رابطة علماء اليمن .. بيان حاسم يفضح ازدواجية المواقف الدينية ويحذر من توظيف المقدسات لتبرير العدوان والحصار واستهداف وحدة الأمة الإسلامية
يفتح بيان رابطة علماء اليمن، الرافض لموقف شيخ الأزهر بشأن استهداف اليمن للمقدسات الإسلامية، مواجهة مباشرة حول مسؤولية المؤسسات الدينية في زمن الصراعات، ويضع الخطاب الديني أمام اختبار حقيقي بين الانتصار للحق والعدل، والانجرار وراء روايات سياسية تُسهم في تأجيج الخلافات داخل الأمة الإسلامية، فالبيان لا يتوقف عند إدانة موقف ديني بعينه، بل يوجه رسالة شديدة اللهجة إلى كل المؤسسات والعلماء الذين يتناولون الصراع في اليمن، مؤكدًا أن حرمة المقدسات لا يجوز أن تتحول إلى أداة للاستقطاب السياسي، أو غطاء ديني لتبرير العدوان والحصار، أو وسيلة لتشويه شعب يواجه تداعيات عدوان وحصار ممتد منذ سنوات.
يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي
التسرع في الإدانة.. سقوط في اختبار المسؤولية الدينية
عبّرت رابطة علماء اليمن عن استغرابها الشديد من بيان شيخ الأزهر، معتبرة أنه تبنى، بحسب وصفها، ادعاءات باطلة بشأن استهداف اليمن للمقدسات الإسلامية، دون التثبت الكافي أو التواصل مع صنعاء للاستماع إلى موقفها،
وتحمل هذه الإدانة دلالة تتجاوز الخلاف حول مضمون بيان؛ إذ تضع مصداقية المؤسسات الدينية أمام مسؤولية التحقق قبل إصدار الأحكام، خصوصًا عندما تتعلق الاتهامات بقضايا تمس مشاعر المسلمين وتُستخدم للتأثير في مواقفهم، وترى الرابطة أن مكانة الأزهر التاريخية كانت تقتضي موقفًا أكثر توازنًا ومسؤولية، يقوم على التثبت من الوقائع، ومساءلة الأطراف المعنية، وعدم تبني رواية طرف واحد دون استكمال عناصر الصورة،
ومن هنا جاءت دعوتها إلى سحب البيان، في موقف يعكس رفضها استخدام المكانة الدينية لإضفاء المصداقية على اتهامات ترى أنها تفتقر إلى أساس صحيح، فالمرجعية الدينية لا تُصان بهيبة اسمها، بل بنزاهة مواقفها، ولا تتحقق رسالتها بترديد الاتهامات، وإنما بإقامة العدل والتحقق من الحقائق.
العدوان على اليمن.. السؤال الذي يتجاهله الخطاب الديني
يضع البيان أمام شيخ الأزهر والمؤسسات الدينية سؤالًا جوهريًا، أين المواقف التي تدين ما تعرض له اليمن من قتل ودمار واستهداف للأعيان المدنية وحصار؟ وتستند الرابطة في اعتراضها إلى ما تعتبره اختلالًا في ترتيب الأولويات، حيث تُثار اتهامات تتعلق بالمقدسات، بينما لا تحظى معاناة اليمنيين، وما تعرضوا له خلال سنوات العدوان، بالمستوى نفسه من الاهتمام والإدانة، وتكمن قوة هذا الطرح في أنه ينقل النقاش إلى معيار العدالة، هل تُصان حرمة المقدسات بمعزل عن حرمة الإنسان؟ وهل يمكن الدفاع عن الرموز الإسلامية مع التغاضي عن دماء المدنيين وحقوق الشعوب؟ إن الرسالة التي يطرحها البيان واضحة، لا يجوز أن تكون حرمة المقدسات معيارًا انتقائيًا يُستحضر ضد طرف، ويُغيب عندما يتعلق الأمر بممارسات طرف آخر. فالعدل لا يتجزأ، وحرمة الدماء والأموال والأعيان المدنية مسؤولية دينية وأخلاقية لا تسقط تحت ضغط السياسة والتحالفات.
توظيف المقدسات.. معركة لتوجيه الوعي الإسلامي
يتهم بيان الرابطة النظام السعودي بمحاولة توريط الدول الإسلامية وعلمائها في الصراع، وتوظيف مكانة المقدسات لإضفاء صبغة دينية على عدوانه وحصاره على اليمن، وتكشف هذه النقطة عن بُعد خطير في طبيعة المواجهة، يتمثل في انتقال الصراع من ميادينه السياسية والعسكرية إلى ميدان الوعي الديني، حيث يمكن للاتهامات ذات الحساسية العقائدية أن تُستخدم في تعبئة الرأي العام وتوجيه مواقف الشعوب،
وترى الرابطة أن استدعاء المقدسات في هذا السياق قد يؤدي إلى تحويل الخلاف إلى حالة من الاستقطاب الديني، بما يهدد وحدة المسلمين ويصرف الأنظار عن الأسباب الحقيقية للصراع،
ومن هذا المنطلق، فإن رفضها لاستخدام المقدسات في المعركة السياسية يمثل تحذيرًا من منح الحروب غطاءً دينيًا، ومن استغلال مشاعر المسلمين لتبرير سياسات أو ممارسات مثيرة للجدل.
العدو الصهيوأمريكي.. الصراع في إطاره الإقليمي
يربط البيان العدوان على اليمن بالدور الصهيوأمريكي، معتبرًا أن الحرب تستهدف استنزاف قدرات الأمة وتهيئة الظروف لمشروعات الهيمنة الإسرائيلية في المنطقة، ومنها مشروع «إسرائيل الكبرى»، ويعكس هذا الموقف قراءة الرابطة للصراع باعتباره جزءًا من مواجهة إقليمية تتجاوز الحدود اليمنية، وترتبط بموازين القوة ومستقبل المنطقة والقضية الفلسطينية، وتحمل هذه الرؤية دعوة إلى عدم فصل الخلافات داخل العالم الإسلامي عن السياق الإقليمي الأوسع، والتحذير من أن يؤدي الانقسام إلى إضعاف قدرة شعوب المنطقة على مواجهة التحديات المشتركة.
المصالحة ممكنة.. لكن ليس على حساب الحق
على الرغم من حدة البيان، تؤكد رابطة علماء اليمن انفتاح الشعب اليمني وقيادته على الدعوات الإسلامية الهادفة إلى حل الخلافات وإصلاح ذات البين بما يرضي الله، بعيدًا عن إملاءات أمريكية وإسرائيلية، وتكشف هذه الخاتمة أن الرابطة لا تطرح الخلاف باعتباره طريقًا مغلقًا، بل تؤكد إمكانية الحوار والمصالحة، شريطة أن يستندا إلى الإنصاف واحترام الحقوق ومعالجة أسباب النزاع، لا إلى توظيف الدين أو فرض الإرادات الخارجية، وفي المحصلة، يضع بيان علماء اليمن المؤسسات الدينية أمام مسؤولية تاريخية، إما أن تكون صوتًا للعدل وحقن الدماء، وإما أن تتحول مواقفها، بقصد أو بغير قصد، إلى أدوات في صراعات السياسة، فالمقدسات ليست غطاءً للعدوان، والدين ليس وسيلة لتبرير الحروب، ووحدة الأمة لا تُبنى باتهام الشعوب، بل بالإنصاف وكشف الحقائق والانتصار لحقوق المظلومين.