الحرب الناعمة التي أرهقتنا؟!
يمانيون| بقلم: سعد علي الحفاشي
الحروب لا تُخاض بالبنادق وحدها، فهناك حرب أشد فتكاً وأعمق أثراً، تدور رحاها في العقول والقلوب قبل أن تصل إلى الميدان. إنها حرب العقول والفكر وقتل الإرادة، أو ما نختصر اسمه اليوم بـ “الحرب الناعمة” تلك الحرب التي أرهقتنا، واستنزفتنا، وكادت أن تهزمنا من الداخل بعد أن عجز العدو عن هزيمتنا من الخارج بقوة السلاح والمواجهة.
إننا اليوم نقف أمام عدو لا يُرى، وسلاح لا يُسمع له دوي، وطعنات تأتينا من حيث لا نحتسب، إنه العدو الذي دخل بيوتنا عبر شاشات هواتفنا، مقتحماً حياتنا ومعيشتنا بأشكال وأنماط متعددة وصور مختلفة، ليسيطر بمنصاته العديدة على كل تفاصيل حياتنا، لدرجة أنه أصبح هو المفكر لنا، والمتحدث عنا، والمعبر عن إرادتنا، والباحث في مجلدات علومنا وثقافتنا وتاريخنا، والملقن لأطفالنا وأبنائنا، وونيس لهوهم، ومضمار اللعب الذي يستهلك كل وقتهم وطاقاتهم، مرسخاً في عقولهم وأذهانهم ما يريد فرضه عليهم من معتقدات ومفاهيم وثقافات عدائية مدمرة!
إنها استراتيجية متكاملة لاحتلال الوعي قبل احتلال الأرض، هدفها ليس قتل الجسد، وإنما قتل الروح المعنوية، وتفكيك المناعة النفسية، وجعل الضحية تهزم نفسها بنفسها فاليوم بعد شبكة الإنترنت والمنصات والمواقع والتطبيقات المختلفة وحلزونيات الذكاء الاصطناعي، لم يعد أحد بحاجة إلى التفكير والدراسة والبحث العلمي، فـ “جوجل” والذكاء الاصطناعي كفيلان بكتابة ما تريد من نص أو بحث علمي، أو حتى ابتكار قصة أو شرح ارتجالي أو مقال سردي ليستقبله المتلقي متحمساً مستبشراً أنه قد نال القصد والغرض دونما جهد أو تعب أو كلفة، فيكتفي بنسخه ولصقه كما هو غير مبالٍ بأثره وفحواه ومضمونه الذي قد يكون خاطئاً ومدمراً ومغالطاً.
لقد أرهقتنا الحرب الناعمة لأنها حرب بلا جبهات جبهتها هي عقلك، وميدانها هو هاتفك، وجنودها قد نكون أنا وأنت دون أن ندري إنها حرب بلا دماء ظاهرة ضحاياها لا يُشيعون في مواكب وإنما يسقطون بصمت حين يفقدون الأمل ويدب اليأس في قلوبهم.
إنها حرب طويلة الأمد فآثار القصف تزول بإعادة البناء، لكن آثار التشكيك والتفريق تصنع أجيالاً عاجزين، جامدي الفكر والحركة والفهم والإرادة والإدراك والوعي والمعرفة والقدوة، دون هوية وطنية أو فطرة سليمة.. ما سيحولنا إلى مجتمع فاشل مضعضع، خامل يستهلك كل شيء من عدوه، بما في ذلك فكره وعلومه ومعتقداته وثقافته ومفهومه لتاريخه وماضيه.
يستيقظ الطفل مبكراً من نومه ليتناول جهاز الآيباد أو الهاتف المرتبط بشبكة الإنترنت، وعشرات التطبيقات المحملة بمئات الألعاب الإلكترونية التي تسيطر على كل وعيه ومداركه، وتجعله مشدوهاً فيها، لا يترك الجهاز من يده حتى أثناء تناوله للطعام وذهابه للحمام.
ثم يبدأ يومه بتقليدها، ويتخيل نفسه بطل اللعبة، والفارس الذي يقتل بالسيف أو بالسلاح أو بالضرب والركل المباشر لكل من يواجهه ويعترضه، لقد تحول إلى طفل عدائي تسيطر على تفكيره تلك الكائنات التي في تلك الألعاب الإلكترونية. فلا يستوعب درساً في الفصل، ولا يهتم بواجب أو مسؤولية، ولا يبالي بواجبات دينية من صلوات وتلاوة للقرآن وغيره في المساء يواصل الطفل انهماكه على شاشة الهاتف للعب أو مشاهدة مسلسلات هابطة منجذبا بكل حواسه بينما الاسرة كلها أب وام واخوة واخوات كلهم بذات الانهماك على شاشاتهم والتي لا تفارقهم حتى يغلبهم النوم تناسوا كل واجبات التربية وفروض العبادة والصلاة وتلاوة القرآن ومناقشة أمور حياتهم العامة والخاصة وهذا مثل بسيط من واقعنا الذي نعيشه فعلا فأي تربية واي تنشئه نتوقعها لأطفالنا وابنائنا والذين أصبح العدو يربيهم ويرعاهم ويسيرهم بطريقته وبكيفيته
يا سادة.. العدو لم يعد على الحدود، لقد تجاوز الخنادق والمتارس، وأصبح يجلس معنا على مائدة الطعام، وينام في غرفة أطفالنا لقد أرهقتنا الحرب الناعمة لأننا ظنناها “ترفيه” وهي “احتلال”، وظنناها “تطور”، وهي “تدمير ممنهج” فإن لم ننتبه اليوم، فسنستيقظ غداً على جيل لا يعرف عدوه من صديقه، ولا يعرف تاريخه من تزويره، ولا يعرف ربه من شاشته والهزيمة هنا لا تحتاج لبيان نعي، يكفي أن تنظر في عيون أطفالك لتدرك أنك خسرت الحرب وأنت تضحك.