قلبٌ يمني حجّ بلا جسدٍ.. قصة الشوق للشاعر البرعي في قصيدة “يا راحلين إلى منى'”
«حجوا وقد غفر الإله ذنوبهم… وأنا المتيم قد نحرت فؤادي».. بهذه المفارقة ولوحات الحنين العاطفي والرجاء لله رب العالمين ولرسوله محمد صلوات الله عليه وآله، هزّ الشيخ المرحوم عبدالرحيم البرعي المشاعر الإنسانية الإيمانية عبر قصيدته الخالدة «يا راحلين إلى منى»، ففي الوقت الذي يصف فيه تفاصيل الحج الظاهرة من طواف وحلق وتضحية، يفضح لوعة الفقد والحب التي جعلت منه «أسير الشوق»، سائلاً ربه أن يحل قياده بحق أولئك الراحلين الذين تركوه وحيداً في وادي الأشواق.
وتعد هذه القصيدة واحدة من أروع لوحات الحنين العاطفي في التراث الإسلامي، فبينما يسير الحجاج جسدياً إلى مشاعر مكة المكرمة، يسرد الشاعر رحلته الروحية المنفردة، حاجاً بقلبه لا بقدميه، ومتمايزاً عنهم بنحر فؤاده لا بشاة أضحيته، في صراع وجودي بين البُعد الجسدي وشغف القُرب الإلهي .
كما أن هذه الأبيات تحولت عبر العقود إلى نشيد روحي يعبّر عن كل محروم من أداء فريضة الحج، ترسم لوحة حية لمتيم يكتفي برؤية «أطلال مكة» في خياله، ويناجي قبر رسول الله من بعيد، في حوار عاطفي يمزج بين البكاء على فراق الأحبة.
وفيما يلي يعيد “يمانيون” نشر نص القصيدة وكالتالي:
يا راحلين إلـى منـى بقيـادي
هيجتموا يوم الرحيـل فـؤادي
سرتم وسار دليلكم يا وحشتـي
الشوق أقلقني وصوت الحـادي
حرمتمُ جفني المنام لبعدكم
يا ساكنين المنحنى والوادي
فإذا وصلتُم سالمينَ فبلّغوا
منّي السلام أهيلَ ذاك الوادي
وتذكّروا عند الطواف متيماً
صبّاً فني بالشوق والإبعادِ
لي من ربا أطلال مكّة مرغبٌ
فعسى الإلهُ يجودُ لي بمرادي
ويلوح لي ما بين زمزم والصفـا
عند المقام سمعت صوت منادي
ويقول لي يا نائماً جدَّ السُرى
عرفاتُ تجلو كلّ قلبٍ صادي
من نال من عرفات نظرة ساعة
نال السرور ونال كل مـرادي
تالله ما أحلى المبيت على منـى
في ليل عيد أبـرك الأعيـادي
الناسُ قد حجّوا وقد بلغوا المنى
وأنا حججتُ فما بلغتُ مرادي
حجوا وقد غفر الإلهُ ذنوبَهُم
باتوا بِمُزدَلَفَه بغيرِ تمادِ
ذبحوا ضحاياهُم وسال دماؤُها
وأنا المتَيَّمُ قد نحرتُ فؤادي
حلقوا رؤوسَهم وقصّوا ظُفرَهُم
قَبِلَ المُهَيمنُ توبةَ الأسيادِ
لبسوا ثياب البيض منشور الرّضا
وأنا المتيم قد لبست سوادي
يا ربِّ أنت وصلتَهُم وقطَعتني
فبحقِّهِم يا ربّ حل قيادي
باللَه يا زوّارَ قبرِ محمّدٍ
من كان منكُم رائحٌ أو غادِ
لِتُبلغوا المُختارَ ألفَ تحيّةٍ
من عاشقٍ متقطِّع الأكبادِ
قولوا له عبدُ الرحيم متيِّمٌ
ومفارقُ الأحبابِ والأولادِ
صلّى عليكَ اللَهُ يا علمَ الهدى
ما سارَ ركبٌ أو ترنَّمَ حادِ