من الميدان إلى السيادة.. معركة “المقاومة العراقية” لإعادة رسم خرائط القوة وتجاوز الفيتو الأمريكي

يمانيون |
​في لحظة تاريخية فارقة، لم تعد الجغرافيا العراقية مجرد مساحة للمناورة، بل تحولت إلى قلب النابض لمعركة وجودية تتجاوز الحدود المحلية لتصيب مقتل الاستراتيجية الأمريكية في منطقة غرب آسيا.

إن ما يشهده العراق اليوم، من تصاعد دراماتيكي في العمل العسكري الذي تنفذه فصائل المقاومة الإسلامية والحشد الشعبي، ليس مجرد رد فعل عابر، بل هو “كلمة الفصل” وشرارة الحمل العسكري المنظم الذي يهدف إلى اقتلاع جذور الثكنات الأمريكية.

لقد بدأت هذه المواجهة الكبرى مع انطلاق العدوان الأمريكي-الإسرائيلي الغاشم على الجمهورية الإسلامية في إيران، حيث استغلت واشنطن القواعد العسكرية في العراق كمنصات انطلاق لوجستي وعملياتي، مما استوجب رداً عراقياً حازماً لم يكتفِ بإشعال النيران في الوجود الأمريكي، بل امتد ليقوض المصالح الاستراتيجية لواشنطن في المنطقة برمتها.

 “ضربات الإيذاء” وتفكيك أوهام الاستقرار الأمريكي

​لسنوات طويلة، راهنت الإدارة الأمريكية على أن وجودها العسكري في العراق هو “ثابت” لا يمكن زعزعته، واعتبرت أن أي استهداف لقواعدها لن يتعدى كونه “إيذاءً محدوداً” يمكن احتواؤه عبر الردع أو الضغط السياسي.

لكن، جاء العمل العسكري الحاشد ليفاجئ صانع القرار في البيت الأبيض بحجم وتوقيت ونوعية العمليات.

​لقد انتقلت المقاومة الإسلامية من مرحلة “المضايقة” إلى مرحلة “التقويض الشامل”.

لم يعد الهدف هو مجرد إرسال رسائل سياسية، بل منع الاستقرار طويل الأمد للوجود العسكري الأمريكي.

إن العمليات التي استهدفت القواعد العسكرية في مختلف ربوع البلاد، وصولاً إلى عمق التواجد في أحياء سكنية ومقرات حساسة، أثبتت أن العين المقاومة رصدت واستهدفت كل شبر يتحرك فيه الجندي الأمريكي.

هذا المتغير المحلي وضع الوجود الأمريكي أمام حقيقة مرة: عقدان ونيف من الزمن ذهبا سدى، وأن مرحلة “الخروج القسري” قد بدأت فعلياً تحت وطأة النيران وصمود الميدان.

الجغرافيا الهاربة.. من أربيل إلى السليمانية

وحين اشتد وطيس المعركة في مناطق الوسط والجنوب، حاولت القوات الأمريكية “ترقيم” وجودها وإعادة تموضعه في إقليم كردستان العراق، وتحديداً في أربيل والسليمانية، ظناً منها أن هذه الجغرافيا ستوفر لها الملاذ الآمن والهرب من “انتقام” المقاومة.

إلا أن الاستراتيجية العراقية أثبتت شموليتها؛ إذ لم تعد هناك “مناطق محرمة” أمام سلاح المقاومة.

​لحق الانتقام بالثكنات الأمريكية في الشمال، وتحولت القواعد التي كانت تظن واشنطن أنها بعيدة عن المنال إلى أهداف مشتعلة.

هذا الفشل الاستخباراتي والعملياتي الأمريكي يعكس سوء تقدير عميق لقدرات محور الجهاد والمقاومة.

إن ملاحقة الوجود الأمريكي في الإقليم الكردستاني لم تكن مجرد رسالة عسكرية، بل كانت إعلاناً بإنهاء “التقسيم الوظيفي” للجغرافيا العراقية الذي حاولت واشنطن فرضه لعقود، مؤكدة أن السيادة العراقية وحدة واحدة لا تتجزأ، وأن نار المقاومة ستطال كل منتهك لهذه السيادة مهما تحصن.

​ما وراء الرصاص.. كسر “الفيتو” والتحرر السياسي

​إن التأثير “المضطرب” الذي أحدثه العراق في هذه المعركة لم يقتصر على أزيز الرصاص، بل امتد ليزلزل أركان الهيمنة السياسية.

لعقود، نصّبت واشنطن نفسها “وصياً” على العملية السياسية في بغداد، مستخدمة “فيتو” غير معلن ضد أي شخصية أو توجه وطني لا يتماشى مع أجندتها، كما حدث في محاولات منع ترشح نوري المالكي وغيره من الشخصيات التي ترفض التبعية المطلقة.

​اليوم، ومع صعود المكونات السياسية المدعومة من الحشد الشعبي والمقاومة، تحطم هذا “الفيتو” على صخرة الواقع الجديد.

لقد منحت الانتصارات الميدانية الغطاء والقوة للقرار السياسي العراقي ليتجاوز الضغط والتدخلات الأمريكية المانعة للاستقرار.

إن واشنطن، التي كانت تدير المشهد بالترهيب والعقوبات، تجد نفسها اليوم عاجزة عن فرض إرادتها على قوى باتت تستمد شرعيتها من فوهة البندقية المقاومة ومن التأييد الشعبي العارم لإنهاء الاحتلال.

هذا التحول يعني انتقال العراق من مرحلة “الدولة المخترقة” إلى مرحلة “الدولة المؤثرة” التي تفرض شروطها وتختار قادتها بعيداً عن إملاءات السفارة.

الزلزال الإقليمي وتقويض نفوذ “غرب آسيا”

و​لا يمكن قراءة المشهد العراقي بمعزل عن المحيط الإقليمي.

إن الانتصار المرتقب للمقاومة في العراق هو متغير إقليمي بامتياز، إذ يمتد أثره لتقويض النفوذ العسكري والسياسي وحتى الاقتصادي الأمريكي على منطقة غرب آسيا بالكامل.

العراق اليوم يمثل “قفل” المنطقة ومفتاحها؛ وبتحرره من العسكرة الأمريكية، تنهار حلقة الوصل الأساسية في مشروع الهيمنة الصهيوني-الأمريكي.

لقد وضعت المقاومة العراقية حداً للتمدد الذي كان يهدف لمحاصرة الجمهورية الإسلامية والقوى التحررية في المنطقة.

إن استهداف المصالح الأمريكية استراتيجياً يعني تجفيف منابع التمويل واللوجستيك التي تغذي الفوضى في الجوار.

هذا التحول يفرض واقعاً جديداً تتعاظم فيه قوة “محور المقاومة” ككتلة جيوسياسية موحدة، قادرة على حماية أمن الطاقة والممرات الملاحية والقرار السياسي بعيداً عن الهيمنة الغربية، مما يجعل من هزيمة واشنطن في العراق مقدمة لهزيمتها الكبرى في كامل الجغرافيا الممتدة من طهران إلى بيروت.

الخاتمة: حتمية الانسحاب ونهاية الوهم

​في الختام، يبدو أن سوء التقدير الأمريكي لجبهات محور الجهاد والمقاومة قد وصل إلى طريق مسدود.

إن الإدارة الأمريكية، التي توهمت أن بإمكانها إدارة الصراع بـ”القطارة” أو عبر الردع المحدود، تجد نفسها اليوم أمام واقع “الانسحاب الحتمي”.

لم تعد الخيارات أمام واشنطن متعددة؛ فالبقاء يعني نزيفاً مستمراً في الأرواح والمعدات والسمعة الدولية، والرحيل هو المخرج الوحيد لتجنب هزيمة مذلة تشبه ما حدث في تجارب سابقة.

إن ما حققه الحشد الشعبي والمقاومة الإسلامية في العراق هو تأكيد على أن إرادة الشعوب أقوى من الترسانة العسكرية.

لقد صنع العراق “التأثير” الذي سيذكره التاريخ، كدولة كسرت قيود الهيمنة، واستعادت سيادتها بالدم، ورسمت للأجيال القادمة طريقاً لا يعرف المساومة.

المرحلة القادمة هي مرحلة البناء الوطني الخالص، حيث لا مكان لقواعد أجنبية، ولا صوت يعلو فوق صوت السيادة العراقية.

لقد وضعت واشنطن أمام خيارها الأوحد: “احزموا حقائبكم.. فالعراق لم يعد أرضاً للاستثمار الاستعماري”.

You might also like