المنهجية القرآنية في معركة الوعي والكلمة

تشكل “معركة الوعي والكلمة” إحدى أهم الجبهات التي يركز عليها السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي حفظه الله باعتبارها جبهة لا تقل خطورة عن المواجهة العسكرية، بل تمثل الحاضنة الفكرية والنفسية والثقافية لكل أشكال الصراع مع قوى الهيمنة والاستكبار، وفي هذا السياق، يقدم السيد القائد منهجية قرآنية متكاملة تضبط الأداء الإعلامي والتواصلي، وتؤسس لوعي مسؤول في الكلمة والموقف والتلقي والتأثير، هذه المنهجية لا تنطلق من اعتبارات مهنية بحتة، وإنما من رؤية إيمانية قرآنية تعتبر الكلمة مسؤولية، والإعلام أداة بناء أو هدم، وأن الانتصار في معركة الوعي يبدأ من ضبط الخطاب وفق الهدي الإلهي.

يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي

 

الكلمة مسؤولية.. والتحذير من خدمة العدو إعلامياً

من أبرز المرتكزات التي يؤكد عليها السيد القائد أن “المعيار والضابط الأكبر” في الأداء الإعلامي هو الحذر من قول أو نشر أو تداول ما يستفيد منه العدو، مستشهداً بقوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا﴾، وتكشف هذه الآية عن مبدأ بالغ الأهمية في إدارة الخطاب الإعلامي، وهو أن بعض الكلمات وإن بدت عادية في ظاهرها قد تتحول إلى أدوات اختراق أو إساءة أو خدمة مجانية للعدو، فالقرآن هنا لم ينهَ عن معنى صحيح، بل عن تعبير استغله الأعداء للتحريف والسخرية والطعن، ومن هذا المنطلق، يؤسس السيد القائد لوعي إعلامي يقوم على الانتباه لدلالات المصطلحات والمفاهيم، وتجنب الخطاب الذي يحقق أهداف الحرب النفسية للعدو، ورفض الترويج للشائعات أو الخطابات المحبطة، وعدم الانجرار خلف اللغة التي يصوغها الخصوم لتوجيه الرأي العام، وهذا يعكس فهماً عميقاً لطبيعة “الحرب الناعمة” التي تعتمد بدرجة أساسية على صناعة المفاهيم وإدارة الإدراك الجمعي.

 

الكلمة الطيبة انعكاس لطهارة النفس واستقامة المنهج

يركز السيد القائد على ضرورة الالتزام بالقول الحسن والكلمة الطيبة، مستشهداً بقوله تعالى:
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾، في الرؤية القرآنية، الكلمة ليست مجرد أداة تواصل، بل تعبير عن أخلاق الإنسان وطهارة روحه، ولذلك فإن الخطاب الإعلامي في المنهج القرآني يجب أن يقوم على الصدق والأدب والاتزان، وتجنب الانحدار الأخلاقي، واعتماد الخطاب البنّاء الذي يرفع وعي المجتمع، وكذا تقديم الحجة بالحكمة والمنطق، ويؤكد السيد القائد أن انحراف الخطاب الإعلامي نحو الإسفاف أو الفوضى الأخلاقية يكشف خللاً في التربية الإيمانية، لأن الإنسان المستقيم يحمل في منطقه وأسلوبه انعكاساً لقيمه ومبادئه، كما أن الكلمة الطيبة في معركة الوعي تؤدي دوراً تعبوياً وتربوياً مهماً، إذ تزرع الثقة والثبات والأمل، وتحافظ على التماسك المجتمعي في مواجهة حملات التضليل والإحباط.

 

الثبات الإعلامي مسؤولية جهادية في مواجهة الحرب النفسية

يصف السيد القائد المواجهة الإعلامية مع الأعداء بأنها مسؤولية جهادية، لأن الخصوم يسعون عبر الإعلام إلى هزيمة الأمة نفسياً ومعنوياً قبل أي مواجهة عسكرية، مستشهداً بقوله تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾.
وتشير هذه التوجيهات إلى أن الإعلامي أو الناشط أو صاحب الموقف الحق ينبغي أن يمتلك
الصبر والثبات أمام حملات التشويه، المناعة النفسية تجاه الضغوط والابتزاز الإعلامي، والجرأة في قول الحق وعدم التراجع أمام حملات التخويف، الوعي بأن الأذى الإعلامي جزء طبيعي من معركة الحق والباطل،
وفي هذا الإطار، تصبح معركة الإعلام امتداداً لمعركة الصمود، حيث يسعى العدو إلى تحطيم الروح المعنوية، وبث اليأس، وزعزعة الثقة بالقيادة والمشروع والموقف، ومن هنا، فإن الثبات الإعلامي لا يعني فقط الاستمرار في النشر، بل المحافظة على الموقف الواعي والمتزن رغم الضجيج والاستهداف.

 

“فتبينوا” و”قولوا قولاً سديداً”.. منهج قرآني متكامل للإعلام

يقدم السيد القائد رؤية متكاملة تضبط عمليتي “الاستقبال” و”الإرسال” في العمل الإعلامي.
فقوله تعالى: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾، يضبط آلية استقبال الأخبار والمعلومات، بحيث لا يتحول الإنسان إلى أداة لنقل الأكاذيب أو الشائعات دون تحقق وتمحيص، أما قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾
فيضبط عملية الإرسال والطرح والخطاب، بحيث يكون القول دقيقاً وصادقاً ومسؤولاً، وهنا تتجلى عظمة المنهج القرآني في بناء إعلام واعٍ يقوم على التحقق من المصادر، وعدم التسرع في التفاعل مع الأخبار، وتحري الدقة قبل النشر، واعتماد المصداقية والوضوح، وتجنب التهويل أو التضليل، وفي عصر الفضاء الرقمي، حيث تنتشر الأخبار بسرعة هائلة، تمثل هذه التوجيهات قاعدة أساسية لمواجهة الفوضى الإعلامية وحروب الشائعات.

 

خطورة التفاعل العشوائي مع الأخبار والتسريبات

ينبه السيد القائد إلى أن بعض الأخبار أو التسريبات قد تكون جزءاً من خطط العدو وحروبه النفسية، مستشهداً بقوله تعالى:
﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾، وتحمل هذه الآية دلالات عميقة تتعلق بخطورة التسرع في تداول المعلومات، خصوصاً في القضايا الحساسة المرتبطة بالأمن أو المعركة أو الشأن العام، فالعدو قد يستخدم التسريبات الموجهة، والأخبار المفبركة، الحملات المنظمة على وسائل التواصل، والتضخيم الإعلامي للأحداث، بهدف إرباك المجتمع وإثارة الخوف والبلبلة والانقسام، ومن هنا، يدعو السيد القائد إلى التعامل الواعي والمسؤول مع المعلومات، وعدم تحويل وسائل التواصل إلى منصات تخدم أهداف الخصوم دون وعي، كما أن هذه الرؤية تؤكد أن الوعي الإعلامي ليس مجرد مهارة تقنية، بل حالة من البصيرة والتمييز والمسؤولية الأخلاقية.

 

المقاطعة الإعلامية لقنوات التضليل والاستهداف الثقافي

ضمن المنهجية القرآنية في معركة الوعي، يؤكد السيد القائد على أهمية المقاطعة الإعلامية للقنوات والمنصات التي تتماهى مع السردية الصهيونية أو تعمل على إفساد أخلاق الناس وثقافتهم وعقائدهم، وهذه المقاطعة لا تُطرح باعتبارها موقفاً سياسياً فحسب، بل باعتبارها،
حماية للهوية الثقافية والإيمانية، وتحصيناً للمجتمع من الاختراق الفكري، ومواجهة للحرب الناعمة، ورفضاً للتطبيع مع الخطاب المعادي للأمة، فالمنظومة الإعلامية المعادية لا تستهدف فقط نقل الأخبار، بل تعمل على إعادة تشكيل الوعي والقيم والسلوك بما يخدم مشاريع الهيمنة والسيطرة، ومن هنا، تصبح المقاطعة الإعلامية شكلاً من أشكال المقاومة الثقافية والوعي الحضاري.

ختاما ..

تكشف توجيهات السيد القائد حول “معركة الوعي والكلمة” عن مشروع قرآني متكامل لبناء إعلام مسؤول وواعٍ ومحصّن، ينطلق من الإيمان بأن الكلمة سلاح خطير، وأن الوعي يمثل خط الدفاع الأول في مواجهة الأعداء، فالمنهجية القرآنية التي يقدمها تقوم على ضبط الخطاب بما لا يخدم العدو، الالتزام بالكلمة الطيبة والقول الحسن، والثبات في مواجهة الحرب النفسية، والتحقق من المعلومات قبل تداولها، والوعي بخطورة الشائعات والتسريبات، ومقاطعة المنابر الإعلامية المضللة،
وفي ظل تصاعد الحروب الإعلامية والثقافية، تبدو هذه الرؤية محاولة لبناء وعي جمعي مقاوم، قادر على حماية المجتمع فكرياً ونفسياً وثقافياً، وتحويل الإعلام من أداة اختراق إلى جبهة مواجهة وصمود.

You might also like