الأعراب بين دلالة النص القرآني وواقع الموقف المفضوح

في لحظات التحوّل الكبرى التي تمر بها الأمة، تتكشّف المواقف وتسقط الأقنعة، ويغدو النص القرآني بما يحمله من بصيرة نافذة  مرآةً كاشفةً للواقع، تضع اليد على جوهر السلوك والموقف، لا على العنوان والادعاء،  وحين نتأمل قوله تعالى:
﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ،} ، ثم نقرنه بما يجري اليوم من اصطفافات سياسية وعسكرية في المنطقة، فإننا نقف أمام دلالة عميقة تتجاوز حدود الزمن، لتكشف طبيعة المواقف التي تتلبّس بالنفاق السياسي، وتتنكّر لقضايا الأمة المصيرية.

يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي

من الدلالة القرآنية إلى المشهد السياسي

الآية الكريمة لا تُقرأ بوصفها حكماً على قومٍ بأعيانهم في كل زمان، وإنما في سياقها الأصلي تتحدث عن فئة من الأعراب في زمن التنزيل ممن اتصفوا بالنفاق والبعد عن فهم حدود الشريعة. ومن الناحية التفسيرية، قرر كبار المفسرين أن الآية وصفٌ لطائفة مخصوصة بصفات محددة، لا حكماً عاماً على جميع العرب أو أهل البادية. لكن من حيث الاستلهام المعنوي والقراءة السياسية المجازية، يمكن استحضار المعنى في توصيف كل موقف يتجسّد فيه النفاق، والتنصل من الواجب الأخلاقي والديني تجاه قضايا الأمة،  واليوم، بينما تتعرض فلسطين ولبنان واليمن وساحات أخرى لاعتداءات وحروب متواصلة، تكشف تقارير إعلامية ودولية استمرار أشكال من التنسيق الأمني والعسكري بين بعض الدول العربية والعدو الصهيوأمريكي، إلى جانب استضافة قواعد عسكرية أمريكية في المنطقة تُستخدم في عمليات الردع والانتشار،  هذا الواقع يفتح الباب أمام قراءة نقدية حادة لمفهوم الاصطفاف خارج ضمير الأمة.

النفاق السياسي في أوضح صوره

أخطر ما يميز هذه المرحلة هو ازدواجية الخطاب، من خطاب إعلامي يتحدث عن نصرة فلسطين، وخطاب عملي يقوم على التطبيع أو التنسيق أو الصمت، ومواقف ميدانية تفتح المجال للقوى الأجنبية للتحرك العسكري
وقد كشفت تقارير حديثة عن تعميق بعض الدول العربية لعلاقاتها الأمنية والعسكرية مع العدو الإسرائيلي خلال فترات الحرب، رغم الخطاب العلني المختلف،  وهنا يبرز المعنى القرآني للنفاق بوصفه فجوة بين الظاهر والباطن، وبين الشعار والممارسة، إن الأمة لا تُقاس بالشعارات الرنانة، بل بالمواقف عند ساعة الاختبار.

الأموال التي تُنفق خارج بوصلة الأمة

ويأتي قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ﴾ ،  هذه الآية تفتح باباً آخر بالغ الدلالة؛ إذ تصف حالة من البخل الوجداني والسياسي، حيث يتحول الإنفاق إلى عبء، وتصبح نصرة الحق خسارةً في ميزان المصالح الضيقة،  وفي واقع اليوم، يظهر هذا المعنى في مفارقة مؤلمة،  مليارات تُنفق على التسليح والتحالفات الخارجية
استثمارات ضخمة في مشاريع التطبيع
في مقابل تراجع حقيقي في الدعم السياسي الفعّال لقضايا الأمة،  بعض التقارير تشير إلى أن التعاون العسكري الإقليمي مع العدو الصهيوأمريكي ما زال يتوسع في ملفات الأمن الجوي والدفاع السيبراني،  وهذا يرسّخ صورة أن المال بات في كثير من الأحيان موجهاً لحماية الأنظمة ومصالحها، لا لحماية الإنسان العربي أو كرامة الأمة.

فتح الأرض للنفوذ العسكري للعدو

من أخطر الدلالات التي يثيرها الواقع الراهن، مسألة استضافة القواعد العسكرية الأمريكية فالوجود العسكري الأمريكي في عدد من الدول العربية والخليجية موثق على نطاق واسع، ويشمل قواعد جوية وبحرية ومراكز قيادة متقدمة، والتي انطلق منها العدوان على دول المنطقة فلسطين ولبنان وإيران والعراق واليمن ،هذا الحضور لا يمكن فصله عن مشهد الصراع الإقليمي، إذ تُستخدم هذه البنى في إدارة العمليات والردود العسكرية،  وهنا تبرز الإشكالية الأخلاقية والسياسية،  كيف يمكن الجمع بين ادعاء الانتماء لقضايا الأمة، وبين تمكين قوى خارجية من أدوات الحرب والنفوذ على أرض المنطقة؟

سقوط القناع الأخلاقي

إن أخطر ما تكشفه هذه المرحلة ليس فقط التحالفات السياسية، بل الانفصال الأخلاقي عن وجدان الأمة،  حين تُقصف المدن، وتُسفك الدماء، ويُهجّر الأبرياء، ثم يظل الموقف محكوماً بمنطق المصالح الضيقة، فإن ذلك يمثل أزمة في الوعي قبل أن يكون أزمة في السياسة, ولهذا تبدو الآيات الكريمة في بعدها المعنوي وكأنها تضع معياراً ثابتاً،  ليس الانتماء بالاسم، بل بالموقف.

ختاما ..

إن قراءة الواقع في ضوء النص القرآني يجب أن تتم بوعي علمي وتفسيري منضبط؛ فالآيات في أصلها تتحدث عن فئات محددة بصفات معينة، ولا يجوز تعميمها على الشعوب أو الأمم بأكملها، لكن من حيث الدلالة الأخلاقية والسياسية، فإنها تمنحنا معياراً صارماً لتمييز الصدق من النفاق، والموقف من الادعاء، والانتماء من الارتهان, وفي زمن تتكشّف فيه الاصطفافات، يبقى السؤال الأهم،  من يقف مع الأمة فعلاً، ومن يكتفي برفع الشعارات؟

You might also like