الولاية في مواجهة الطاغوت الأمريكي
تكتسب كلمة قائد الثورة السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي “يحفظه الله” بمناسبة ذكرى يوم الولاية “عيد الغدير”18 ذي الحجة 1445هـ أهمية استثنائية في سياق المرحلة الراهنة التي تمر بها الأمة الإسلامية، باعتبارها كلمة تؤسس لرؤية فكرية وسياسية وإيمانية متكاملة حول مفهوم “الولاية” بوصفه مبدأً قرآنيًا جامعًا يحكم علاقة الأمة بالله تعالى، ويحدد طبيعة موقفها من قوى الهيمنة والاستكبار العالمي، وقد جاءت الكلمة في توقيت بالغ الحساسية تشهده المنطقة الإسلامية في ظل تصاعد المشروع الأمريكي الصهيوني، واتساع دائرة التطبيع، ومحاولات فرض الهيمنة السياسية والثقافية والعسكرية على شعوب الأمة، الأمر الذي منح مضامينها بعدًا استراتيجيًا يتجاوز حدود المناسبة الدينية إلى فضاء المواجهة الحضارية والفكرية والسياسية مع قوى الطاغوت والاستكبار.
يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي
يوم الولاية .. امتداد إيماني متجذر في الهوية اليمنية
أكد السيد القائد في كلمته أن إحياء شعبنا اليمني لذكرى يوم الولاية عبر قرون طويلة يمثل شاهدًا حيًا على عمق الانتماء الإيماني لهذا الشعب، المرتبط تاريخيًا بالإسلام المحمدي الأصيل، مشيرًا إلى أن اليمن ظل محافظًا على هذه المناسبة الدينية العظيمة باعتبارها جزءًا من هويته الإيمانية والثقافية، ويحمل هذا الطرح دلالة مهمة تتمثل في أن إحياء يوم الولاية ليس طقسًا موسميًا أو احتفالًا عابرًا، بل يمثل امتدادًا تاريخيًا لعلاقة اليمنيين بالإسلام القائم على الولاء لله ورسوله وأوليائه، وهو ما يعكس خصوصية الهوية اليمنية المرتبطة بالإيمان والحكمة كما وصفها الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، كما أن استحضار البعد التاريخي لإحياء المناسبة يهدف إلى مواجهة محاولات التشويه والتضليل التي تسعى إلى تصوير مفهوم الولاية باعتباره طارئًا على الأمة، بينما تؤكد الوقائع التاريخية حضوره العميق والمتجذر في الوعي الإسلامي.
الولاية .. شهادة بالبلاغ النبوي الكامل
ومن أبرز المضامين التي ركزت عليها الكلمة أن إحياء ذكرى يوم الولاية يمثل شهادة عملية للنبي محمد صلى الله عليه وعلى آله بالبلاغ الكامل للرسالة، في إشارة إلى حادثة غدير خم التي أعلن فيها الرسول الأعظم ولاية الإمام علي عليه السلام، ويعكس هذا الطرح البعد العقائدي للمناسبة باعتبارها امتدادًا للرسالة الإسلامية وليس حدثًا منفصلًا عنها، حيث يقدم السيد القائد مفهوم الولاية بوصفه جزءًا أصيلًا من البناء الإيماني للأمة، لا يمكن فصله عن جوهر الإسلام وقيمه الكبرى، وتكشف هذه الرؤية عن سعي واضح لإعادة تقديم مفهوم الولاية للأمة باعتباره مشروع هداية وقيادة يحفظ مسارها من الانحراف، وليس مجرد عنوان مذهبي ضيق كما تحاول بعض الجهات تصويره.
الولاية والكفر بالطاغوت.. معادلة قرآنية حاسمة
وضعت كلمة السيد القائد معادلة واضحة تقوم على أن الإيمان الحقيقي بولاية الله لا ينفصل عن الكفر بالطاغوت، معتبرًا أن هذه القضية من أهم المبادئ الإيمانية التي تحتاج الأمة إلى استيعابها في هذا العصر، ويبرز في هذا السياق البعد القرآني للكلمة، حيث جرى تقديم الولاية باعتبارها حالة انتماء واتباع عملي لله تعالى، يقابلها رفض الخضوع لقوى الهيمنة والطغيان،
كما تؤكد الكلمة أن الفراغ الناتج عن التخلي عن ولاية الله لا يبقى فراغًا، بل تملؤه تلقائيًا ولاية الطاغوت، وهو ما يفسر حالة التبعية السياسية والثقافية والعسكرية التي تعيشها بعض الأنظمة والحكومات العربية والإسلامية تجاه الولايات المتحدة الأمريكية، وهنا تتجلى إحدى أبرز الرسائل الفكرية للكلمة، والمتمثلة في أن الصراع مع أمريكا ليس صراعًا سياسيًا عابرًا، بل هو صراع بين مشروعين متناقضين، مشروع الولاية الإلهية، ومشروع الطاغوت المستكبر.
أمريكا كطاغوت العصر
خصص السيد القائد مساحة واسعة من كلمته للحديث عن الدور الأمريكي في المنطقة، واصفًا أمريكا بأنها “الطاغوت المستكبر في هذا العصر”، في توصيف يحمل أبعادًا سياسية وعقدية عميقة، فالكلمة تتناول الولايات المتحدة بوصفها رأس مشروع الهيمنة العالمية الذي يسعى إلى إخضاع الأمة الإسلامية وفرض الوصاية عليها في مختلف المجالات السياسية والثقافية والاقتصادية والعسكرية، وأشار السيد القائد إلى أن أمريكا تتدخل في شؤون الأمة الإسلامية كافة، وتسعى لفرض ولايتها على المسلمين بالتعاون مع إسرائيل واللوبي اليهودي، معتبرًا أن خطورة هذا المشروع لا تقتصر على الجانب السياسي، بل تمتد إلى تهديد الهوية الإسلامية والقيم الدينية والثقافية للأمة، كما يكشف السيد القائد عن رؤية تعتبر أن الكثير من التحولات السياسية في المنطقة، بما فيها موجة التطبيع والتحالف مع العدو الإسرائيلي، تأتي نتيجة خضوع بعض الأنظمة العربية والإسلامية لولاية أمريكا وانصياعها لتوجيهاتها.
التبعية السياسية وغياب الاستقلال
ومن الدلالات المهمة في الكلمة تركيزها على حالة الارتهان التي تعيشها بعض الأنظمة تجاه الولايات المتحدة، حيث أوضح السيد القائد أن هناك حكومات وزعماء وملوكًا وأمراء لديهم “تقبل تام” لولاية أمريكا ولسعيها لفرض هيمنتها على الأمة، ويعكس هذا الطرح نقدًا حادًا لواقع القرار السياسي العربي والإسلامي، الذي بات خاضعًا للإملاءات الأمريكية، إلى درجة أن واشنطن أصبحت تحدد لمن يدور في فلكها من هو العدو ومن هو الصديق، وتبرز هنا الإشارة الواضحة إلى التحالف مع إسرائيل، حيث أكد السيد القائد أن أمريكا تأمر حلفاءها بالتطبيع والتحالف مع الكيان الصهيوني فيستجيبون لذلك دون اعتراض، في صورة تعكس حجم الانحدار الذي وصلت إليه بعض الأنظمة في مستوى التبعية السياسية وفقدان الإرادة المستقلة.
الولاية كمشروع تحرري للأمة
وفي مقابل مشروع الطاغوت الأمريكي، قدمت الكلمة مفهوم الولاية باعتباره مشروعًا للتحرر والخلاص والكرامة، حيث دعا السيد القائد إلى التمسك بولاية الله باعتبارها الضمانة الحقيقية لحماية الأمة من الهيمنة الخارجية، وأكد أن الأمة اليوم أحوج ما تكون إلى استيعاب هذا المبدأ الذي يحفظها ويصونها من السقوط تحت سيطرة الطاغوت، مشددًا على ضرورة ترجمة الانتماء للولاية إلى سلوك عملي وموقف واضح في مواجهة قوى الاستكبار، وتكشف هذه الرؤية عن البعد التعبوي للكلمة، التي لم تكتفِ بالتشخيص الفكري والسياسي، بل انتقلت إلى مستوى الدعوة لتحمل المسؤولية والتحرك العملي في مواجهة مشاريع الهيمنة.
الولاية .. مسؤولية عملية وليست شعارًا
ومن أهم الرسائل التي حملتها الكلمة التأكيد على أن الانتماء لمدرسة الولاية لا ينبغي أن يبقى في إطار العاطفة أو الشعارات، بل يجب أن ينعكس في واقع الأمة ومواقفها العملية، وأشار السيد القائد إلى أن من واجب كل من ينتمي إلى مدرسة الولاية أن يسعى للاقتداء والاتباع والتولي العملي، وهو ما يعني أن الولاية مسؤولية أخلاقية وجهادية وموقف حضاري متكامل، كما شدد على ضرورة ترسيخ قيم الولاية عمليًا بصورة صادقة تكون ثمرتها النصر والتأييد الإلهي، في ربط واضح بين الالتزام الحقيقي بمبدأ الولاية وبين تحقيق القوة والعزة والاستقلال للأمة.
ختاما ..
تعكس كلمة قائد الثورة السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي “يحفظه الله” في ذكرى يوم الولاية رؤية فكرية وسياسية متكاملة تربط بين البعد الإيماني والواقع السياسي للأمة الإسلامية، وتقدم مفهوم الولاية باعتباره مشروعًا للتحرر من الهيمنة الأمريكية والصهيونية، وحصنًا يحفظ الأمة من السقوط في دائرة التبعية والطاغوت، وقد جاءت الكلمة لتؤكد أن معركة الأمة اليوم ليست مجرد معركة مصالح أو حدود، بل هي معركة هوية وولاء وانتماء، بين ولاية الله التي تقود إلى النور والعزة والاستقلال، وولاية الطاغوت التي تجر الأمة إلى التبعية والضياع، وفي ظل المتغيرات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، تبدو مضامين هذه الكلمة دعوة صريحة لإعادة بناء الوعي الإسلامي على أساس قرآني يعيد للأمة استقلالها وكرامتها ودورها الحضاري، ويحصنها من مشاريع الهيمنة والاستلاب التي تستهدف حاضرها ومستقبلها.