الرسالة المحمدية.. من ظلمات الجاهلية إلى نور الهداية للإنسان في مواجهة الأزمات
حين تفقد المجتمعات بوصلتها، لا يكفيها التقدم المادي ولا كثرة النخب والمؤسسات؛ إذ تحتاج إلى منظومة قيم تعيد ترتيب الأولويات وتربط القوة بالعدل والمعرفة بالمسؤولية، ومن هذا المنظور، برزت الرسالة المحمدية كونها مشروعًا شاملًا للإنقاذ والإصلاح، بدأ بتزكية الفرد وانتهى إلى بناء مجتمع قادر على مواجهة التحديات، ففي بيئة أنهكتها العصبية والخرافة وتفاوت القوة، جاءت دعوة التوحيد لتمنح الإنسان معيارًا يهديه، وكرامة تصونه، ومسؤولية تجعله شريكًا في إصلاح واقعه وواقع الأمة من حوله.
يمانيون| محسن علي
إعادة بناء الإنسان من الداخل
يمثل الحديث عن النبي محمد، صلى الله عليه وآله سلم، والقرآن الكريم والرسالة الإلهية، استحضارًا لواحدة من أكثر التجارب تأثيرًا في تاريخ الإنسان، فقد ظهرت الرسالة المحمدية في بيئة مضطربة، كانت تعاني اختلالًا في التصورات والعلاقات والسلوك، فجاءت لتعيد بناء الإنسان من الداخل، وتحرره من الخضوع للأوهام والقوى المتسلطة، وتضع أمامه طريقًا يجمع بين الإيمان والعمل، وبين العبادة والخلق، وبين الحق والمسؤولية.
واقع المجتمع العربي قبل البعثة
ما قبل البعثة النبوية كان المجتمع العربي يعيش انقسامات عميقة، تحكمها العصبية القبلية وتفاوت المكانة والنفوذ، ولم تكن الأزمة محصورة في جانب واحد؛ فقد امتدت إلى المعتقدات، والثقافة، والمعاملات، وأنماط السلوك، وحين يغيب المعيار الأخلاقي الجامع، تتحول القوة إلى وسيلة للهيمنة، ويصبح الضعيف أكثر عرضة للاستغلال، وتفقد القوانين قدرتها على حماية الإنسان، وفي مثل هذا السياق، تبدو الحاجة إلى رسالة إصلاحية شاملة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.
خطورة ابتعاد الانسان عن الهداية
لا تنطلق هذه القراءة من اختزال تاريخ تلك المرحلة في صورة واحدة، أو من إصدار أحكام عامة على شعوب وحضارات مختلفة، بل تركز على الفكرة الأساسية التي يطرحها التقرير: أن ابتعاد الإنسان عن الهداية والقيم يفضي إلى اضطراب في الحياة، مهما امتلك من إمكانات سياسية أو اقتصادية أو معرفية، فالمعرفة إذا انفصلت عن الضمير قد تُستخدم في القهر، والثروة إذا غابت عنها العدالة قد تتحول إلى أداة لاستعباد الآخرين، والسلطة إذا لم تقيدها المسؤولية قد تنتج الظلم بدل أن تمنع وقوعه.
مهام سلسلة أنبياء الله جميعا
وقد ارتبطت الرسالة المحمدية بسلسلة الهداية التي حملها الأنبياء، من إبراهيم وإسماعيل وموسى وعيسى، عليهم السلام، إذ دعت جميعها إلى توحيد الله وإقامة القسط وتهذيب السلوك، غير أن تعاقب الأزمنة في ظل الظلال والمظلين أدى إلى اختلافات وتأويلات وانحرافات أضعفت حضور القيم الأصلية في حياة الناس، ومع تراجع التربية الروحية والأخلاقية، اتسعت مساحة الخرافة، وتداخلت المصالح مع الخطاب الديني، واستُخدمت بعض المفاهيم لتبرير النفوذ أو حماية الامتيازات.
كانت نتائج ذلك واضحة في واقع الحياة؛ إذ تراجعت قيمة الإنسان، وانتشرت صور متعددة من الظلم والاستغلال، وأصبحت الفئات الأضعف أكثر عرضة للحرمان. كما انعكست الفوضى القيمية على الأسرة والمعاملات والعلاقات الاجتماعية، فأصبحت الجريمة والعنف والتمييز جزءًا من بنية الحياة اليومية ومنها ما حصل من ممارسات قاسية عرفتها بعض المجتمعات القديمة، ومنها قتل الأطفال أو وأد البنات، بوصفها أمثلة على الانهيار الأخلاقي حين تفقد الجماعة إحساسها بحرمة الحياة ومسؤوليتها عن حماية أفرادها.
من يملك القدرة على الإنقاذ
في مواجهة هذا الواقع، يطرح التقرير سؤالًا محوريًا: من يملك القدرة على الإنقاذ، وكيف يمكن أن يتحول الإنقاذ من فكرة مجردة إلى مشروع عملي؟ تأتي الإجابة من الإيمان بأن الهداية الإلهية ليست ترفًا روحيًا، بل أساس لصلاح الحياة، فالمجتمع يحتاج إلى معيار يوجه القوة، ويضبط الرغبات، ويحمي الحقوق، ويمنع تحول الإنسان إلى وسيلة في يد الأقوياء، ومن دون هذا المعيار، قد تتحول النعم المادية والعلمية إلى أدوات للفساد والطغيان بدل أن تكون وسائل للتنمية والرحمة.
وتؤكد الرسالة الإسلامية أن الله لم يترك الإنسان بلا توجيه، بل تعاقبت الرسالات والأنبياء لتبليغ الهدى، والتنبيه إلى عواقب الظلم والانحراف، وفتح الطريق أمام الإصلاح، وتكمن المشكلة في رفض الهداية أو تحريفها أو تفريغها من مضمونها الأخلاقي والاجتماعي، ففي الحالتين، لا يبقى الدين قوة لتحرير الإنسان، بل يتحول إلى غطاء لممارسات تناقض مقاصده الأساسية، مثل العدل والرحمة وصيانة الكرامة.
المولد النبوي اهتمام خاص
وفي هذا السياق، يكتسب مولد النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، أهمية خاصة في وجدان المسلمين، فقد ولد في مكة عام الفيل، ونشأ يتيمًا بعد وفاة والده ثم والدته، فكفله جده عبدالمطلب، ثم عمه أبو طالب، ورغم قسوة الظروف المحيطة به، عُرف منذ شبابه بالصدق والأمانة، وغيرها… وقد شكلت هذه السيرة الشخصية أساسًا مهمًا لمهمته اللاحقة؛ إذ سبقت أخلاقه دعوته، ومنحت رسالته مصداقية عملية أمام الناس.
في سن الأربعين، بدأت مرحلة البعثة، وانطلقت الدعوة من مكة لتدعو إلى التوحيد وتحرير الإنسان من العبودية لغير الله، واجه النبي مقاومة من قوى رأت في الرسالة تهديدًا لمكانتها ومصالحها، فلم تقتصر المواجهة على النقاش الفكري، بل شملت التشويه والضغط والاضطهاد. ومع ذلك، ركزت المرحلة المكية على بناء الإنسان المؤمن، وتعزيز الصبر والثبات، وتكوين جماعة تحمل القيم الجديدة وتترجمها في سلوكها.
مرحلة تنظيم المجتمع
بعد الهجرة إلى المدينة، انتقلت الرسالة إلى مرحلة تنظيم المجتمع وإدارة العلاقات العامة، لم يعد الإيمان شأنًا فرديًا معزولًا، بل أصبح أساسًا لبناء جماعة تتعاون في حماية الحقوق وتنظيم المصالح. وتقدم السيرة في هذه المرحلة نموذجًا يربط المبادئ بالمؤسسات، ويجمع بين العبادة والعمل، وبين التضامن وتحمل المسؤولية، كما أظهرت أن نجاح أي مشروع إصلاحي لا يتوقف على وفرة الإمكانات، بل على وضوح الرؤية، وقوة القيم، والقدرة على تحويل الأفراد إلى مجتمع متماسك.
عوامل نجاح الرسالة المحمدية
وفي صعيد متصل هناك مجموعة من العوامل التي تفسر نجاح الرسالة المحمدية؛ أولها أنها خاطبت الفطرة الإنسانية، وقدمت تصورًا يجيب عن أسئلة المعنى والمصير والعدل، وثانيها أن النبي امتلك مؤهلات أخلاقية وإنسانية عالية، تمثلت في الرحمة والصبر والحكمة والحرص على هداية الناس، وثالثها شمول الرسالة؛ فهي لا تكتفي بإصلاح الاعتقاد، بل تهتم بتزكية النفس، وتنظيم الأسرة، وحماية الضعفاء، وترشيد التعاملات، وبناء مجتمع يقوم على التعاون والمساءلة.
أما العامل الرابع فيتمثل في القرآن الكريم بوصفه المرجعية المركزية للرسالة والمعجزة الخالدة في العقيدة الإسلامية، فقد قدم القرآن مبادئ للهداية والإصلاح، وحث على طلب المعرفة، وربط العبادة بالعمل الصالح، وحذر من الظلم والفساد والاستعلاء، ولا تقتصر أهمية القرآن على تلاوته، بل تتجلى في فهم مقاصده وتحويل قيمه إلى سلوك ومؤسسات وسياسات تحمي الإنسان وتدفع المجتمع نحو الاستقامة.
وتبقى هذه الدروس ذات صلة بالواقع المعاصر، حيث تواجه البشرية تحديات متشابكة، من الحروب والاحتلال والعنصرية إلى الفقر والفساد وتضليل المعلومات وتراجع الثقة بالمؤسسات، كما أن التقدم التقني والاقتصادي لا يضمن وحده تحقيق السعادة أو العدالة، إذا لم يرافقه وعي أخلاقي يضع الإنسان في مركز التنمية، وقد تستخدم القوى الكبرى نفوذها لحماية مصالحها على حساب شعوب أخرى، الأمر الذي يجعل الحاجة إلى خطاب عالمي يقوم على الحق والقانون والكرامة أكثر إلحاحًا.
مسؤولية الأمة في استلهام السيرة النبوية
لكن معالجة أزمات العصر لا ينبغي أن تقوم على التعميم أو الكراهية أو اختزال العالم في معسكرات متصارعة فالقيم الإسلامية قادرة على تقديم إسهام إيجابي حين تُطرح باعتبارها دعوة إلى العدل والرحمة والتعاون، لا باعتبارها أداة لإقصاء المختلف، ومواجهة الظلم تكون بالدفاع عن الضحايا، ورفض ازدواجية المعايير، واحترام القانون، وبناء مؤسسات قوية، لا بإعادة إنتاج لغة العنف نفسها.
ومن هنا تتحدد مسؤولية الأمة المسلمة في استلهام السيرة النبوية بصورة عملية. فالمطلوب ليس الاكتفاء بالاحتفاء التاريخي، بل إصلاح التعليم، ومحاربة الفقر والفساد، وصون الأسرة، وتمكين الشباب، وتحقيق استقلال القضاء، وترسيخ الشورى والمساءلة، وتقديم خطاب ديني يجمع بين الثوابت والوعي بتحولات العصر، كما أن العودة إلى القرآن ينبغي أن تكون عودة فهم وعمل، لا مجرد حضور شعائري منفصل عن قضايا المجتمع.
كما تحتاج النهضة كذلك إلى نقد ذاتي صريح؛ إذ لا يمكن تعليق كل الأزمات على الخارج مع تجاهل الانقسامات الداخلية وضعف المؤسسات والاستبداد وسوء الإدارة، فالرسالة التي ترفع شعار الكرامة مطالبة بحماية كرامة مواطنيها، والتي تدعو إلى العدل مطالبة بتطبيقه على القريب والبعيد، والتي تحث على الرحمة مطالبة برعاية الفقير واليتيم واللاجئ والمستضعف، وبقدر ما تنجح الأمة في تجسيد هذه المبادئ، يزداد تأثيرها في العالم وتتحول رسالتها إلى نموذج حي.
ختاما
تقدم الرسالة المحمدية تصورًا متكاملًا للإنقاذ يبدأ بإصلاح الإنسان، ويمتد إلى بناء مجتمع عادل، وينفتح على مسؤولية أخلاقية تجاه العالم. وتبقى قيمة السيرة النبوية في قدرتها على إلهام الحاضر، لا في تحويل الماضي إلى مادة للتمجيد فقط، فحين يقترن الإيمان بالعمل، والمعرفة بالمسؤولية، والحرية بالعدل، يصبح النور الذي حملته الرسالة مشروعًا متجددًا لمواجهة الظلم، وصون الكرامة، وفتح طريق أكثر إنسانية للمستقبل.