القبيلة اليمنية.. بقاء الأصل الذي لا يُشترى

لم يكن العدوان على اليمن اختبارًا للقدرة العسكرية وحدها، بل كانت اختبارًا عميقًا للهوية والمواقف والولاءات، وكشفت في لحظة تاريخية فاصلة حقيقة كثير من البنى والشخصيات التي جرى تقديمها طويلًا باعتبارها ممثلةً للقبيلة اليمنية، وعندما جدّ الجد، سقطت الأقنعة، وانكشف الفارق بين قبيلةٍ متجذرة في الأرض والتاريخ والأعراف، وبين نسخةٍ سياسية جرى تصنيعها وتوظيفها بالمال والنفوذ.

يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي

 

 

حين سقط الاختبار .. سقطت النسخة المصطنعة

على مدى عقود، حاول العدو السعودي بناء شبكة من النفوذ داخل المشهد القبلي اليمني، عبر المال والعلاقات واستقطاب شخصيات وتقديمها باعتبارها واجهات قبلية، غير أن العدوان الغاشم وضع هذه المنظومة أمام اختبار لم يعد فيه الكلام كافيًا، ولا الولاء المعلن قادرًا على الصمود أمام سؤال الموقف،  ففي اللحظة التي احتاجت فيها القبيلة إلى حضور أبنائها في الميدان، تراجعت شخصياتٌ كانت تقدم نفسها باعتبارها صوت القبيلة، واختارت مواقع بعيدة عن الأرض والناس، بينما بقي أبناء القبائل في قراهم ومناطقهم، يتحملون تبعات العدوان ويدافعون عن أرضهم ومجتمعهم، وهنا حدث الفرز الحقيقي، من يمثل القبيلة؟ ومن كان يستخدم اسمها؟ لقد أسقطت التجربة العملية ادعاء أن المال يستطيع صناعة قبيلة بديلة، أو شراء تاريخ اجتماعي متجذر، أو إنتاج ولاء يمكن أن يحل محل الانتماء الحقيقي للأرض والناس.

القبيلة تعود إلى أصلها

عندما اشتد الخطر، عادت القبيلة اليمنية إلى مرجعياتها الاجتماعية التي تشكلت عبر قرون،  النكف، والفزعة، والعيب، والصلح، وحماية المستجير، وصيانة العرض والأرض، وترميم البيت الداخلي عند الأزمات الكبرى، ولم تكن هذه العودة مجرد استدعاء لموروث اجتماعي قديم، بل شكلت محاولة لإعادة ترتيب الأولويات؛ إذ جرى تقديم القضايا الكبرى على الخلافات الصغيرة، وتأجيل النزاعات البينية، والسعي إلى معالجة الثارات والانقسامات التي استنزفت المجتمع طويلًا، وهنا تكمن إحدى أهم دلالات المشهد،  الأزمة التي استهدفت تفكيك المجتمع أصبحت، في بعض جوانبها، عاملًا دفع باتجاه استعادة أدوات التماسك الاجتماعي، فالقبيلة، عندما تتجاوز خلافاتها الداخلية وتعيد تعريف أولوياتها، تتحول من مساحة للتنافس المحلي إلى قوة اجتماعية قادرة على حماية السلم الأهلي وتعزيز الصمود المجتمعي.

من أداة نفوذ إلى قوة اجتماعية مستقلة

أحد أهم أبعاد المشهد هو سقوط فكرة إمكانية اختزال القبيلة اليمنية في مجموعة من الواجهات السياسية أو الشخصيات التي تتحدث باسمها، فالقبيلة ليست شيخًا أو شخصيةً اجتماعية فقط، وليست علاقة مالية أو نفوذًا سياسيًا؛ إنها شبكة واسعة من العلاقات والأعراف والروابط الاجتماعية، وتاريخ ممتد من التفاعل مع الدولة والمجتمع والأرض، ولهذا فإن محاولة السيطرة على بعض الواجهات لا تعني بالضرورة السيطرة على القبيلة نفسها، لقد أثبتت الأحداث أن المجتمع القبلي يمتلك قدرة على إعادة إنتاج قياداته ومواقفه عندما تتعرض منظومته الأساسية للخطر، وأن النفوذ الخارجي مهما امتد لا يستطيع بسهولة أن يحل محل الروابط التي تشكلت داخل المجتمع نفسه.

نكف القبائل.. استعادة وظيفة اجتماعية

في الثقافة اليمنية، لا يمثل النكف مجرد تجمع عابر، بل يرتبط بفكرة الاستنفار الجماعي لمواجهة خطر يُنظر إليه باعتباره متجاوزًا للخلافات الفردية والمناطقية، ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة عودة النكف القبلي باعتبارها تعبيرًا عن انتقال المجتمع من حالة التشتت إلى حالة إعادة الاصطفاف حول قضية جامعة، والأهم أن هذا التحول لا يعني إلغاء التعدد داخل المجتمع القبلي، وإنما إعادة ترتيب الخلافات بحيث لا تتحول إلى مدخل لاستنزاف الداخل في لحظة تهدد فيها الأخطار الجماعة بأكملها، وهذه الدلالة بالذات تفسر لماذا تصبح المصالحة الداخلية وإنهاء الثارات ومعالجة النزاعات جزءًا من معركة الصمود، وليست شأنًا اجتماعيًا منفصلًا عنها.

من مواجهة العدوان إلى إسناد قضايا الأمة

وفي سياق العدوان على غزة وما رافقها من مواقف يمنية معلنة تجاه العدوان، برزت صورة أخرى للقبيلة اليمنية بوصفها مكوّنًا اجتماعيًا مساندًا للموقف الذي تتبناه القيادة والقوات المسلحة اليمنية، وهنا تظهر دلالة تتجاوز الجغرافيا اليمنية؛ إذ أصبح الخطاب القبلي يربط بين حماية الأرض اليمنية وبين الموقف من القضايا العربية والإسلامية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، ومن منظور اجتماعي، يعكس ذلك محاولة توسيع مفهوم التضامن القبلي من دائرة الحماية المحلية إلى دائرة أوسع تتصل بالهوية والقضايا المشتركة.

أربعة عقود من محاولات التدجين .. والاختبار يحسم الجدل

لم يكن النفوذ الخارجي داخل المجتمع اليمني وليد العدوان الأخير، بل تراكم عبر عقود من العلاقات السياسية والمالية والاجتماعية، ولذلك فإن سقوط بعض أدوات ذلك النفوذ لا يعني اختفاء آثاره فورًا، لكنه يكشف حدود قدرته على إعادة تشكيل المجتمع وفق إرادة خارجية، فالمال يستطيع شراء موقف مؤقت، وقد يستطيع صناعة نفوذ سياسي، لكنه لا يستطيع بمفرده أن يصنع تاريخًا اجتماعيًا أو يخلق ذاكرة جمعية أو يضمن استمرار الولاء عندما تتغير موازين المصالح، وهذه هي المفارقة الكبرى، كلما اشتد الاختبار، أصبح الفرق أكثر وضوحًا بين من يرتبط بالأرض والناس، ومن يرتبط بمصدر التمويل والنفوذ.

الأصل باقٍ.. والقناع يسقط

لقد كشفت سنوات العدوان أن القبيلة اليمنية ليست كتلة قابلة للشراء، ولا مجرد واجهة يمكن تصنيعها بالمال،  وما حدث كان عملية فرز تاريخية بين القبيلة بوصفها هويةً اجتماعية متجذرة، وبين القبيلة بوصفها أداةً سياسية قابلة للتوظيف، وأهم الحقائق الاجتماعية التي أبرزتها ظروف مواجهة العدوان هي أن الروابط المتجذرة في الأرض والتاريخ والمجتمع أكثر قدرة على الصمود من التحالفات التي تقوم على المصالح العابرة، لقد سقطت أقنعة كثيرة، وتبدلت مواقع شخصيات، وانكشفت رهانات، لكن القبيلة بقيت جزءًا أساسيًا من معادلة المجتمع اليمني،  فالقبيلة التي تستمد قوتها من أبنائها وأرضها وتاريخها لا تحتاج إلى شهادة من الخارج، ولا يمكن للمال أن يمنح نسخةً مصطنعة منها شرعية الأصل.

You might also like