حين يتزيّن الضلال بثوب الإصلاح .. رؤية الشهيد القائد لمعركة الوعي وكسر قيود التضليل

تكشف مضامين الدرس العشرون من دروس رمضان للشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه عن رؤية عميقة لمعركة الوعي، تنطلق من حقيقة أن الضلال لا يأتي دائماً في صورة واضحة ومكشوفة، بل قد يتزيّن بشعارات الإصلاح، والمصلحة العامة، والحفاظ على المجتمع، حتى يصبح من الصعب اكتشافه دون امتلاك معيار واعٍ يميز بين حقيقة الموقف وصورة الموقف.

 

يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي

 

 

الضلال .. حين يتحول الخطأ إلى إرث

يشير الشهيد القائد إلى أن الضلال قد ينشأ في زمن معين بفعل الأهواء والبغي والحسد، ثم يأتي آخرون فيتبنون ذلك المسار بحسن نية وإخلاص، ويتوارثه الناس جيلاً بعد جيل حتى يتحول الخطأ إلى قناعة راسخة، وهنا تكمن الخطورة، الفكرة لا تصبح صحيحة لمجرد أنها قديمة أو متداولة أو تبناها أشخاص محترمون، فالوعي الحقيقي يبدأ بإعادة فحص الموروثات والأفكار والمواقف، وعدم منحها حصانة لمجرد شيوعها.

 

أخطر التضليل .. أن يقدم نفسه إصلاحاً

يربط الدرس هذه الظاهرة بقوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ}، وهنا تتجلى إحدى أخطر آليات التضليل، أن يُقدَّم الموقف المنحرف باعتباره حماية للمصلحة العامة أو منعاً لشر أكبر أو سعياً للاستقرار، لذلك لا يكفي أن نسأل ماذا يسمي صاحب الموقف ما يفعله؟ بل ينبغي أن نسأل ما حقيقة فكرته؟ وإلى ماذا تقود؟ وما أثرها في الناس؟

 

 

لا تجعلوا مكانة الأشخاص معياراً للحقيقة

يقدم الشهيد القائد قاعدة شديدة الأهمية في التعامل مع الشخصيات المؤثرة، يمكن أن يبقى الإنسان محترماً، وأن يُنصح ويُقدّر، دون أن يصبح ذلك سبباً لقبول كل ما يقدمه، فالخطأ المنهجي هو أن تنتقل الثقة من الشخص إلى الفكرة، فيقال «هذا عالم، أو شخصية محترمة، إذن لا يمكن أن يكون ما يقدمه خاطئاً»، والبديل هو امتلاك القدرة على الفصل بين احترام الإنسان وتقييم خطابه؛ فالمعيار هو مضمون الفكرة وأثرها، لا مكانة صاحبها.

 

 

حتى حسن النية لا يحصّن الفكرة الخاطئة

من أخطر ما يلفت إليه الدرس أن بعض من ينقلون الضلال قد يكونون هم أنفسهم قد خُدعوا به، وقد يتحركون بحسن نية، وهذا يجعل مسؤولية الوعي أكبر؛ لأن مواجهة التضليل لا تقوم على البحث عن «مذنب» فقط، بل على تحرير الإنسان من الفكرة الخاطئة أياً كان مصدرها، ومن هنا تصبح المناعة الفكرية ضرورة ألا يكون الإنسان أسيراً للهيبة، أو الشهرة، أو الموروث، أو الخطاب الإعلامي، أو حسن الظن بالأشخاص.

 

من الوعي إلى إقامة القسط

يربط الشهيد القائد هذه القضية بإقامة القسط، مؤكداً أن الهداية ليست معرفة ساكنة، بل عمل وحركة، فالوعي الذي لا يتحول إلى موقف مسؤول يظل محدود الأثر، كما أن معرفة وجود المؤامرات والمنافقين والأعداء لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة للإحباط والاستسلام، فمن أخطر نتائج التضليل أن يصل الإنسان إلى قناعة «الظروف غير مناسبة، فلننتظر حتى تختفي المشكلات والأعداء»، لكن متى سيأتي ذلك الوقت؟ إن انتظار واقع خالٍ من التحديات يعني عملياً تعطيل المسؤولية إلى ما لا نهاية.

 

معركة الوعي .. كسر قيود التضليل

تبدأ الاستنارة، وفق هذا الطرح، من داخل الإنسان، أن يعزم على طلب الهدى، وأن يرفض أن يكون مجرد صدى لما يسمعه، وأن يتعامل مع الأفكار بوعي وفحص، ثم يحول معرفته إلى عمل، وبذلك تتحول معركة الوعي إلى مواجهة ثلاثية، تحرير العقل من التبعية وتحرير الموقف من الهيبة وتحرير العمل من الإحباط.

 

ختاما ..

إن جوهر رؤية الشهيد القائد في هذا الدرس يتمثل في التحذير من ضلال يتخفى خلف شعارات الإصلاح، ويتغذى على التوارث، ويكتسب قوته من مكانة الأشخاص والتأثير الإعلامي، ثم ينتهي إلى تعطيل قدرة الإنسان على الفعل، والرسالة الأبرز هي أن الحقيقة لا تُقاس بمن قالها، ولا بصورتها، ولا بقدمها، وإنما بميزان الهدى وأثرها في الواقع، فالمعركة الحقيقية ليست فقط في كشف المضللين، بل في بناء إنسان يمتلك مناعة فكرية تحرره من الانقياد، وتمنعه من تحويل الخوف إلى إحباط، وتدفعه من المعرفة إلى المسؤولية وإقامة القسط، حين يتزيّن الضلال بثوب الإصلاح، تصبح اليقظة واجباً، وحين يحاول التضليل تقييد الوعي، يصبح كسر قيوده بداية الطريق.

You might also like