ترامب وأزمة العدوان على إيران.. كيف سقط البيت الأبيض في فخ تجنبه الرؤساء لثلاثة عقود؟

يمانيون|
يدخل البيت الأبيض اليوم، تحت قيادة دونالد ترامب، نفقاً مظلماً من التخبط السياسي والميداني لم تشهده الإدارات الأمريكية منذ عقود.

فبينما يواصل الرئيس ترامب ضجيجه المعتاد عبر منصات التواصل الاجتماعي وتصريحاته المقتضبة للصحافة، يبرز سؤال جوهري في أروقة مراكز القرار العالمي: أين هي “سردية النصر”؟

لقد اعتاد ترامب سرد القصص عن العظمة والاقتراب من الحسم، لكن الواقع الميداني في مارس 2026 يشير إلى عكس ذلك تماماً.

الوعي الأمريكي الداخلي بات يدرك أن الإدارة الحالية انزلقت إلى “عملية إلزامية” وحرب استنزاف مفتوحة، تجنبها ببراعة وحذر رؤساء سابقون؛ من جورج بوش الابن الذي غرق في وحل العراق، إلى أوباما الذي فضل الدبلوماسية، وصولاً إلى جو بايدن الذي حافظ على قواعد اشتباك منضبطة.

اليوم، يجد ترامب نفسه وحيداً في مواجهة أفق مغلق، بعد أن قامر بحسابات الحرب التي لطالما حذر منها الخبراء.

 “فخ نتنياهو” والرئيس الذي وجد ضالته

يرى مراقبون، ومنهم أعضاء سابقون في الكونجرس، أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قضى أكثر من عشرين عاماً يحاول جر الولايات المتحدة إلى مواجهة مباشرة وشاملة مع إيران، دون جدوى.

إلا أن نتنياهو وجد أخيراً “ضالته” في ترامب؛ الرئيس الذي وصفه البعض بالاندفاع المفتقر للرؤية الاستراتيجية.

يزعم ترامب باستمرار أن النهاية باتت وشيكة، لكنه سرعان ما يتراجع ليقول إن “الحرب مستمرة”، في تناقض صارخ يكشف ابتعاد واشنطن وتل أبيب مسافات طويلة عن الأهداف التي رُفعت في بداية العدوان.

فلم يعد هناك حديث جدي عن “إسقاط النظام” في طهران، وهو الهدف الذي يبدو اليوم أكثر بعداً من أي وقت مضى، سواء قبل الحرب أو في ظلها، مما يضع الكيان الإسرائيلي في حالة قلق وجودي من أن يكون المصير القادم هو “انسحاب أمريكي مفاجئ” يترك الكيان وحيداً على حافة الهاوية.

رسائل واشنطن السرية وصمود طهران

وخلف الستار وبعيداً عن الخطابات التصعيدية، كشفت الخارجية الإيرانية عن تسريبات متعددة تشير إلى محاولات حثيثة تجريها إدارة ترامب لطلب التفاوض عبر وسطاء ووسائط متعددة.

واشنطن، التي تدرك حجم المأزق، باتت تطرق أبواب طهران بحثاً عن “خروج آمن” يحفظ ما تبقى من وجه الإدارة.

بالمقابل، تقابل طهران هذه المحاولات بامتناع واضح عن التجاوب، متمسكة بموقف القوة.

هذا الصمود الإيراني يثير رعباً في تل أبيب، حيث يخشى قادة الاحتلال من أن مغامرة ترامب قد تنتهي بـ “مغادرة مفاجئة” للميدان، تماماً كما حدث في ساحات أخرى، مما يعني ترك الكيان “مدججاً بالخوف” ومدمراً من الداخل تحت وطأة الحرب الطويلة.

هرمز تحت القبضة الإيرانية وهزيمة الأسطول الأمريكي

وتتجلى العقدة الأكبر في سيطرة إيران الكاملة على مشهد الحرب البحري. مضيق هرمز اليوم يقع تحت تصرف القيادة الإيرانية بشكل مطلق، حيث فشلت الوعود الأمريكية بمرافقة السفن وتأمين العبور.

والنتيجة كانت “هزيمة بحرية كاملة” للقوات الأمريكية، حيث لا عبور من المضيق دون “ضوء أخضر” من طهران.

هذا الحصار البحري أدى إلى ارتفاع جنوني في أسعار الوقود عالمياً، مما أجبر الإدارة الأمريكية على العودة لسحب الاحتياطات النفطية الاستراتيجية في محاولة يائسة لضبط الأسواق الداخلية.

لقد أثبتت إيران أنها تمسك بزمام الاقتصاد العالمي من خلال تحكمها في الشريان الملاحي الأهم، مما أفقد ترامب أهم أوراقه التي كان يفاخر بها: “الاستقرار الاقتصادي”.

 انهيار أسطورة الدفاع الجوي ومعادلة الصواريخ

وميدانياً، لم تفلح آلاف الغارات في وقف “الموجات الصاروخية” الإيرانية.

فالعقدة الميدانية تتمثل في أن الصواريخ لا تتوقف؛ موجات مسائية وصباحية، وأخرى مشتركة مع حزب الله، حطمت أكذوبة “القضاء على القدرات الصاروخية” ومنصات الإطلاق.

اليوم، لا أحد يصدق بيانات البيت الأبيض أو المتحدثين العسكريين الإسرائيليين؛ المصدر الوحيد للمعلومات الموثوقة بات “صفارات الإنذار” وأصوات الانفجارات التي تهز العمق.

يعاني التحالف الأمريكي-الإسرائيلي من “انهيار وشيك” في أنظمة الدفاع الجوي بعد شكاوى مريرة من شحة التذخير ونفاد الصواريخ الاعتراضية، مما جعل سماء المنطقة مفتوحة تماماً أمام الإرادة الإيرانية.

الخاتمة ..”نحن من نقرر النهاية”

في ختام هذا المشهد المعقد، تتبدى الحقيقة التي يكررها الحرس الثوري في الجمهورية الإسلامية بوضوح وثقة: “نحن من نقرر نهاية الحرب”.

لقد دخل ترامب هذه المواجهة ظانّاً أنها جولة سريعة من “فن الصفقة” تحت النار، ليكتشف أنه غارق في استراتيجية “النفس الطويل” الإيرانية.

بين تخبط الإدارة في واشنطن، وانهيار الجبهة الداخلية في كيان العدو، تظل القوة الصاروخية والسيطرة البحرية الإيرانية هي الميزان الذي يحدد اتجاهات الأحداث.

إن الخروج من هذه العقدة المزدوجة لن يكون سهلاً، وكل المؤشرات تدل على أن الولايات المتحدة قد وقعت بالفعل في الفخ التاريخي الذي حذر منه الحكماء، ليبقى السؤال الوحيد: متى وكيف سيعلن ترامب استسلامه أمام واقع مرير لم يحسب له حساباً؟

You might also like