عاصفة في البيت الأبيض.. كيف تفتتت وحدة القرار الأمريكي بعد 5 أسابيع من العدوان على إيران؟
يمانيون |
لم تكن الأسابيع الخمسة التي تلت بدء العدوان الصهي-أمريكي على الجمهورية الإسلامية في إيران مجرد اختبار للقوة العسكرية الميدانية، بل كانت مختبراً حقيقياً لمدى تماسك بنية القرار في واشنطن أمام صلابة “صخرة المقاومة”.وبينما كان المخطط الغربي يراهن على “صدمة وترويع” تنهار معها إرادة طهران، تفاجأ العالم بأن الصدمة ارتدت عكسياً لتضرب قلب الإدارة الأمريكية.
إن ما نشهده اليوم من إقالات عاصفة واستقالات مدوية في صفوف القيادات العسكرية والسياسية العليا في واشنطن، ليس مجرد إجراءات إدارية روتينية، بل هو “زلزال بنيوي” يعكس حجم المأزق الذي تورط فيه البيت الأبيض بدفع صهيوني مباشر.
لقد بدأ العدوان بوعود النصر السريع، لكنه اصطدم بواقع إيراني مقتدر، ليتحول المشهد من “هجوم منسق” إلى “تخبط داخلي” يهدد بتفكيك وحدة الدولة الأمريكية من الداخل.
قطع الرؤوس العسكرية.. المؤسسة التي أكلت أبناءها
شكلت إقالة رئيس أركان الجيش الأمريكي، الجنرال “راندي جورج”، بقرار مفاجئ من وزير الحرب “بيت هيكزاث”، الذروة الدراماتيكية لهذا التفسخ.
إن إطاحة رأس الهرم العسكري المسؤول عن القوات البرية في توقيت الحرب تعني أمراً واحداً في لغة الاستراتيجية: الفشل في الميدان والذعر في القيادة.
هذه الخطوة، التي تلتها موجات إقالة طالت الجنرال “ديفيد هودني” واللواء “وليام جرين”، تكشف عن صراع محتدم بين تيار “العسكريين الواقعيين” الذين يدركون كلفة الانزلاق إلى حرب برية مع إيران، وبين “تيار التهور” الذي يقوده هيكزاث بتوجيه مباشر من ترامب.
إن محاولة “تطهير” البنتاغون من الأصوات التي تحذر من خطورة الانجرار خلف الرغبات الصهيونية تعكس حالة من الانفصال عن الواقع؛ فإيران اليوم ليست مجرد ساحة جغرافية، بل هي منظومة دفاعية وهجومية متكاملة قادرة على تحويل التعزيزات البرية الأمريكية إلى صيد سهل في صحاري وجبال المنطقة.
إقالة هؤلاء القادة هي محاولة لفرض “قيادة منسجمة” بالكامل مع أوهام ترامب، لكنها في الحقيقة تترك الجيش الأمريكي بلا “عقل مفكر” في أكثر اللحظات حرجاً.
تمرد الاستخبارات.. سقوط “ذرائع العدوان”
ولطالما اعتمدت الإمبراطورية الأمريكية على الأكاذيب والتقارير الاستخباراتية الملفقة لتبرير حروبها، لكن هذه المرة يبدو أن “الشرخ” أصاب ماكينة التبرير نفسها.
الاستقالة المدوية لمدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب “جو كينت”، وإفادة مديرة الاستخبارات الوطنية “تولسي جابرد” الصادمة أمام الكونغرس، مثلتا طعنة في قلب السردية الرسمية للعدوان.
حين يخرج كينت ليؤكد بوضوح أن إيران لم تكن تمثل “تهديداً وشيكاً”، وحين تقوض جابرد مبررات الإدارة علانية، فإن ذلك يعني أن العدوان يفتقر إلى الحد الأدنى من الغطاء القانوني والأخلاقي حتى داخل مؤسسات الدولة العميقة.
هذا التمرد الاستخباراتي يعيد للأذهان أكاذيب غزو العراق عام 2003، لكن الفارق هنا أن المقاومة اليوم تمتلك من القوة ما يجعل الكذب مكلفاً جداً.
ترامب، الذي يسعى الآن لاستبدال جابرد، يثبت أنه لا يبحث عن “معلومات” بل عن “أدوات” تشرعن اندفاعه الانتحاري لخدمة الأجندة الصهيونية، وهو ما خلق حالة من الشلل المعلوماتي داخل أجهزة الاستخبارات التي باتت تخشى من “تسييس الحرب” على حساب الأمن القومي الأمريكي الحقيقي.
التصفية السياسية.. إدارة “الرجل الواحد” وسط النيران
ولم يقتصر التفكك على الشق العسكري، بل امتد ليعصف بالجهاز السياسي والإداري.
إن إقالة وزيرة العدل “بام بوندي” ووزيرة الأمن الداخلي “كريستي نوام”، والاتجاه للإطاحة بمدير الـ FBI “كاش باتل” ووزيرة العمل، يرسم صورة لإدارة تعيش حالة “بارانويا” سياسية.
هذه الإقالات الجماعية تعكس حقيقة أن ترامب بات يشعر بالخوف من “انقلاب داخلي” أو “عصيان مدني” داخل إدارته نتيجة الاعتراضات المتزايدة على “التبعية المطلقة” للكيان الصهيوني.
إن تحذيرات المسؤولين من خطورة “الاندفاع خلف الدفع الصهيوني” لم تكن مجرد آراء عابرة، بل كانت صرخات تحذير من أن الولايات المتحدة تقامر بمستقبلها وبوجود آلاف من جنودها المنتشرين في المنطقة بلا أفق زمني أو استراتيجي.
تحول البيت الأبيض إلى ساحة لتصفية الحسابات بدلاً من إدارة العمليات العسكرية، هو أكبر نصر معنوي لإيران، حيث يثبت أن الجبهة الداخلية للعدو أوهن من بيت العنكبوت أمام ثبات جبهة الحق.
الفشل في قراءة “إيران” والارتهان للكيان
ويكمن السبب الجوهري لهذا التصدع في “سوء التقدير” الاستراتيجي.
لقد بنى ترامب وفريقه حساباتهم على أن الضغوط القصوى والضربات الجوية ستجبر طهران على التراجع، لكن بعد خمسة أسابيع، وجدوا أنفسهم أمام عدو لم يكتفِ بالصمود، بل بدأ بامتلاك زمام المبادرة الميدانية والسياسية.
الارتهان الأمريكي الكامل للرؤية الصهيونية (التي تعاني هي الأخرى من انقسامات وجودية) جعل واشنطن تفقد قدرتها على المناورة.
المداولات حول “التعزيزات البرية” التي كانت سبباً في طرد الجنرال راندي جورج، تعكس ذعر واشنطن من فشل القوة الجوية في حسم المعركة.
إن الدفع بالقوات البرية في ظل هذه التصدعات القيادية هو وصفة لـ “فيتنام جديدة” ولكن بنسخة أشد فتكاً، حيث تمتلك إيران وحلفاؤها في المنطقة من القدرات الصاروخية والمسيرة والخبرات القتالية ما يجعل من أي تحرك بري انتحاراً عسكرياً محققاً.
الخاتمة: بداية النهاية لغطرسة القوة
في المحصلة، إن ما يحدث في واشنطن اليوم هو “الارتداد الطبيعي” لفعل العدوان الظالم.
لقد أثبتت الأسابيع الخمسة الماضية أن القوة المادية العمياء لا يمكنها كسر إرادة الشعوب الحرة، وأن الثبات الإيراني قد نجح في نقل الأزمة من طهران إلى عقر دار البيت الأبيض.
هذه التصدعات ليست مجرد خلافات عابرة، بل هي مؤشر على أن الإمبراطورية الأمريكية بدأت تفقد توازنها تحت وطأة الفشل في كسر إرادة المقاومة.
إن إقالة القادة العشرين والمسؤولين السياسيين لن ترمم الشرخ، بل ستزيد من عمقه، لأن المشكلة ليست في “الأشخاص” بل في “الخيار”؛ خيار العدوان الذي لم يعد يضغط على أمريكا عسكرياً فحسب، بل بدأ يلتهم بنيتها السياسية والاجتماعية من الداخل.
إن فجر الانتصار لم يعد مجرد أمل للمقاومين، بل بات حقيقة يكتبها تخبط العدو وانكسار إرادته قبل انكسار سلاحه.
واشنطن اليوم لا تحارب إيران فحسب، بل تحارب نفسها، وفي هذه الحرب.. الخاسر هو من اختار أن يكون ظلاً للصهيونية في معركة خاسرة سلفاً.