حين تتحول الحجارة إلى طريق.. والقطرة إلى سد.. القرى اليمنية تكتب حكاية تنميتها بأيديها

 لا تقاس قيمة المبادرات المجتمعية بحجم المعدات وحدها، بل بما تتركه من أثر في حياة الناس والمجتمع، ففي القرى والمديريات التي طال انتظارها للخدمات، لم تعد التنمية فكرة مؤجلة أو مشروعًا بعيدًا عن متناول الأهالي، بل تحولت إلى عمل يومي تقوده المبادرات المجتمعية وتدعمه الجمعيات التعاونية والسلطات المحلية، فمن طريق يربط عشرات القرى، وسد يحفظ مياه السيول، وأرض مهملة تعود إلى الإنتاج، إلى آلة زراعية صُنعت بأيادٍ محلية، تتشكل في المحافظات اليمنية تجربة تنموية تؤكد أن المجتمع حين ينظم جهوده يستطيع أن يصنع حلولًا عملية لاحتياجاته الأكثر إلحاحًا.

يمانيون| محسن علي
تكشف المبادرات عن حراك تنموي متنوع تقوده المجتمعات المحلية في عدد من المحافظات، ويجمع بين تحسين البنية التحتية، وتنظيم النشاط الزراعي، ودعم الابتكار، وتعزيز الأمن المائي والغذائي، ولا تقتصر أهمية هذه المشاريع على تنفيذ الأعمال ذاتها، بل تمتد إلى بناء شراكة عملية بين الأهالي والجمعيات التعاونية والسلطات المحلية والجهات الداعمة، بما يجعل المجتمع شريكًا مباشرًا في تحديد الأولويات وصناعة الحلول.
 
الطرق.. شرايين للخدمات والإنتاج
في مديرية قارة بمحافظة حجة، تتواصل مبادرة طريق مخشب التي ينفذها أبناء المنطقة بجهود مجتمعية ومساندة من وحدة التدخلات المركزية الطارئة،وقد أنجز الأهالي تجهيز نحو 24 ألف حجر، وبدأوا التنسيق لتوفير الإسمنت لاستكمال طريق يبلغ طوله نحو 1.5 كيلومتر، ويربط بين مديريتي قارة ووشحة ويخدم أكثر من ألفي نسمة.
أما في مديرية المحابشة، يجري رصف وتحسين طلعة مذروح بطول 550 مترًا، بما يسهل حركة المواطنين والمركبات، ويربط مناطق الشرفين وكشر ومربع عاهم بمركز محافظة حجة، كما بدأت في مديرية أسلم أعمال إصلاح وصيانة طريق الثلوث بطول 18 كيلومترًا، ليستفيد منه نحو 40 ألف نسمة، عبر تسوية الطريق وتوسعته وردم الحفر.
وتتواصل في وصاب العالي بمحافظة ذمار أعمال شق وتوسعة طريق رجوف–الشراقي–القدمة بطول خمسة كيلومترات، وبتكلفة تتجاوز 25 مليون ريال، لخدمة أكثر من 20 ألف نسمة وربط عشرات القرى في ثلاثة مخاليف،وتساهم الأسر المحلية في توفير الديزل وتنفيذ الأعمال الإنشائية، فيما تقدم وحدة التدخلات المعدات اللازمة.
وفي المحويت، انطلقت مبادرة لتأهيل وتوسعة طريق وادي موبل الزراعي بطول كيلومتر وعرض أربعة أمتار، بما يسهل وصول المزارعين إلى أراضيهم ونقل المحاصيل إلى الأسواق، كما نفذت جمعية أفلح اليمن مبادرة لشق طريق قرية الوجرة بطول أكثر من 30 مترًا، يستفيد منه نحو 1500 نسمة في عشر قرى.

المياه.. حماية الموارد ودعم الزراعة
تتجه مبادرات أخرى إلى مواجهة تحديات المياه والاستفادة من مياه الأمطار والسيول. ففي القطاع الشرقي بمحافظة صنعاء، جرى تقييم مبادرة إنشاء سد السهوة، التي بدأها أبناء المنطقة بجهود ذاتية، مع بحث احتياجاتها الفنية والإنشائية وسبل استكمالها لتخزين المياه وتعزيز الاستفادة منها.
وفي مديرية الخلق بمحافظة الجوف، تتواصل أعمال مبادرة سد وادي حمد الزراعي، الذي يهدف إلى حجز مياه السيول، وتغذية الحوض الجوفي، وحماية الأراضي من الانجراف، وري مساحات واسعة، وينفذ المشروع بمشاركة الأهالي ودعم وحدة التدخلات ومكتب الزراعة والمؤسسة العامة لتنمية وإنتاج الحبوب، بما يجعله نموذجًا للتكامل بين الجهد المجتمعي والدعم المؤسسي.
كما دُرست إمكانية إنشاء حاجز مائي في وادي القور بمديرية عبس، فيما بحثت جمعية يريم مشاريع إنشاء حواجز وكرفانات لحصاد مياه الأمطار، بالتوازي مع رصف الطرق وتوسعتها.
 
الزراعة.. تنظيم الإنتاج وتعزيز الأمن الغذائي
تتقدم الزراعة بوصفها محورًا رئيسيًا في هذه المبادرات، ففي مديرية الشاهل بمحافظة حجة، دُشنت الزراعة البينية لمحصول البن، وتشكلت ثلاث مجموعات إنتاجية تضم 60 مزارعًا وثلاثة ميسرين، بهدف تنظيم العمل وتحسين الدخل وتبادل الخبرات.
وفي بيت الفقيه بالحديدة، جرى توقيع سبعة عقود زراعية جديدة لتوسيع زراعة الذرة الشامية والسمسم والألبان، مع توفير البذور والتسهيلات والقروض البيضاء والإرشاد الزراعي، وفي ذمار، ناقشت الجمعيات شراء محصول البن مباشرة من المزارعين، وتطبيق الحصاد الانتقائي وطرق التجفيف الحديثة، بما يضمن جودة أعلى وسعرًا أكثر عدالة.
أما في مديرية خدير بتعز، فقد بدأ مشروع الزراعة التعاقدية وحراثة الأراضي استعدادًا للموسم الجديد، مع تجهيز بذور نقية وتفعيل المجموعات الإنتاجية وجمع البيانات لتقييم الممارسات الزراعية من إعداد الأرض حتى التسويق والتصنيع.

استصلاح الأراضي والابتكار المحلي
تشمل المبادرات كذلك إعادة الأراضي المهملة إلى دائرة الإنتاج، ففي مديرية جبل الشرق بذمار، يجري استصلاح هكتار من أراضي الأوقاف عبر إزالة الأشجار الشوكية، وتسوية الأرض، وبناء المدرجات والجدران، وإصلاح مصارف السيول تمهيدًا لزراعتها بالبن والحبوب.
وفي يريم بمحافظة إب، دُشنت آلة محلية لدراس الفاصوليا ابتكرها أحد أبناء المنطقة، بما يسهم في تقليل الوقت والجهد والتكلفة وتحسين عمليات ما بعد الحصاد، ويمثل هذا الإنجاز نموذجًا للاستفادة من الابتكار المحلي في خدمة المزارعين وتطوير الأدوات الزراعية.

ختاما
تؤكد هذه المبادرات أن التنمية المحلية قادرة على التحول إلى قوة إنتاجية حين تتكامل إرادة الأهالي مع عمل الجمعيات التعاونية والدعم الرسمي، فالطريق الذي يُشق يفتح أبواب الأسواق، والسد الذي يُنجز يحمي الأرض والماء، والمجموعة الإنتاجية تمنح المزارع قدرة أكبر على التسويق، والابتكار المحلي يختصر الجهد ويخفض التكاليف.
ومن خلال هذه المشاريع، لا يكتفي المجتمع بتحسين واقعه الخدمي، بل يضع أسس اقتصاد أكثر اعتمادًا على الإنتاج المحلي، ويمنح المبادرة المجتمعية معنى يتجاوز الاستجابة المؤقتة إلى بناء تنمية مستدامة تُقاس آثارها بما تتركه من طرق مفتوحة، وأراضٍ منتجة، ومياه محفوظة، وأسرٍ أكثر قدرة على الصمود والنمو.

You might also like