رسالة اليمن الى العالم

سياسة الإِمَــام عَلِيّ عليه السلام

يمانيون – كتابات – أم مصطفى مُحَمَّــد

تُشكل سيرة الإِمَــام عَلِيّ عليه السلام في الحكم على قصر عمرها الزمني أروع أنموذجٍ تطبيقي لشرعة المساواة في الإسْـــلَام بعد الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، فقد تولى الإِمَــام عَلِيّ عليه السلام الخلافة والحكم بمبايعة جماهيرية شاملة بعد فترة من الفتن والاضطرابات أدت إلى مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان، ولقد ظهرت في المجتمع الإسْـــلَامي حالات وأوضاع جديدة نتيجة اتّساع رقعة الفتح الإسْـــلَامي ودخول مجتمعات أُخْــرَى إلى إطَار الحكم الإسْـــلَامي، ولعل تعاظم ثروات بيت المال والسياسات التي أُتبعت في توزيع الموارد المالية أَدَّى إلى بروز طموحات سياسيّة ومصلحية جامحة فكان على الإِمَــام عَلِيّه السلام أن يوجه هذه الطموحات بشيء من الحزم والقُــــوَّة ولذلك نجده عليه السلام يعلن منذ اليوم الأول لخلافته التزامه بنهج المساواة بين أبناء الأُمَّــة ومواطني الدولة الإسْـــلَامية وذلك من خلال سياساته العملية ومواقفه وتصريحاته العديدة ككتابه لمالك الأشتر حينما ولاه مصر ذات التنوع الديني حيث نجده عليه السلام يقول فيه «وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين أَو نظير لك في الخلق».

لقد أعلن الإِمَــام عَلِيّ عليه السلام بين المسلمين معالم سياسته الداخلية والخارجية حيث أكّد بصورة حازمة على ضرورة الاهْتِمَام البالغ بأمر الخراج وسائر ما تملكه الدولة من وارداتها المالية، واعتبرها أنها ملك للشعب وليس له أن يصطفي فيها لنفسه وذويه دينار ولا درهم، وإنّما يجب أن تنفق على تطوير حياة المواطنين وإنقاذهم من غائلة الفقر والحرمان، كما حرص الإِمَــام عَلِيّه السلام على تهيئة الفرص المتكافئة للعمل لئلا تشيع البطالة والجريمة في البلاد وهذا الأمر جعله عليه السلام يُجهد نفسه من أجل أن يسوس الناس بسياسة مشرقة قوامها العدل الخالص والحقّ المحض كي ينشر الرفاه والأمن ويوزّع الخيرات على العباد بالسواء حيث لا يختصّ بها قوم دون آخرين، ولذلك نجده عليه‌ السلام قد تبنى في جميع مراحل حكمه المساواة والعدالة بين الناس حيث ساوى في العطاء بين المسلمين وغيرهم، فلم يقدّم عربيا على غيره ولا مسلما على مسيحي ولا قريبا على غيره، الأمر الذي نجم عنه تنكّر الأوساط الرأسمالية لسياسته عليه السلام ومن ثم إعلانهم الحرب عليه فها هو عليه السلام يقول في إحدى الخطب الأولى التي استهل بها حكمه “ألا وأيما رجل من المهاجرين والأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يرى أن الفضل له على سواه لصحبته، فإن الفضل النير غداً عند الله، وثوابه وأجره على الله، وأيما رجل استجاب لله وللرسول فصدَّق ملتنا ودخل في ديننا، واستقبل قبلتنا فقد استوجب حقوق الإسْـــلَام وحدوده، فأنتم عباد الله، والمال مال الله، يقسم بينكم بالسوية، لا فضل فيه لأحد على أحد، وللمتقين عند الله غداً أحسن الجزاء وأفضل الثواب، لم يجعل الله الدنيا للمتقين أجراً ولا ثواباً، وما عند الله خيرٌ للأبرار، وَإِذَا كان غدا إنْشَاء الله فاغدوا علينا فإن عندنا مالاً نقسمه فيكم ولا يتخلفنّ‏ أحدٌ منكم عربيّ‏ ولا عجميّ‏ كان من أهل العطاء أَو لم يكن إلا حضر إِذَا كان مسلماً حراً”.

لقد ألزم الإِمَــام عَلِيّ عليه السلام عمّاله وولاته على الأقطار بتطبيق المساواة الكاملة بين الناس في القضاء وغيره فها هو عليه السلام يقول في إحدى رسائله إلى بعض عمّاله «فاخفض لهم جناحك وألن لهم جانبك وابسط لهم وجهك واس بينهم في اللّحظة والنّظرة حتّى لا يطمع العظماء في حيفك لهم ولا ييأس الضّعفاء من عدلك) فكان من مظاهر المساواة العادلة التي أعلنها الإِمَــام عَلِيّه ‌السلام المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات، فلم يفرض حقّا على الضعيف ويعفو عن القوي، فالقوي عنده ضعيف حتى يأخذ الحَــقّ منه والضعيف عنده قوياً حتى يأخذ الحَــقّ له كما نجد من برامج سياسة الإمام أمير المؤمنين عليه‌ السلام مواساته للفقراء والضعفاء في جشوبة العيش ومكاره الدهر حيث أعلن عن مواساته للشعوب الإسْـــلَامية بقوله «أأقنع من نفسي بأن يقال: هذا أمير المؤمنين ولا أشاركهم في مكاره الدّهر أَو أكون أسوة لهم في جشوبة العيش! ولعلّ بالحجاز أَو اليمامة من لا طمع له في القرص.. وحسبك داءً أن تبيت ببطنة وحولك أكباد تحنّ إلى القدّ » نعم لقد كانت تلك مواساته للمحرومين والفقراء فليس في تأريخ الإسْـــلَام وغيره حاكم واسى رعيّته في آلامهم وبؤسهم وفقرهم غيره عليه السلام فكان بالإضافة إلى ذلك ينهى رعيّته عن التفاخُرِ بالآباء والأجداد أَو المباهات بالبنين والأموال وغيرها من الأمور التي يؤول أمره إلى التراب، فالتفاخر والتفاضل إنّما هو بعمل الخير وما يسديه الإنْسَــان لوطنه وأمّته من ألطاف ينتعش بها الجميع وتتطوّر بها حياتهم الفكرية والاجتماعية أمّا غير ذلك فهو من الفضول الذي ليس وراءه إلّا السراب.

قد يعجبك ايضا