◆ الدَّاعِيَة الْكَبِيْر: مُحَمَّدٌ بن سَبَأٍ بن أبي السعود الزُّرَيْعِيُّ. أحد أقوى حُكَّام الْيَمَن فِيْ الْقَرْن السَّادِس الْهِجْرِيّ.
[533 - 548هـ / 1138 - 1153م].
يُعدُّ الدَّاعِيَةُ الْكَبِيرُ مُحَمَّدُ بنُ سَبَأٍ الزُّرَيْعِيُّ من أبرز ملوك اليمن في القرن السادس الْهِجْرِيّ، الثَّانِي عشر الْمِيْلادِي، وأحد أقوى سلاطين الدولة الزُّرَيْعِيَّة التي اتخذت من عَدَن عاصمةً لها. وقد شهد عهده اتساعًا سياسيًا غير مسبوق، حتى أصبحت دولته أكبر الكيانات اليمنية في زمانها، وانتهت في أيامه الدولة الصُّلَيْحِيَّة نهائيًا، فانتقلت أملاكها إلى الدولة الزُّرَيْعِيَّة.
يمانيون / صالح مقبل فارع.
◆ نَسَبُهُ ومكانته وترتيبه بين الْحُكَّام:
هُوَ السُّلْطَانُ الداعي مُحَمَّدٌ بن سَبَأٍ بْنِ أَبِي السُّعُودِ بْنِ زُرَيْعٍ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ الْمُكَرَّمِ بْنِ زُرَيْعٍ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ الْمُكَرَّمِ الزُّرَيْعِيُّ اليَامِيُّ الحَاشِدِيُّ الْهَمْدَانِيُّ، أَحَدُ مُلُوكِ اليَمَنِ وَحُكَّامِهَا، عاشر حُكَّامِ الدَّوْلَةِ الزُّرَيْعِيَّةِ، عَاصِمَتُهُ عَدَنٌ، وعُرف بالسخاء والكرم وحسن التدبير، وكان من الشخصيات السياسية البارزة التي استطاعت توحيد معظم جنوب ووسط اليمن تحت سلطة واحدة.
◆ تَوَلِّيْهِ الحُكْمَ:
بعد وفاة أبيه الداعية سبأ بن أبي السعود الزُّرَيْعِيّ سنة [533هـ/1138م] تَوَلَّى على حكم الدولة الزُّرَيْعِيَّة عَلِي الأَغَرّ بن سبأ، إلا أن الأمر لم يتم لَهُ، وولايته لم تستقر طويلًا بسبب الخلافات الدَّاخِلِيَّة بين عَلِي وَمُحَمَّد.
إِذْ كَانَ والي عَدَن بلال بن حرير يرى أن محمد بن سبأ أقدر على إدارة الدَّوْلَة من أَخِيْهِ عَلِي الأغَرّ بن سَبَأ، فعمل بلال على عزل أخيه علي، وأرسل إلى محمد -وكان بعيدًا عن عدن [كَانَ فِيْ جِبْلَةَ عند وَزِيْر الدَّوْلَة الصُّلَيْحِيَّة المفضل بن أبي البركات]- فأرسل بلال إِلَى مُحَمَّد يدعوه للحضور، متعهدًا بنصرته والوقوف إلى جانبه.
وصل محمد إلى عدن تحفُّ به القبائل الهمدانية، فاستقبله بلال استقبالًا رسميًا، وأخذ البيعة له من الجيش وكبار رجال الدولة، فاستقر له الحكم، وخضع له جميع من كانوا يدينون بالطاعة لوالده في السهل والجبل، كما زَوَّجَهُ بلال ابنته توثيقًا للتحالف بينهما، ليبدأ بذلك عهد جديد من القوة والاتساع للدولة الزُّرَيْعِيَّة(2).
◆ زَوَال ما تبقَّى من الدولة الصُّلَيْحِيَّة:
يُعدُّ عام 547هـ/1152م من أهم الأعوام في تاريخ اليمن الوسيط؛ ففيه انتهت وانقرضت الدولة الصُّلَيْحِيَّة التي كانت من أعظم دول اليمن الإسلامية.
ولم يكن سقوطها نتيجة حرب، بل تم عبر اتفاق سياسي ومالي، إذ اشترى السلطان محمد بن سبأ الزُّرَيْعِيّ جميع ما تبقى من حصونها ومدنها ومعاقلها، ومن أبرزها جِبْلَةَ وإب، من آخر وَزِيْر صُلَيْحِي منصور بن المفضل بن أبي البركات، مقابل مبلغ كبير بلغ مائة ألف دينار(2).
وبذلك انتقلت جميع ممتلكات الدولة الصُّلَيْحِيَّة إلى الدولة الزُّرَيْعِيَّة، واتسعت حدودها حتى بلغت مشارف ذمار شمالًا، وأصبحت القوة السياسية الأولى في اليمن.
◆ نُفُوذُهُ وتوسع دولته:
بعد أن اشترى مُحَمَّد بن سَبَأ مَا تبقى من الدَّوْلَة الصُّلَيْحِيَّة توسعت دولته جِدًّا، وامْتَدَّ نُفُوذُه إلى وسط وجنوب وشرق الْيَمَن وبلغت حَتَّى مشارف ذَمَار شَمَالاً، فشملت سُلْطتُهُ: عَدَنًا العاصمة، وَأَبْيَنَ، وَالخَطَّ السَّاحِلِيَّ الجَنُوبِيَّ لِلْيَمَنِ، وشبوة، وحضرموت، والمهرة، ومنطقة تَعِزّ، وَلَحْجًا، وَالضَّالِعَ، وَيَافِعًا، وإبًّا، وَجِبْلةَ، وَجَمِيعَ المَنَاطِقِ الدَّاخِلِيَّةِ المُتَاخِمَةِ لِعَدَنٍ إِلَى حُدُودِ ذمار شِمَالاً، فأصبحت دولته أكبر دولة يمنية في حينها، مع وجود دول أخرى صغيرة، مثل: دولة آل نجاح في تهامة وَزَبِيدٍ، ودولة الزَّيْدِيَّة في صَعْدَة، والدولة الحَاتِمِيَّةِ في صَنْعَاء.
◆ إدارته لِلدَّوْلَةِ:
اتصف محمد بن سبأ بالحزم مع حسن السياسة، واعتمد على رجال دولة أكفاء، وفي مقدمتهم والي عدن بلال بن حرير الذي كان من أبرز أعمدة حكمه، وأسهم في تثبيت أركان الدولة، وتنظيم إدارتها، وتأمين العاصمة، مما انعكس على استقرار البلاد وازدهار الحركة التجارية، خصوصًا في ميناء عدن الذي كان من أهم موانئ العالم الإسلامي آنذاك.
◆ مُدَّةُ حُكْمِهِ:
اسْتَمَرَّ الدَّاعِيّ مُحَمَّد بن سَبَأ الزُّرَيْعِيُّ حاكمًا خَمْسَ عشرة “15″ سنة، من سنة 533هـ/1138م، إِلَى سنة 548هـ/1153م، وَذَلِكَ خِلالَ الْفَتْرَةِ: [533 – 548هـ / 1138 – 1153م]، وهي من أكثر الفترات استقرارًا وقوة في تاريخ الدولة الزُّرَيْعِيَّة، إذ بلغت خلالها ذروة نفوذها السياسي والجغرافي، وخاصة عِنْدَمَا اشترى كل مَنَاطِق الدَّوْلَة الصُّلَيْحِيَّة، كَمَا ذكرنا ذَلِكَ سابقًا.
◆ أَبْرَزُ مُعَاصِرِي مُحَمَّد بن سَبَأ:
عَاصَرَ السُّلْطَان الدَّاعِيّ مُحَمَّد بن سَبَأ الزُّرَيْعِيّ عددًا من السلاطين والملوك، أبرزهم: آخر أمراء الدولة النجاحية بزبيد فَاتِك الثالث ابن محمد بن فَاتِك الأول بن جياش بن نجاح [531 – 553هـ/ 1137 – 1158]، وآخر وزراء الدولة النَّجَاحِيَّة وأعظمهم بزبيد سُرُور الفَاتِكي [531 – 551هـ /1137 – 1156م]، وَمُؤَسِّس الدَّوْلَة الزَّيْدِيَّة الثَّالِثَة بصعدة والجوف الإِمَام الْمُتَوَكِّل عَلَى الله أَحْمَد بْن سُلَيْمَانَ [532 – 566هـ / 1137 – 1170م]، وأعظم حُكَّام الدَّوْلَة الحَاتِمِيَّة الْهَمْدَانِيَّة بِصَنْعَاءَ صَاحِب الرَّوْضَة السُّلْطَانُ حَاتِم أَحْمَد عمران مفضل اليَامِيّ الْحَاشِدِيّ الْهَمْدَانِيّ [533 – 556هـ / 1139 – 1161م]، وَالْخَلِيْفَة الْعَبَّاسِيّ الْمُتَّقِيّ لِأَمْرِ اللهِ مُحَمَّدٌ ابن الْمُسْتَرْشِدِ الْعَبَّاسِيُّ [530 – 555هـ/ 1136 – 1160م]، وغيرهم.
◆ وَفَاتُهُ:
تُوُفِّيَ الدَّاعِيّ مُحَمَّد بن سَبَأ الزُّرَيْعِيّ فِيْ الدِّمْلُؤَة سنة [548هـ/1153م](3)، بعد أن ترك دولة واسعة النفوذ قوية الأَرْكَان؛ فقام بالأمر بعده ابْنُهُ عمران بن مُحَمَّدٍ بن سبأ الزُّرَيْعِيُّ الذي ورث دولة بلغت أوجّ قوتها واتساعها.
◆ أهم إِنْجَازَاته:
– تثبيت حكم الدولة الزُّرَيْعِيَّة بعد صراع داخلي على السلطة.
– توحيد معظم جنوب ووسط وشرق اليمن تحت راية واحدة.
– توسيع حدود الدولة حتى مشارف ذمار شمالًا.
– إنهاء الدولة الصُّلَيْحِيَّة وضم جميع أراضيها إلى الدولة الزُّرَيْعِيَّة.
– جعل الدولة الزُّرَيْعِيَّة أكبر وأقوى دولة يمنية في عصره.
– المحافظة على ازدهار عدن وترسيخ مكانتها السياسية والتجارية.
◆ خلاصة:
يُمَثِّلُ عهد الداعية الكبير محمد بن سبأ الزُّرَيْعِي ذروة القوة السياسية للدولة الزُّرَيْعِيَّة، ففي عهده بلغت الدولة أقصى اتساعها، وانتهى الوجود السياسي للدولة الصُّلَيْحِيَّة، وأصبحت عدن مركزًا لدولة يمنية قوية امتد نفوذها من سواحل بحر العرب إلى المرتفعات الوسطى. ولذلك يُعدُّ محمد بن سبأ واحدًا من أبرز ملوك اليمن في القرن السادس الْهِجْرِيّ، الثَّانِي عشر الْمِيْلادِي، ومن الشخصيات التي أسهمت في إعادة رسم الخريطة السياسية لليمن في العصر الإسلامي الوسيط.
◆ الهوامش:
(1) بِمَا معناه من هَدِيَّةُ الزَّمَنِ 58.
(2) هَدِيَّةُ الزَّمَنِ صـ59، المفيد 109، غَايَة الأَمَانِيِّ 300، المفيد صـ150، تاريخ حضرموت للحامد 360، وعند ابن تَارِيْخ شَنبَل أنه اشترى في [537هـ/1142م]، وتَارِيْخ شَنبَل صـ33-34، وَفِيْهِ كان الشراء 547هـ/1152م.
(3) هَدِيَّةُ الزَّمَنِ صـ59، المفيد 109.
◆ المصادر والمراجع:
– تَارِيْخ حَضْرَمُوْت للحامد: تَارِيْخ حَضْرَمَوْت، تأليف: صَالِح الْحَامِد، مكتبة الإرشاد، صَنْعَاء الْيَمَن، توزيع: مكتبة تريم الحديثة، الطبعة الثانية 1423هـ – 2003م.
– تَارِيْخ شَنبَل: تَارِيْخ حَضْرَمَوْت، المعروف بـ”تَارِيْخ شَنْبَل“، تأليف: العلامة المؤرخ أحمد عَبْداللَّهِ شَنْبَل، المتوفي سنة 620هـ، تَحْقِيْق: عَبْداللَّهِ مُحَمَّد الحِبْشِي، الناشر: مكتبة صنعاء الأثرية، الطبعة الأولى 1415هـ- 1994م. الطبعة الثانية، 1424هـ – 2003م.
– غَايَةُ الأَمَانِيِّ فِيْ أَخْبَارِ القُطْرِ اليَمَانِيّ [ملخص أنباء الزمن]، تأليف العلامة المؤرخ: يحيى بن الحسين بن القاسم بن محمد بن علي، تحقيق وتقديم: د. سعيد عَبْدالفَتَّاحِ عاشور، مراجعة: د. محمد مصطفى زيادة، دار الكتاب العربي للطباعة والنشر، القاهرة، مصر، 1388هـ – 1968م، منتدى سور الأزبكية.
– الفَضْلُ المزيد على بغية المستفيد في أخبار مدينة زَبِيْد، تأليف: العلامة عَبْدالرَّحْمَنِ بن عَلِي مُحَمَّد الدَّيْبَع الشيباني. تحقيق: الدكتور يوسف شُلحُد، مركز الدراسات والبحوث الْيَمَني، صنعاء،1983م.
– المُفِيْدُ فِيْ أَخْبَارِ صَنْعَاءَ وَزَبِيْد، وشعراء ملوكها وأعيانها وأدبائها، (تاريخ الْيَمَن لعمار الْيَمَنِيّ)، تأليف: نجم الدين عمارة بن علي اليمني الشاعر المشهور. تحقيق: محمد بن علي الأكوع الحوالي، مطبعة السعادة. الطبعة الثانية، 1396هـ – 1976م. وَهُنَاكَ نسخة أُخْرَى بتحقيق (كاي) سنة 1892م المترجمة ترجمة دقيقة: الدكتور حسن سليمان محمود. مكتبة الإرشاد، الجمهورية اليمنية، صنعاء، الطبعة الأولى 1425هـ – 2004م.
– هَدِيَّةُ الزَّمَنِ فِيْ أَخْبَارِ مُلُوكِ لَحْجٍ وَعَدَنٍ، تأليف: العلامة المؤرخ/ أَحْمَد فَضْلٍ عَلِي مُحْسِن العَبْدَلِيّ، الْمَشْهُوْرُ بـ”القُمِنْدَان”، إِصْدَار: المطبعة السلفية ومكتبتها سنة 1351هـ.
* * *