الردع اليمني يفرض معادلة جديدة .. العدو السعودي أمام حسابات التصعيد المكلف
لم تعد معادلة المواجهة بين اليمن والعدو السعودي خاضعة للحسابات التي انطلق منها العدوان عام 2015؛ فبعد 12 عام، بات العدو أمام واقع استراتيجي أكثر تعقيدًا، تراجعت فيه ضمانات الحسم العسكري بدرجة كبيرة ، وتتزايد فيه كلفة التصعيد، وتتقلص مساحة الخيارات المضمونة النتائج، وفي قلب هذا التحول، يبرز الردع اليمني باعتباره عاملًا مؤثرًا في إعادة تشكيل قواعد الاشتباك، وإجبار العدو على احتساب تداعيات قراراته قبل الإقدام عليها، لقد أثبتت سنوات العدوان أن امتلاك التفوق العسكري لا يعني امتلاك القدرة على إخضاع اليمن، وأن القوة التي لا تحقق أهدافها السياسية تتحول إلى عبء استراتيجي مهما بلغت إمكاناتها.
يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي
إخفاق رهان الإخضاع
دخل العدو السعودي في عدوانه على اليمن اعتمادًا على تفوقه التسليحي والجوي والمالي، وعلى افتراض أن الضغط العسكري سيقود إلى حسم سريع يفرض الوقائع السياسية المرغوبة، لكن امتداد المواجهة كشف حدود هذا الرهان، وأظهر أن الصمود اليمني قادر على إحباط أهداف عسكرية لا تتناسب نتائجها مع حجم الموارد المستخدمة، لم تكن دلالة هذه النتيجة عسكرية فحسب؛ بل تمثلت في تقويض الفرضية القائلة إن التفوق في الإمكانات يمنح صاحبه حق تقرير نهاية الحرب وشروطها، فاليمن، رغم التفاوت الكبير في الموارد، استطاع إبقاء المواجهة مفتوحة على احتمالات متعددة، وفرض على العدو إعادة النظر في الكلفة الكبيرة التي سيدفعها ثمنا لاستكباره، وهنا تتجلى قيمة الردع اليمني، في حرمان العدو من الاطمئنان إلى أن القوة ستمنحه الحسم، وتحويل قرار العدوان من خيار يبدو مضمون النتائج إلى مخاطرة ذات حسابات معقدة.
القدرات اليمنية وتوازن المخاطر
تفرض القدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة تحديات على معادلات الدفاع والأمن، وتدفع العدو إلى البحث عن سبل لمواجهتها ومراجعة تقديراته للمخاطر، وتنبع أهميتها الاستراتيجية من تأثيرها المحتمل في حسابات التصعيد، وليس من مجرد امتلاكها أو الإعلان عنها، فالردع الفعّال يقوم على القدرة في منع تحقيق الأهداف بالقوة، وتوصيل رسالة الردع للعدو بأن التصعيد قد يرتب عليه تكاليف كارثية عليه، والمحافظة على قدرة الصمود التي تحول دون فرض الاستسلام العسكري، وبهذا المعنى، لا يُقاس الردع اليمني بمقارنة الترسانات وحدها، بل بمدى تأثيره في القرار المقابل، وقدرته على الحد من الاعتقاد بإمكانية شن حرب جديدة دون تبعات.
الاقتصاد السعودي في حسابات الردع
لا تنفصل الحسابات العسكرية عن المصالح الاقتصادية للعدو السعودي، فالاستقرار والاستثمار والتجارة والطاقة عناصر أساسية في المصالح الاستراتيجية للعدو، والتصعيد يرفع تكاليف الحماية والتأمين، ويزيد المخاطر المحيطة بالأنشطة الاقتصادية، ويضعف اليقين الذي تحتاج إليه الأسواق والاستثمارات، وتكفي الإشارة إلى أن احتمالات اتساع المواجهة تدخل ضمن حسابات المخاطر التي يتعين على صانع القرار أخذها في الاعتبار، ومن هنا، فإن الرسالة الاستراتيجية للردع اليمني تتمثل في أن قرار التصعيد لا يمكن فصله عن تداعياته الأمنية والاقتصادية، وأن أي مكاسب عسكرية محتملة ينبغي موازنتها مع مخاطر استمرار العدوان واتساع نطاقه.
العدو السعودي أمام خيارات أكثر كلفة
يواجه العدو السعودي معادلة صعبة، تصعيد عسكري قد يعيد إنتاج حرب طويلة، واحتواء قد لا ينهي أسباب التوتر، وتفاوض يقتضي التعامل مع موازين القوى والوقائع القائمة،كما يمنح الموقع الجغرافي لليمن، المطل على البحر الأحمر وخليج عدن والقريب من مضيق باب المندب، المواجهة أبعادًا تتجاوز حدود البلدين، بالنظر إلى ارتباط الملاحة البحرية والتجارة الدولية باستقرار المنطقة، وبالتالي، فإن أي تصعيد واسع قد يثير تداعيات إقليمية ودولية، ويزيد الضغوط الرامية إلى احتواء المواجهة وتجنب اتساعها.
الردع ليس استعراضًا للقوة بل فرضٌ لحسابات جديدة
تكمن القيمة الاستراتيجية للردع اليمني في قدرته على التأثير في حسابات العدو، لا في استمرار تبادل التهديدات، فالردع الحقيقي هو الذي يجعل قرار الحرب أقل إغراءً، ويحد من الاعتقاد بإمكانية فرض الإرادة بالقوة، ويدفع نحو التعامل مع أسباب الصراع بدل إعادة إنتاجه،
زمن الحسم المضمون قد انتهى
لقد أظهرت سنوات العدوان أن اليمن ليس ساحة يمكن إخضاعها بمجرد التفوق في التسليح، وأن الصمود والقدرات الدفاعية والهجومية قادران على جعل حسابات القوة أكثر تعقيدًا، وأصبح التصعيد خيارًا محاطًا بالمخاطر، لا طريقًا مضمونًا لتحقيق الأهداف، الردع اليمني يبعث برسالة استراتيجية واضحة، لا يمكن فرض معادلة الاستسلام بالقوة، ولا يمكن فصل قرار التصعيد عن كلفته الثقيلة، وكلما تراجعت ضمانات الحسم وارتفعت مخاطر المواجهة، ازدادت الحاجة إلى أن يراجع العدو حساباته، بدل فتح أبواب جولة جديدة من الخسائر، وهكذا، فإن جوهر التحول ليس الادعاء بأن الحرب حُسمت نهائيًا، بل أن قرار الحرب نفسه بات أكثر تعقيدًا، وأن أي رهان على إخضاع اليمن بالقوة يواجه واقعًا لا يمكن تجاهله، لأن الردع يقيّد الخيارات، والصمود يبدد أوهام الحسم السريع، والسياسة وحدها تستطيع تحويل توازن المخاطر إلى سلام مستدام.