، كما شهدت عزلة عنبر بجبل المحويت استئناف أعمال الرصف الخرساني لطريق بيت التركي – الريادي، بدعم من وحدة التدخلات المركزية بمادة الإسمنت، حيث تم إنجاز مسارات بطول 120 مترًا .
وفي جنوب اليمن، وتحديداً في مديرية قعطبة بمحافظة الضالع، تتواصل أعمال الرصف الحجري للمرحلة الثالثة من مشروع تحسين ورصف طريق “نجد سنف” في عزلة الوحج، بطول 400 متر طولي وعرض يتراوح بين 4 إلى 8 أمتار، هذا المشروع الحيوي، الذي يُنفذ بتمويل ذاتي من الأهالي ومساهمة السلطة المحلية ووحدة التدخلات المركزية، يعد شريان حياة يربط مركز المديرية بعزل الشرنمة السفلى والوحج والأعشور وصولاً إلى محافظتي إب والضالع، مما يخفف من معاناة المواطنين ويسهل تنقلاتهم وينهض بالاقتصاد المجتمعي .
كما امتدت أيادي الخير المجتمعية إلى محافظة حجة، حيث نفذت جمعية الجميمة التعاونية الزراعية مبادرة ذاتية لإصلاح ورتم الحفر في خط القضلة الرابط بين منطقتي مسويا وصومل، بمشاركة واسعة من الأهالي . وفي مديرية المتون بمحافظة الجوف، تفقّد فريق تنموي عددًا من مبادرات الطرق، منها مشروع الطريق الزراعي بمنطقة الفيض بطول 4,990 مترًا، بكلفة تجاوزت 17 مليون ريال، ليستفيد منه أكثر من 5,000 نسمة، فيما تواصل جمعية بني العوام التعاونية الزراعية بمحافظة حجة متابعة سير العمل في مبادرة رصف طريق بيت الغربي بقرية أحكم الشرقي بطول 500 متر، والتي ينفذها الأهالي بجهود ذاتية .ثورة زراعية يقودها المجتمع لتعزيز الاكتفاء الذاتي
تولي الجمعيات التعاونية الزراعية اهتماماً بالغاً بتعزيز القطاع الزراعي وتحقيق الأمن الغذائي والمائي، إيماناً منها بأهمية الاكتفاء الذاتي، ففي عزلة الشرج بمديرية برط العنان، عقد منسق مؤسسة بنيان جلسة توعية بأهمية الجمعيات التعاونية ودورها في خدمة المجتمع، مؤكداً على دورها المحوري في تفعيل المبادرات المجتمعية، تقديم القروض البيضاء، توفير البذور، وتنفيذ المشاريع التنموية .
وفي منطقة كدف البرقي بمحافظة الحديدة، نفذت جمعية القناوص التعاونية الزراعية نزولاً ميدانياً لمتابعة المحاصيل الموسمية من الحبحب والشمام التي توسعت زراعتها هذا الموسم لتتجاوز 500 معاد زراعي، بهدف تقديم الإسناد الفني والتشغيلي للمزارعين، بما يعزز تنافسية المحاصيل في الأسواق ويرفع من دخل المنتجين المحليين .
كما استعرضت جمعية باجل التعاونية الزراعية بالحديدة التجهيزات الميدانية لمبادرة استصلاح الأراضي الزراعية ومشاريع الكرفانات في منطقة باب الناقة، ضمن خطة طموحة لتوسيع الرقعة الخضراء وتعزيز الإنتاج الزراعي. تهدف المبادرة إلى استغلال الأراضي بشكل أمثل وتجميع مياه الأمطار والسيول لإعادة تغذية المياه الجوفية، مما يسهم في استدامة التنمية الزراعية وتحقيق فوائد مباشرة للمزارعين والمجتمع المحلي .
وفي مبادرة فردية ملهمة، أطلق التربوي والمزارع محمد أحمد جعيل في مديرية الرجم بالمحويت مشروعاً لزراعة 4000 شتلة بُن من النوع العديني المقاوم للعطش، تأكيدًا على دور المبادرات المجتمعية في إحياء الأرض وتعزيز الإنتاج المحلي، وتأكيداً على أن أرض الرجم والمحويت هي مهد البُن اليمني وأجوده .
وفي مديرية السدة بإب، دشّنت جمعية السدة التعاونية الزراعية مشروع توزيع 10 آلاف شتلة بن ولوز مجانًا على المزارعين، بتمويل من صندوق تشجيع الإنتاج الزراعي والسمكي، بهدف تعزيز زراعة البن واللوز في وادي بنا ورفع الإنتاجية وتحسين دخل الأسر الزراعية .
ولم يغفل المجتمع عن أهمية البنية التحتية المائية، ففي مديرية الطيال بصنعاء، نفذ فريق تنموي مشترك زيارة ميدانية إلى موقع مبادرة إنشاء سد الصماد في عزلة جبل اللوز، للاطلاع على سير العمل في المشروع المجتمعي الذي ينفذه أبناء المنطقة لمواجهة شح المياه وتعزيز الأمن المائي والغذائي .تمكين الصيادين والمزارعين بمشاريع مستدامة
إلى جانب الزراعة، يحظى قطاع الصيد باهتمام خاص لكونه مصدراً رئيسياً لسبل العيش في المناطق الساحلية. يجري حالياً تنفيذ مشروعين حيويين لإنشاء ورش صيانة وإصلاح لقوارب ومحركات الصيادين في مديريتي اللحية والصليف بمحافظة الحديدة، بتمويل من الهيئة العامة للزكاة والهيئة العامة لتنمية المشاريع الصغيرة والأصغر، وتنفيذ جمعية ساحل تهامة التعاونية السمكية، تهدف هذه المشاريع إلى رفع كفاءة قطاع الصيد وتوفير خدمات صيانة متكاملة، مما يسهم في دعم الصيادين وتعزيز سبل كسب العيش ، كما يجري تنفيذ مشروع مماثل في منطقة النخيلة بمديرية الدريهمي بالحديدة، لضمان استدامة الأنشطة السمكية وتعزيز التنمية الاقتصادية المحلية .
وفي سياق دعم المزارعين، بدأت وحدة البذور في جمعية عبس التعاونية الزراعية بمحافظة حجة أعمال غربلة وفحص وانتخاب البذور واختبار نسب الإنبات للأصناف المحسنة، ضمن استعدادات الجمعية للموسم الزراعي القادم، لضمان نقاء وجودة البذور واختيار الحبوب السليمة وفق معايير دقيقة، مما يعزز إنتاجية المزارعين ويدعم الأمن الغذائي .
كما شهدت مديرية التحيتا بالحديدة نجاحاً في تسويق الدفعة الثانية من محصول التمور المجففة بكمية بلغت 16.5 طنًا لصالح شركة هدف إنماء، ضمن برنامج الزراعة التعاقدية بإشراف الاتحاد التعاوني الزراعي، هذه الخطوة تعكس نجاح الشراكة بين المنتجين والقطاع الخاص، وتوفر أسواقًا مضمونة للمزارعين، مما يسهم في دعم سلاسل القيمة الزراعية وتحفيز الإنتاج .
التعليم والبنية التحتية في صدارة الأولويات المجتمعية
إدراكاً لأهمية التعليم كركيزة أساسية لبناء المستقبل، استأنف الأهالي في عزلة المركز بمديرية المراشي العمل في مبادرة بناء مدرسة مكارير بإشراف جمعية المراشي التعاونية، وبإسناد من وحدة التدخلات المركزية التي قدمت دفعة أولى تضمنت 100 كيس إسمنت، تهدف المبادرة إلى إنشاء ثلاثة فصول دراسية تعزز البنية التعليمية وتوفر بيئة مناسبة لأبناء المنطقة، في خطوة أساسية نحو خدمة المجتمع وتحقيق التنمية المستدامة .
وفي إطار دعم البنية التحتية، قامت وحدة التدخلات المركزية التنموية الطارئة بالتنسيق مع جمعية جبل المحويت بتحريك الكمبريشن إلى مشروع طريق عقبة حصن غيل لاستخدامه في أعمال تقطيع الأحجار، مع توفير 250 لتر ديزل لتشغيله، تهدف هذه الخطوة إلى تسريع إنجاز المشروع وتخفيف الأعباء عن الأهالي عبر توفير المعدات والوقود، مما يعزز استمرارية العمل ويرفع كفاءة التنفيذ .
ولتعزيز العمل المؤسسي وخدمة القطاع الزراعي، افتتحت جمعية ميفعة عنس التعاونية الزراعية متعددة الأغراض مقرها الرسمي الجديد في مبنى المديرية بمحافظة ذمار، بدعم من السلطة المحلية، ويمثل هذا الافتتاح تتويجاً لجهود الجمعية المستمرة على مدى خمس سنوات، ويؤكد المضي في تنفيذ مشاريع زراعية وتنموية بوتيرة عالية .ختاما
استمرار المبادرات المجتمعية المتنوعة، التي تتوزع على مختلف القطاعات والمحافظات اليمنية، ليست مجرد مشاريع عابرة، بل هي شهادة حية على الروح القيادية والإصرار الذي يتحلى به الشعب اليمني، كما تؤكد الدور المحوري للمجتمع المحلي والجمعيات التعاونية في دفع عجلة التنمية، وتحقيق الاكتفاء الذاتي، وتعزيز صمود المجتمعات في وجه التحديات لبناء مستقبل أفضل لليمن، مستقبل يصنعه أبناؤه بأيديهم وعزيمتهم التي لا تلين.