ثورة 21 سبتمبر.. مسار شعبي من الاحتجاج إلى الصمود والمواجهة حتى الحرية والاستقلال
لم تبدأ حكاية الثورة الشعبية اليمنية المباركة في 21 سبتمبر 2014، بل سبقتها بثلاثة أعوام، حين امتلأت ساحات التغيير بأصوات المحتجين المطالبين بإسقاط الفساد والاستبداد وبناء دولة جديدة، غير أنها، بحسب كتاب «ثورة اليمن المستمرة»، سرعان ما وجدت نفسها أمام محاولات للاحتواء والالتفاف، قبل أن تعود في صورة جديدة، أكثر حدة واتساعًا، لتنتقل من ساحات الاحتجاج إلى مؤسسات الدولة، ثم إلى الصمود وجبهات المواجهة للدفاع عن أهدافها ضد تحالف العدوان الامريكي السعودي .
يمانيون| محسن علي
صدر كتاب «ثورة اليمن المستمرة» في سبتمبر 2017 عن مركز الإعلام الثوري، وجمعه وأعده الشهيد هاشم أحمد شرف الدين، مستندًا إلى إجابات محمد علي الحوثي، رئيس اللجنة الثورية العليا، في مقابلات متعددة مع وسائل إعلام مختلفة حيث يتناول الكتاب المراحل التي مرت بها الثورة اليمنية منذ اندلاع احتجاجات 11 فبراير 2011، وصولًا إلى الذكرى الثالثة لثورة 21 سبتمبر، مرورًا بالتحولات السياسية والأمنية والعسكرية التي شهدتها البلاد.
يفتتح الكتاب حديثه من ثورة فبراير 2011، التي يصفها بأنها هبة شعبية خرج فيها اليمنيون إلى الساحات بحثًا عن التغيير وإنهاء الفساد والاستبداد، غير أن هذه الثورة، تعرضت لمحاولات متعددة للالتفاف عليها، بعدما دخلت الأحزاب والقوى السياسية إلى ساحات التغيير، وأخذت تعمل على توجيه الحراك الشعبي بما يخدم مصالحها السياسية.
المبادرة الخليجية مؤامرة
ويؤكد الكتاب أن المبادرة الخليجية لم تحقق الأهداف التي خرج من أجلها اليمنيون، بل أعادت توزيع السلطة بين أطراف النظام، وأنتجت حكومة تقوم على المحاصصة وتقاسم النفوذ، ولهذا أصر الثوار، على البقاء في ساحة التغيير، معتبرين أن مغادرتها تعني إفساح المجال أمام القوى السياسية لإعادة إنتاج النظام السابق في صورة جديدة، كما يشدد أن استمرار الفعل الثوري كان ضروريًا لحماية مطالب الشعب، خصوصًا أن الحكومة التي تشكلت بعد المبادرة الخليجية لم تقدم، كما يروي، نموذجًا مختلفًا في إدارة البلاد، فقد انشغلت القوى السياسية بتقاسم السلطة والمناصب، بينما ظلت القضايا الأساسية المتعلقة بالفساد، والأمن، والتنمية، وبناء الدولة، معلقة دون حلول حقيقية.
وفي سياق الحديث عن المبادرة الخليجية، يتطرق الكتاب إلى استبعاد قوى ثورية أساسية من التسوية السياسية، ويعرض هذا الاستبعاد باعتباره نتيجة طبيعية لكون بعض القوى المشاركة في المبادرة كانت تملك علاقات خارجية واتصالات مع سفارات ودول مؤثرة، في حين بقيت قوى أخرى، خارج دائرة التفاهمات السياسية التي قادت إلى توقيع المبادرة.
تطورات خطيرة لمحاولة القضاء على الثورة
ومع استمرار الاحتجاجات، يتحدث عن محاولات لإخلاء ساحة التغيير وإنهاء الاعتصامات، إلى جانب تصاعد حملات التحريض والتكفير وعودة المواجهات المسلحة، كما يربط بين تلك التطورات وبين ما شهدته مناطق عدة من أحداث أمنية وعسكرية، وصولًا إلى معارك كتاف ودماج وعمران، التي يشير بأنها كانت جزءًا من محاولة القضاء على الثورة وإضعاف حضورها الشعبي؛ ورغم الضغوط، يؤكد أن الحراك الثوري حافظ على زخمه من خلال المسيرات الأسبوعية والفعاليات السياسية والشعبية، فقد استمرت المظاهرات في صنعاء ومناطق أخرى، وتوسعت الأنشطة التوعوية والزيارات الميدانية، بهدف إبقاء الثورة حاضرة في الشارع، وعدم السماح بتحويلها إلى ذكرى عابرة أو إيقافها عند حدود التسوية السياسية.
ارهاصات سبقت الثورة
ثم ينتقل الكتاب إلى مرحلة الإرهاصات التي سبقت ثورة 21 سبتمبر 2014، ويتوقف عند تصاعد عمليات الاغتيال التي طالت شخصيات سياسية وفكرية وأمنية، إلى جانب الاعتداءات التي تعرض لها الثوار في الساحات، ويعرض هذه الأحداث باعتبارها مؤشرًا على عجز السلطة عن معالجة الأزمة، وتصاعد رغبتها في مواجهة القوى الثورية بدل الاستجابة لمطالبها.
أسباب اندلاع الثورة
في مقدمة الأسباب التي دفعت إلى اندلاع الثورة، يضع الكتاب قرار رفع أسعار المشتقات النفطية، أو ما عُرف بـ«الجرعة»، ويقدم القرار بوصفه خطوة اقتصادية أثقلت كاهل المواطنين، خصوصًا في ظل انتشار الفساد وغياب المشاريع التنموية التي يمكن أن تبرر رفع الأسعار، وحينها لم يرَ اليمنيون في الجرعة إجراءً اقتصاديًا مؤقتًا، بل شاهدوا فيها تعبيرًا عن استمرار سياسات الإفقار وتحميل المواطن كلفة الفشل والفساد.
انفجار جديد يفتح الطريق
كما يتهم السلطة بإعاقة تنفيذ مخرجات مؤتمر الحوار الوطني، ويشير إلى أن قضايا أساسية، مثل بناء الدولة، والشراكة السياسية، وشكل الأقاليم، ظلت عرضة للتأجيل والمماطلة، ويرى أن بعض القوى حاولت فرض تصوراتها الخاصة، بدل الوصول إلى صيغة وطنية متوافق عليها، الأمر الذي أدى إلى تعميق الأزمة السياسية وفتح الطريق أمام انفجار
جديد.
مطالب الثوار في التصعيد الثورة
مع تصاعد السخط الشعبي، بدأت مرحلة التصعيد الثوري، وخرجت الجماهير للمطالبة بثلاثة أهداف أساسية: إلغاء الجرعة، وإسقاط حكومة الفساد، وتنفيذ مخرجات الحوار الوطني، ويؤكد أن التحرك بدأ سلميًا، وأن القوافل الشعبية والقبلية أخذت تتدفق إلى المخيمات، معلنة دعمها للمعتصمين ومساندتها لمطالب الثورة.
قبائل اليمن سند الثورة ومددها
وفي السياق يقدم ثورة 21 سبتمبر بوصفها ثورة شعبية واسعة شاركت فيها القبائل والمدن والضباط والتجار، وتجاوزت الانتماءات الحزبية والمناطقية، كما يبرز دور القوافل الشعبية في تمويل الاعتصامات وتوفير احتياجات الثوار، معتبرًا أن الثورة اعتمدت على المجتمع اليمني وقبائله الحرة ولم تكن، وفق الرواية، مشروعًا مدعومًا من الخارج.
فجر الانتصار الجديد
وفي 21 سبتمبر 2014، يصف ما حدث بأنه انتصار للثورة وانتقال بها إلى مرحلة جديدة، ويضع “اتفاق السلم والشراكة” في قلب هذه المرحلة، باعتباره اتفاقًا يهدف إلى إشراك مختلف القوى والمكونات في إدارة البلاد، وإرساء قاعدة جديدة للتنمية والاستقرار، ويرى الكتاب أن الاتفاق كان فرصة لبناء شراكة وطنية حقيقية، لكنه تعرض للالتفاف والتعطيل منذ أيامه الأولى، كما يتناول مسألة تشكيل الحكومة، معتبرًا أن تأخيرها وإقصاء بعض المكونات عرقل تنفيذ الاتفاق، كما يصف تكليف أحمد عوض بن مبارك بتشكيل الحكومة بأنه خطوة استفزازية أدت إلى تفجير الوضع، ثم يتحدث عن تشكيل حكومة جديدة برئاسة خالد بحاح، مشيرًا إلى أن الحكومة، رغم ظهورها في صورة مستقلة، ظلت في نظر الثورة مرتبطة بالقوى الحزبية والسياسية السابقة.
دور حكماء اليمن بعد استقالة هادي وبحاح
وبعد استقالة هادي وبحاح، دخلت البلاد، بحسب الكتاب، مرحلة فراغ دستوري وسياسي، وفي مواجهة هذا الفراغ، دعت اللجنة الثورية إلى اجتماع حكماء اليمن، الذي انعقد على مدى ثلاثة أيام، وانتهى إلى تفويض قيادة الثورة باتخاذ الخطوات اللازمة إذا لم تتمكن القوى السياسية المتحاورة في موفمبيك من التوصل إلى حل.
الإعلان الدستوري ضرورة
ومع استمرار المماطلة في الحوار، جاء الإعلان الدستوري، الذي يقدمه الكتاب بوصفه خطوة هدفت إلى منع انهيار مؤسسات الدولة وإبقاء البلاد ضمن إطار دستوري، غير أن انتقال هادي إلى عدن، ثم مغادرة عدد من السفارات صنعاء، أديا إلى مزيد من التصعيد، وفتحا الطريق أمام مرحلة جديدة من الصراع.
محاولة فاشلة لاغتيال ٢١ سبتمبر
بعد ذلك، ينتقل الكتاب إلى الحديث عن الحرب التي اندلعت في اليمن، بعدوان خارجي استهدف الثورة والشعب اليمني، ويركز على الصمود الشعبي والعسكري في مواجهة القصف والحصار، ويعرض جهود المؤسسات الأمنية والعسكرية واللجان الشعبية في مواجهة الجماعات المسلحة وتأمين الطرق والممتلكات العامة والخاصة.
اول تحد اقتصادي للبلاد
كما يتحدث عن التحدي الاقتصادي الذي واجهته البلاد، ومحاولات الحفاظ على قيمة العملة وصرف رواتب الموظفين واستمرار عمل البنك المركزي والمؤسسات الحكومية، ويشير إلى أن القطاع الخاص والتجار والقبائل أسهموا في توفير احتياجات المواطنين، والحفاظ على الحد الأدنى من استمرار الحياة في ظل الحصار والدمار.
التصنيع الحربي أحد ثمار الثورة
وفي الجانب العسكري، يبرز الكتاب تطور القدرات الصاروخية والتصنيع الحربي، ويعتبرهما من أبرز ثمار ثورة 21 سبتمبر، ويقدم إطلاق الصواريخ على مواقع داخل السعودية بوصفه دليلًا على قدرة اليمنيين على تطوير أدوات المواجهة، رغم التفوق العسكري الكبير للتحالف.
من الفساد إلى مواجهة التحالف
أما على المستوى الشعبي، فيرسم الكتاب صورة لمجتمع يمني صامد، شاركت فيه القبائل والمرأة والشباب وأسر القتلى والجرحى، إلى جانب العاملين في المجالين الإعلامي والثقافي، ويؤكد أن الثورة انتقلت من مواجهة الفساد والوصاية الداخلية إلى مواجهة العدوان الخارجي، وأن الصمود أصبح امتدادًا مباشرًا لأهدافها الأولى.
الإدارة السياسية لحكومة الإنقاذ
وفي عام 2016، يرحب بالاتفاق السياسي بين أنصار الله والمؤتمر الشعبي العام، وبإنشاء المجلس السياسي الأعلى، ثم تشكيل حكومة الإنقاذ الوطني، ويقدم هذه الخطوات بوصفها انتقالًا من إدارة اللجنة الثورية إلى صيغة سياسية تشاركية، مع استمرار الثورة في أداء دورها الشعبي والرقابي.
المساندة والتصحيح
ويؤكد أن الثورة لم تنتهِ بتشكيل المجلس السياسي أو الحكومة، بل انتقلت إلى مرحلة جديدة عنوانها المساندة والتصحيح، فالثوار، مستعدون لدعم أي سلطة تعمل لمصلحة الشعب، كما أنهم سيواصلون التحرك إذا عادت القوى السياسية إلى المحاصصة أو الإقصاء أو الابتعاد عن أهداف الثورة.
الثورة مستمرة
تعد 21 سبتمبر مسارًا مفتوحًا لم يصل بعد إلى نهايته، فهي بدأت بمواجهة الفساد والاستبداد، ثم انتقلت إلى إسقاط حكومة الوفاق، والدفع نحو الشراكة السياسية، ومواجهة الفراغ الدستوري، قبل أن تتحول إلى مشروع صمود في وجه الحرب والحصار.
ختاما
وهكذا يرسم «ثورة اليمن المستمرة» رحلة طويلة انتقلت فيها الثورة من ساحات التغيير إلى مؤسسات الدولة، ومن المؤسسات إلى الجبهات، محتفظة بشعارات الحرية والاستقلال والشراكة وبناء الدولة العادلة، وبينما تتغير الظروف وتتبدل أدوات المواجهة، يظل جوهر الرواية قائمًا على فكرة واحدة: أن الثورة، في نظر الشعب اليمني، لم تكن حدثًا انتهى، بل مسارًا مستمرًا حتى تحقيق أهدافها.
للمزيد.. يرجى الضغط على الرابط ادناه لتحميل الكتاب.