صخبُ “التريند” وصمتُ المحراب.. الأقصى في زنزانة الخذلان ونذيرُ الخطر القادم
يمانيون |
في زمنٍ يُقاس فيه الوجود بعدد “اللايكات” وتُوزن فيه القيم بمقدار “التفاعل”، يبدو المسجد الأقصى المبارك وكأنه يغرد خارج سرب الاهتمامات العالمية والعربية على حد سواء.إن المفارقة الصارخة التي نعيشها اليوم ليست في غطرسة العدو الصهيوني فحسب، بل في تلك الفجوة الهائلة بين “تسونامي” الاهتمام بتفاهات الأمور، وبين “جفاف” الغيرة على أقدس المقدسات.
ولو كان ما يتربص بثالث الحرمين الشريفين مقطعاً “يوتيوبياً” تافهاً، لحصد المليارات من المشاهدات في ساعات.
لكن الأقصى اليوم، في واقع الحال، يقف وحيداً، مغلقاً بالشمع الأحمر، قابعاً في زنزانة صهيونية مظلمة، بينما الأمة الغافلة مشغولة بمتابعة أخبار نجمة سينمائية أو بطولة كروية، في مشهد يجسد ذروة السقوط القيمي والمعرفي.
بورصة الاهتمامات وسقوط “التريند” الأخلاقي
إننا نعيش عصر “الصنم الرقمي”، حيث تُبكى عثرات المشاهير وتُقام المآتم الافتراضية لأخبار الفن الهابط، بينما تمر أخبار تدنيس مسرى النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرور الكرام.
كم ستسقط من مدامع، وكم سيغمى من خلائق، وكم سيتدافع المعجبون لو أن “نجمة إغراء” أصيبت بخدش؟ لكن الأقصى، الذي يُعصر تحت وطأة التهويد، فلا بواكي له.
هذه الحالة من “الردة الوجدانية” تعكس انحداراً مخيفاً في ترتيب الأولويات لدى أمة المليارين.
لقد نجحت الآلة الإعلامية العالمية في تخدير الوعي الجمعي، حتى صار الخبر عن “مغنية خليعة” يحطم أرقام القراءة والتعليق والتنزيل، بينما الخبر عن إغلاق الأقصى لسبعة وثلاثين يوماً متتالية لا يحرك ساكناً.
إن هذا التباين ليس مجرد صدفة، بل هو نتيجة استلاب ثقافي جعل من “المشهد التافه” قيمة عليا، ومن “المقدس الجريح” مجرد خبر عابر في ذيل النشرات.
37 يوماً من الصمت.. الأقصى تحت وطأة “التعذيب” الصهيوني
وبينما ينشغل العالم بضجيجه، يواصل الكيان الصهيوني إحكام قبضته على القدس.
سبعة وثلاثون يوماً من الإغلاق التام، مائة وثمانون صلاة مفروضة ضاعت في رحاب الأقصى، والعدو يواصل منع الفلسطينيين من الوصول إلى قبلتهم الأولى.
الأقصى اليوم ليس مجرد مبنى مغلق، بل هو “معتقل” يعاني التخريب والتدنيس الممنهج.
تحت هذا الشمع الأحمر، تكمن خطة شيطانية تهدف إلى عزل المسجد عن أهله، وتفريغه من هويته الإسلامية.
بينما يمنع الفلسطينيون من الصلاة، تنشط “جماعات الهيكل” المزعوم في تحريضها المسعور لاقتحام المسجد خلال ما يسمى “عيد الفصح” العبري.
إن الهدف ليس مجرد الزيارة، بل هو “ذبح القرابين” في باحاته، في خطوة تمثل قمة التحدي والاستفزاز لمشاعر المسلمين، وتهدف إلى تكريس واقع جديد يقسم المسجد زمانياً ومكانياً، تمهيداً لبناء هيكلهم المزعوم على أنقاضه.
من الخذلان إلى المشاركة.. موات الأمة وردتها المروعة
إن الحالة التي وصلت إليها الأمة اليوم تتعدى وصف “الخذلان” لتصل إلى مرحلة “المشاركة” الضمنية في الجريمة.
إن الصمت المطبق، شعبياً ورسمياً، أمام إجراءات الاحتلال العسكرية في محيط المدينة المقدسة وفي الضفة الغربية، يعطي الضوء الأخضر للعدو للمضي قدماً في مخططاته.
هذه الغيبوبة التي تضرب جسد الأمة ليست غيبوبة عارضة، بل هي “موات رهيب” وردة مروعة عن ثوابت العقيدة والانتماء.
إن الاكتفاء ببيانات التنديد والاستنكار -التي لم تعد تصدر أصلاً- هو نوع من “الاستقالة التاريخية” عن القيام بالواجب.
وعندما يغلق المسجد لأسابيع والعدو يحضر لتدنيسه بالقرابين، ولا نجد حراكاً يزلزل الأرض تحت أقدام المعتدين، فإننا نعلن للعالم أن “القبلة الأولى” لم تعد تعنينا، وأن “الأمة” قد تحولت إلى “غثاء كغثاء السيل”.
ما بعد الأقصى.. استباحة الحرمين وتمدد المشروع الصهيوني
ويخطئ من يظن أن الأطماع الصهيونية ستقف عند حدود أسوار القدس. إن استمرار هذه الحالة المفجعة من “الموقف اللاموقف” تفتح الشهية الصهيونية لما هو أبعد.
إن الصهاينة يقرؤون صمتنا كرسالة ضعف، ويرون في انشغالنا بالتفاهات فرصة تاريخية لا تتكرر.
إن الطريق من ثالث الحرمين إلى أولاهما وثانيهما بات ممهداً بالصمت العربي والإسلامي.
إن “الضوء الأخضر” الذي منحه الخذلان للعدو في القدس، هو نفسه الذي سيشجعه مستقبلاً على التفكير في استباحة مكة المكرمة والمدينة المنورة.
إنها عقيدة “أرضك يا إسرائيل من الفرات إلى النيل” وما بعدها، والتي لا تعترف بحدود ولا تحترم مقدسات.
وعندما يقع المحظور في الحرمين -لا قدر الله- حينها “لا تحين مناص”، ولن تنفع قمم، ولا بيانات، ولا ندم سيعيد ما ضيعه التفريط.
الخاتمة: الاستيقاظ قبل فوات الأوان
إن الأقصى اليوم ليس اختباراً للفلسطينيين وحدهم، بل هو “ترمومتر” الكرامة لأمة المليارين.
إن بقاء المسجد قابعاً في زنزانته، يئن تحت وطأة التعذيب والتخريب، هو وصمة عار في جبين كل من يملك القدرة على الفعل وصمت.
لقد آن للأمة أن تدرك أن “صخب التريند” لن يحمي مقدساتها، وأن “النجوم الزائفة” لن تضيء ظلام المحاريب المهجورة.
إننا أمام لحظة فارقة: إما استعادة الوعي والانتفاض لحماية مسرى نبينا، وإما الرضا بهذا الموات الذي سيجعلنا غداً نبكي مكة والمدينة كما بكينا القدس والأندلس من قبل.
إن الأقصى يواصل صرخته الصامتة خلف الشمع الأحمر، فهل من مجيب، أم أن آذان الأمة قد صمت بصخب المهرجانات وضجيج التفاهة؟
”وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون”