الوحدة اليمنية.. مصير شعب وهوية أمة وصخرة تتحطم عليها مشاريع التمزيق
تُمثّل الوحدة اليمنية في الوعي الجمعي للشعب اليمني أكثر من مجرد حدث سياسي أو اتفاق تاريخي؛ فهي تعبيرٌ عميق عن حقيقةٍ راسخةٍ في وجدان اليمنيين، قوامها وحدة الأرض والإنسان والتاريخ والدين والهوية الحضارية والإيمانية، ومنذ أن توحّد شطرا الوطن في الـ22 من مايو 1990م، بقيت الوحدة بالنسبة لغالبية اليمنيين عنوانًا للكرامة الوطنية، ورمزًا للسيادة والاستقلال، وسقفًا جامعًا لكل أبناء اليمن شمالًا وجنوبًا، شرقًا وغربًا، ورغم ما تعرضت له البلاد خلال العقود الماضية من أزمات وصراعات ومؤامرات ومشاريع تفتيت، ظلّت الوحدة اليمنية حاضرةً كقضية مصيرية لا يمكن تجاوزها أو التفريط بها، لأنها ليست نتاج مرحلة عابرة، بل امتداد طبيعي لوحدة تاريخية وحضارية ضاربة في عمق الزمن.
يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي
الوحدة اليمنية .. جذور أعمق من السياسة
لم تكن اليمن في يوم من الأيام كيانًا مفككًا على المستوى التاريخي والحضاري والثقافي والاجتماعي، بل ظلّ اليمنيون ينتمون إلى فضاء وطني واحد، توحّدهم اللغة والدين والعادات والتقاليد والتاريخ المشترك، حتى في الفترات التي شهدت انقسامات سياسية أو إدارية فرضتها ظروف خارجية استعمارية، لقد حاول الاستعمار البريطاني في جنوب اليمن، كما حاولت قوى النفوذ الإقليمية والدولية لاحقًا، ترسيخ واقع التشطير وإنتاج هويات متنازعة داخل المجتمع اليمني، غير أن تلك المحاولات اصطدمت دائمًا بحقيقة أن الشعب اليمني يرى نفسه شعبًا واحدًا، تجمعه هوية إيمانية وثقافية لا يمكن اقتلاعها، ومن هنا، جاءت الوحدة اليمنية كتعبير عن الإرادة الشعبية الطبيعية، لا كصفقة سياسية مؤقتة، وهو ما يفسر استمرار حضورها في وجدان اليمنيين رغم كل ما واجهته من تحديات.
مشروع العدوان .. من الحرب إلى التمزيق
منذ بداية العدوان على اليمن، برزت بوضوح محاولات إعادة إنتاج مشاريع التشطير والتقسيم عبر دعم تشكيلات متنازعة، وإحياء النزعات المناطقية، وإغراق المحافظات اليمنية بالصراعات ، في إطار مشروع يستهدف تفكيك اليمن وتحويله إلى كانتونات ضعيفة متناحرة يسهل التحكم بها واستنزاف ثرواتها ومقدراتها،
فالعدوان لم يكن يستهدف فقط البنية العسكرية أو السياسية للدولة اليمنية، بل كان يستهدف في جوهره ضرب الهوية الوطنية الجامعة، وتفريغ اليمن من عمقه الحضاري والاستراتيجي، وتحويله إلى ساحة نفوذ مفتوحة تخدم المشروع الصهيوأمريكي في المنطقة، وتكشف الوقائع أن القوى المعادية تدرك جيدًا أن اليمن الموحد يمثل قوة جغرافية وبشرية وحضارية واستراتيجية كبيرة، وأن وحدة اليمنيين تشكل عامل صمود حقيقيًا في مواجهة الهيمنة الخارجية، ولذلك سعت إلى تغذية الانقسامات وإحياء مشاريع التشطير تحت عناوين متعددة سياسية أو مناطقية أو اقتصادية.
الوحدة .. خط أحمر في الوعي الشعبي
ورغم قسوة الحرب والحصار وتعقيدات المشهد السياسي، أثبت اليمنيون أن الوحدة لا تزال تمثل خطًا أحمر لا يمكن تجاوزه، وأن غالبية أبناء الشعب تنظر إلى أي مشروع تقسيمي باعتباره تهديدًا مباشرًا لمستقبل اليمن وهويته وسيادته،
فالوحدة بالنسبة لليمني ليست مجرد حدود جغرافية، بل شعور بالانتماء المشترك، وإيمان بأن مصير اليمنيين واحد، وأن أي تمزيق للوطن لن يخدم إلا القوى الخارجية الطامعة بثرواته وموقعه الاستراتيجي، وقد أظهرت سنوات العدوان أن الشعب اليمني، يدرك حجم المخاطر التي تستهدف بلده، وأن محاولات بث الكراهية والانقسام لم تستطع اقتلاع الروابط الوطنية العميقة بين أبناء الوطن الواحد، مهما اشتدت الحملات الإعلامية والسياسية الهادفة إلى تمزيق النسيج الاجتماعي.
اليمن الموحد .. أهمية استراتيجية وحضارية
يمتلك اليمن موقعًا جغرافيًا بالغ الأهمية، يتحكم بأحد أهم الممرات البحرية العالمية، فضلًا عن ثرواته الطبيعية وعمقه الحضاري والتاريخي، وهو ما جعله هدفًا دائمًا للأطماع الخارجية،
ومن هنا، فإن مشاريع التمزيق لا تنفصل عن الرغبة في السيطرة على القرار اليمني واستباحة الثروات والموانئ والجزر والممرات البحرية، وإضعاف أي إمكانية لقيام دولة يمنية قوية ومستقلة، كما أن تفكيك اليمن يخدم بشكل مباشر الاستراتيجية الصهيوأمريكية القائمة على تفتيت الدول العربية والإسلامية وتحويلها إلى كيانات ضعيفة ومتنازعة، بما يضمن أمن الكيان الصهيوني واستمرار الهيمنة الغربية على المنطقة، ولهذا، فإن الحفاظ على الوحدة اليمنية يُنظر إليه باعتباره جزءًا من معركة الدفاع عن السيادة والاستقلال والهوية الحضارية للأمة.
الوحدة وصخرة الصمود الوطني
لقد أثبتت التجارب أن الشعوب التي تتنازل عن وحدتها تفقد تدريجيًا قدرتها على حماية سيادتها وقرارها الوطني، فيما تمثل الوحدة مصدر القوة الحقيقية لأي أمة تواجه مشاريع الهيمنة والاستعمار، وفي الحالة اليمنية، تبدو الوحدة اليوم أكثر من أي وقت مضى صخرة الصمود التي ستتحطم عليها رهانات الأعداء ومخططاتهم، لأن الشعب اليمني، رغم الجراح والمعاناة، لا يزال يمتلك وعيًا عميقًا بخطورة مشاريع التقسيم، ويدرك أن المستقبل الآمن والمستقل لا يمكن أن يتحقق إلا في ظل وطن موحد قوي يحفظ كرامة جميع أبنائه، إن الرهان على تمزيق اليمن سيظل رهانًا خاسرًا ما دام اليمنيون مؤمنين بوحدة مصيرهم، ومتمسكين بهويتهم الإيمانية والوطنية الجامعة، وما دامت الوحدة حاضرة في وجدان الأجيال باعتبارها قضية وجود وليست مجرد خيار سياسي عابر.
ختاما .
ستظل الوحدة اليمنية عنوانًا للثبات الوطني، وجسرًا يربط الماضي بالحاضر والمستقبل، لأنها تعبّر عن حقيقة شعب واحد جمعته الأرض والتاريخ والدين والهوية والمصير المشترك، ومهما تعددت مشاريع التشطير، ومهما بلغت خطورة المؤامرات التي تستهدف اليمن، فإن إرادة اليمنيين ستبقى أقوى من كل محاولات التفكيك، وستظل الوحدة صخرة تتحطم عليها أطماع الغزاة وأحلام الهيمنة والاستباحة.