Herelllllan
herelllllan2

جمعة رجب في ذاكرة يمن الإيمان وأصل العرب

عدنان الجنيد

إن ذكرى مناسبة جمعة رجب تُعد عيداً عظيماً لدى اليمنيين، ‏ناهيك عن أنها ذكرى خاصة بهم دون غيرهم من الشعوب الإسلامية..

وقد تفرّد اليمنيون بهذه المناسبة العظيمة؛ لأن الله تعالى قد منَّ عليهم في الجمعة الأولى من شهر رجب بنعمة عظيمة وهي نعمة الإسلام، فبعدما أرسل رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – رسله إلى اليمن، دخل اليمنيون في دين الإسلام .

‏وهذا لا يعني أن اليمنيين لم يكونوا قد أسلموا إلا بعد وصول رسله – صلى الله عليه وآله وسلم – بل هناك من اليمنيين من كانوا قد أسلموا، سواء أفراداً أو جماعات – كما ستعرفه لاحقاّ –
ولكن أردنا بقولنا (أن اليمنيين دخلوا في دين الإسلام في أول جمعة من رجب من – السنة التاسعة – للهجرة) هو أن الإسلام إنما عمّ جميع ربوع اليمن وانتشر فيها الانتشار التام في السنة التاسعة للهجرة، فلم تأت السنة العاشرة إلا واليمنيون جميعهم قد دخلوا في الإسلام حباً فيه وشغفاّ بالنبي عليه وآله الصلاة والسلام ..

اليمنيون وسابقيتهم إلى الإسلام :

إن اليمنيين هم السباقون إلى الإسلام، فهم من أوائل المسلمين الذين تحملوا ألوان العذاب والتنكيل، و ضحوا بنفوسهم حباً في الإسلام‏ ورسول الإسلام سيدنا محمد ‏عليه وآله الصلاة والسلام. فهذه أسرة (آل ياسر) التي آمنت برسول الله ودخلت في دين الله، وهم (عمار بن ياسر)، وكذلك (أبوه) من أوائل شهداء الإسلام، وكذلك أمه (سمية بنت خياط) وهي أول شهيدة في الإسلام..
وخبر آل ياسر وما جرى لهم من كفار قريش مثبوت في كتب السير والتاريخ لا يجهله أحد من أهل العلم..

بل وهناك من اليمنيين من أتى‏ إلى رسول الله – ‏صلى الله عليه وآله وسلم – كي ينصره، لاسيما بعد أن اشتدت قريش في مؤاذاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم..

فقد روي أن رجلاً مرّ بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو من “أرحب” من “همدان”، اسمه “عبد الله بن قيس بن أم غزال”، فعرض عليه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الإسلام، فأسلم، فقال له الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: “هل عند قومك من منعة؟”, فقال له عبدالله بن قيس: نعم يا رسول الله, واستأذن رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – أن يذهب إلى قومه وواعد رسول الله – صلى الله وسلم عليه وعلى آله – موسم الحج المقبل, ثم خرج من مكة يريد قومه, فلما عاد إلى قومه قتله رجل من “بني زُبَيْد”(1)

وورد أن “قيس بن مالك بن أسد بن لأي الأرحبي” قدِم على رسول الله وهو بمكة، وقال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: أتيتك لأؤمنَ بك وأنصرك, فعرض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليه الإسلام فأسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ” تأخذوني بما فيَّ يا همدان”, فقال قيس بن مالك: نعم بأبي أنت وأمي, فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

“اذهب إلى قومك فإن فعلوا وقبلوا فارجع أذهب معك”, ثم خرج إلى قومه فأسلموا بإسلامه، ثم عاد إلى الرسول فأخبره بإسلامهم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “نعم وافد القوم قيس, وفيتَ وفى الله بك”, ومسح على ناصيته وكتب له عهداً على قومه “همدان ”أحمورها وعربها وخلائطها ومواليها أن يسمعوا له ويطيعوا”(2)

قلت : وهنا يدرك المنصف أنه وقبل بيعة الأنصار في العقبة (وهم يمنيون أيضا)، كان اليمنيون قد بايعوا، وقبل أن تكون المدينة المنورة داراً للهجرة النبوية ومقراً للدولة الأولى في الإسلام، كانت اليمن قد رحَّبت واستبشَرَت واستعدَّت وتهيَّأَت لتكون هي من يضطلع بأعباء ذلك، لولا أن لله خيرةً ومراداً غير ذلك.

ولما كان حال اليمن واليمنيين مع الإسلام بهذه الصورة المشرِّفة، فلا غرابة أن ترى أهل اليمن من أكثر المسلمين اتباعاً لهذا الدين، ومن أعظم الشعوب محبةً لسيد المرسلين صلوات الله عليه وعلى آله.

ولذلك تجدهم لا يتركون فرصةً فيها للدين نصرة ولله ولرسوله- صلى الله عليه وآله وسلم – رضاً إلا اغتنموها.

بل وتجدهم يبتهجون ويفرحون – وحق لهم ذلك – بكل يوم أو عيد أو مناسبة تذكِّرُهم بالله وتشدُّهم إلى هذا الدين وتزيدهم صلةً برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

ولا يدَعُون يوماً أو عيداً أو مناسبة ذا صبغة إسلامية إلا استبشروا به وهبُّوا لإحيائه وسعوا لإقامته.

رُسل النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – إلى اليمن :

لقد أرسل النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – رسله إلى اليمن ، وكان من هؤلاء الرسل علي بن أبي طالب ،وأبو موسى الأشعري ، ومعاذ بن جبل .

أولاً : الإمام علي بن أبي طالب (ع) :

فقد بعثه النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – إلى اليمن في السنة التاسعة للهجرة(3) – ولم تكن سنة عشر كما ذهب إليه البعض وإنما سنة عشر بعثه فيها إلى بني مذحج.

ومعلوم أن الإمام علي كان رجل المهمات في عهد النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – وإرسال النبي له إلى اليمن يحمل دلالات على أهمية أهل اليمن وبأنهم يهيئون لمرحلة هامة قادمة.
وهو ماتجلى في مواقفهم اللاحقة التي كان فيها نصرة للإسلام وأهله وهو مانراه إلى اليوم..

فعن البراء بن عازب – رضي الله عنه – أن النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – بعث خالد بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الإسلام. قال البراء : فكنت فيمن خرج مع خالد بن الوليد ، فأقمنا ستة أشهر يدعوهم إلى الإسلام.

فلم يجيبوه ، فبعث علياً – عليه السلام – …وكنت فيمن عقِّب مع علي فلما دنونا من القوم خرجوا إلينا ، فصلى بنا علي ثم صفنا صفاً واحداً وتقدم بين أيدينا وقرأ عليهم كتاب رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – فأسلمت همدان جميعاً فكتب إلى رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – بإسلامهم ، فلما قرأ – صلى الله عليه وآله وسلم – الكتاب خرّ ساجداً ثم رفع رأسه فقال : السلام على همدان السلام على همدان “(4)

وفي رواية أخرى – في موقف آخر – قال النبي – صلى الله عليه وآله وسلم -: “ نعم الحي همدان ما أسرعها إلى النصر وأصبرها على الجهد منهم أبدال وأوتاد الإسلام..”(5)

قلت : في أول جمعة من رجب أجتمع للإمام علي – عليه السلام – مشائخ همدان – آنذاك – وبعد أن أعلنوا إسلامهم على يديه بأجمعهم صلى بهم العصر في المكان المعروف حاليا بجامع علي في سوق الحلقة بصنعاء القديمة..

هذا وبعد أن أسلمت همدان أسلمت بقية القبائل اليمنية
إن هذا الحديث – الآنف الذكر – له دلالات عظيمة وإشارات فخيمة تشير إلى عظمة اليمنيين وما خصهم الرسول – صلى الله عليه وآله وسلم – بنصرهم للإسلام وصبرهم على مصائب ودواهي الأيام والأعوام، وذلك في سبيل الحق تعالى .

والنبي -صلى الله عليه وآله وسلم – ما وصف همدان بهذا الوصف إلا لأنه نظر بنظره الغيبي والمستقبلي إلى ما سيكون منهم ومن أحفادهم وذريتهم من نصرتهم للإسلام، وصبرهم على ضيم الأيام ..

فقد كان لهم موقف بارز في عهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام – حيث نصروه في جميع حروبه، لاسيما في يوم صفين، ولهذا قال لهم الإمام علي في يوم صفين : “ يا معشر همدان أنتم درعي ورمحي “(6) .

وقال فيهم – أيضا – : “ولو كنت بواباً على باب جنةٍ ، لقلت لهمدان ادخلوا بسلام..”(7) .

وها هو ذا موقفهم البارز يتجلى بشكل أوسع في عصرنا الحاضر، حيث أصبحت همدان ومعها كل القبائل اليمنية تنصر الإسلام، وتقدم الآلاف من الشهداء في سبيل الله ونصرة نبيه ودينه ، فأهل اليمن يمثلون الإيمان كله ، ويواجهون الكفر كله ..
وقول الرسول – صلى الله عليه وآله وسلم – عن همدان يُعَدُّ دليلاً واضحاً على ما هو واقع ويجري في عصرنا الحاضر ..
(وما أصبرها على الجهد.) إذ لا يوجد شعبُ من شعوب الأرض قد صبر هذا الصبر رغم الحصار الجوي والبحري والبري الذي لا يزال مستمراً منذو ست سنوات إلى وقتنا الحالي..

ثانياً : أبو موسى الأشعري :

ومن رسله – صلى الله عليه وآله وسلم – إلى اليمن أبي موسى الأشعري فقد أرسله النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – إلى مخلاف تهامة وذلك في السنة التاسعة للهجرة – قبل حجة الوداع
روى البخاري(8) بسنده عن أبي بردة – رضي الله عنه – قال :
بعث النبي أبا موسى ومعاذ بن جبل إلى اليمن وبعث كل واحد منهما على مخلاف … ثم قال يسّرا ولا تعسّرا ، وبشّرا ولاتنفّرا ) وفي رواية وتطاوعا ولا تختلفا ) وانطلق كل واحد إلى عمله..

هذا وكان أبو موسى قد توجه إلى زبيد واستقر بين قومه وفيها أقام المسجد الذي عرف باسم جامع الأشاعر نسبة إلى قومه وأصبح لهذا المسجد دور كبير في نشر نور الإسلام وعلومه إلى يومنا هذا فأهل تهامة هم من قال فيهم الله جل في علاه :(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)[المائدة : 54]، روى الحاكم(9) بسنده : أن النبي صلى الله عليه وسلم أشار إلى أبي موسى الأشعري لما نزلت هذه الآية فقال : ( هم قوم هذا ).

وقال فيهم رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – أثناء مجيئ وفدهم إليه :” جَاءَ أَهْلُ الْيَمَنِ هُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً وَأَلينُ قُلُوبًا، الإِيمَانُ يَمَانٌ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَّةٌ، وَالسَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ، وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلاءُ فِي الْفَدَّادِينَ أَهْلِ الْوَبَرِ ِ “(10) وقال فيهم – أيضاً – صلى الله عليه وآله وسلم – :” الأشعريون في الناس كصُرّة فيها مسك “(11)

ثالثاً : معاذ بن جبل :

وأما معاذ بن جبل فقد توجه إلى مخلاف الجند حيثما أشار عليه رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم –
وفي الصحيح (12) أن النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – أوصى معاذا قائلاً له:” إنك ستأتي قوماً أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لاإله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنها ليس بينها وبين الله حجاب…”إه.

ثم أوصاه قائلاً له : إذا قدمت عليهم فزين الإسلام بعدلك وحلمك، وصفحك وعفوك، وحسن خلقك فإن الناس ناظرون إليك وقائلون:

خيرة رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- فلا يرى لك سقطة يستريب بها أحد في حلمك وعدلك وعلمك فإن الرسل من المرسلين . . . يا معاذ أوصيك بتقوى الله عز وجل وصدق الحديث، ووفاء العهد، وأداء الأمانة، وترك الخيانة، ورحمة اليتيم، وحفظ الجار وكظم الغيظ، ولين الكلام وبذل السلام ولزوم الإمام والتفقه بالقرآن وحب الآخرة والجزع من الحساب وقصر الأمل وحسن العمل وأنهاك أن تشتم مسلماً أو تصدق كاذباً أو تكذب صادقاً أو تعصي إماماً عادلاً وأن تفسد في الأرض…..”(13) إلى غيرها من الوصايا القيمة التي تمثل حقيقة الإسلام وروحه السامية، وعلى المجتمعات- لاسيما المجتمع اليمني- أن يجعل هذه الوصايا نصب عينيه ويسير على ضوئها ويطبق محتواها ويعيد في هذه المناسبة ذكرها..

هذا وكان قدوم معاذ إلى الجند في جمادي الآخرة، واجتمع له الناس في أول جمعة من رجب وخطبهم وبين لهم رسالة الإسلام التي جاء بها سيدنا محمد – صلى الله عليه وآله وسلم –
وفي ذلك المكان الذي وقف فيه خطيباً بالناس تم – بعد ذلك – تشييده مسجداً واتخذ منه مقراً لإدارة شؤون البلاد والفصل في الخصومات بين الناس.

ومنذ ذلك اليوم وكثير من اليمنيين في مثل هذا اليوم في كل عام يذهبون إلى مسجد الجند – وسيأتي الكلام عن ذلك – ويحتفلون بهذا اليوم الذي تدفق فيه النور إليهم بواسطة صحابة رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-
فدخل الناس في الإسلام أفواجا ببركة دعوة (علي بن أبي طالب ومعاذ بن جبل وأبو موسى الأشعري)..

You might also like
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com