الخيانة الموصوفة.. كيف قايضت الحكومة اللبنانية دماء الشهداء بفتات الدبلوماسية الأمريكية-الصهيونية؟ ​

يمانيون |
​في لحظة تاريخية فارقة، حيث تُكتب الجغرافيا اللبنانية بدماء المقاومين وتضحيات الأبرياء، أطلت “السلطة الرسمية” في لبنان بمشهدٍ يندى له جبين السيادة.

فبينما كانت نيران العدو الصهيوني تحرق الأخضر واليابس، وتستهدف قلب العاصمة بيروت بصلفٍ غير مسبوق، انشغلت الحكومة اللبنانية بصياغة قرارات “تعزيز السيطرة” وحصر السلاح، في توقيتٍ لا يفسره سوى الانصياع الكامل للإملاءات الأمريكية-الصهيونية.

إن ما جرى أمام “السرايا الحكومي” لم يكن مجرد احتجاج عابر، بل كان زلزالاً شعبياً كشف عورة سلطة قايضت كرامة الوطن بوعود دبلوماسية زائفة، واختارت أن تقف في خندق “الخصم” لشعبها، متخلية عن مسؤوليتها التاريخية في الدفاع عن الأرض، لتتحول من حامٍ للديار إلى أداة لتقويض عناصر القوة التي حمت لبنان وحررت أرضه.

دبلوماسية “الطعن في الظهر”.. كيف سقطت الأقنعة؟

​لقد كشفت الأحداث الأخيرة عن تماهٍ غير مسبوق بين الخطاب الرسمي اللبناني والمخططات العدوانية التي تهدف إلى تدجين الإرادة اللبنانية.

ففي ذروة التهديد الوجودي، وبدلاً من استثمار صمود المقاومة في الميدان لفرض شروط وطنية تحفظ كرامة البلاد، سارعت الحكومة إلى تبني سردية العدو التي تستهدف “عناصر القوة” اللبنانية المتمثلة في سلاح المقاومة.

​إن هذا الانبطاح الدبلوماسي لم يكن وليد الصدفة، بل هو نتاج ارتهان تاريخي للقرار السياسي اللبناني لدوائر الاستخبارات الغربية.

فبينما كان “النتن ياهو” يتبجح بضرباته الغادرة، كانت الحكومة اللبنانية تنبري لتبرير صمتها بانتظار “سراب” وقف إطلاق النار الموعود من واشنطن.

هذا التوجه جعل السلطة تبدو وكأنها “شرطي برتبة وزراء” ينفذ الجزء المتعلق بتجريد لبنان من دفاعاته وحصر السلاح بيد “قوى شرعية” أثبتت التجارب عجزها عن حماية شجرة واحدة من جرافات الاحتلال.

إن تبني الحكومة لخطاب يرفض أي دور خارج إطار الدولة في ظل عدوان شامل، هو دعوة صريحة للعدو لاستباحة ما تبقى من لبنان، وهو طعنة غادرة في ظهر المقاتلين الذين يذودون عن الشرف الوطني في القرى والوديان.

حصر السلاح أم حصر الكرامة؟.. استهداف المقاومة كخيار وجودي

و​يأتي قرار الجيش والقوى الأمنية بالمباشرة الفورية في “بسط السيطرة الكاملة” وحصر السلاح في بيروت كتنفيذ حرفي لشرط صهيوني قديم، يُراد منه عزل العاصمة عن نبض المقاومة وتفريغها من قوتها الرادعة.

إن المقاومة (حزب الله) لم تكن يوماً نقيضاً للدولة، بل كانت هي “الدولة الحقيقية” حين غابت السلطة في أقبية الهزيمة عام 1982 وعام 2000 وعام 2006.

​استهداف سلاح المقاومة في هذا التوقيت هو محاولة لكسر الدرع الذي يمنع تحويل لبنان إلى “مستعمرة إسرائيلية” جديدة.

الصرخة التي أطلقتها “أخت الشهيد” وأهالي عكار أمام السرايا كانت بمثابة “استفتاء دموي” فوري؛ لقد أعلن الشعب اللبناني أن هذا السلاح هو من “رفع الرأس”، وأن الوكالة التي مُنحت لهذه الحكومة قد سقطت بالضربة القاضية من “القبضات الغاضبة”.

الشعب يدرك أن “لغة النار” هي الوحيدة التي تردع القاتل الذي يذبح الأطفال والنساء، بينما “لغة الدبلوماسية” الحكومية ليست سوى غطاء لتمرير الجرائم وتبريرها.

إن محاولة تصوير المقاومة كعبء على الدولة هي الخديعة الكبرى التي يروج لها “أشباه الرجال” في قصور السلطة، متناسين أن وجودهم ذاته على كراسيهم هو ثمرة تضحيات هؤلاء المقاومين.

​الخديعة الأمريكية والتماهي الصهيوني.. من “الوساطة” إلى الإدارة

​ولا يمكن فهم الأداء الحكومي اللبناني المنبطح إلا عبر تفكيك الدور الخبيث الذي تلعبه الولايات المتحدة الأمريكية كمدير مباشر لهذا العدوان.

فمنذ 15 شهراً، واللبنانيون يُقتلون ويُهجرون وتُدمر بيوتهم تحت مظلة “المساعي الدبلوماسية” التي لم تجلب سوى مزيد من الدم والدمار.

​تبدو الحكومة اللبنانية ورئيسها اليوم وكأنهم يتحركون بريموت كنترول من السفارة في “عوكر”.

فكلما حققت المقاومة إنجازاً ميدانياً أو صموداً أسطورياً، تحركت الآلة السياسية اللبنانية للضغط على الداخل اللبناني عبر قرارات أمنية مشبوهة تستهدف البيئة الحاضنة للمقاومة.

الأخطر من ذلك هو ما كشفه “النتن ياهو” حين لمح إلى أن تحركات معينة من الداخل اللبناني هي التي شجعت على التمادي في العدوان؛ هذا التصريح يضع السلطة اللبنانية مباشرة في خانة “الشريك في سفك الدم”.

إن التواطؤ لم يعد مجرد استنتاج، بل صار مشهداً عيانياً يراه اللبنانيون في صمت الحكومة وعجزها، وفي قراراتها التي تلاحق “المدافع” وتفتح الطريق أمام “المعتدي”.

​غضبة الشارع.. سقوط الشرعية الأخلاقية والميثاقية

​إن مشهد الاحتجاجات أمام السرايا الحكومي يمثل لحظة الحقيقة؛ حيث يسقط “الآوانون” وتسقط “المواثيق” التي لا تحمي دماء الأطفال.

لقد أعلن المحتجون بوضوح: “نحن من حقنا إسقاط الحكومة بالصوت والشارع والقبضات”.

هذه الصرخة لم تأتِ من فراغ، بل من شعور بـ”الغدر” الذي مارسته السلطة تجاه شعبها.

​المتظاهرون الذين جاءوا من كل فجٍّ عميق، من عكار الصامدة ومن بيروت الجريحة، أكدوا أن هذه الحكومة لا تمثلهم بكل قوانين الأرض والسماء.

كيف يمكن لحكومة أن تدعي السيادة وهي تتفرج على تدمير القرى الجنوبية، ثم تأتي لتلاحق من يدافع عنها؟ إن الانقسام اليوم ليس سياسياً فحسب، بل هو انقسام أخلاقي بين “شعبٍ يقاتل” و”سلطةٍ تساوم”.

الإصرار الشعبي على خيار “الزيت والأحجار” في مواجهة التكنولوجيا الصهيونية يعكس فشلاً ذريعاً لكل محاولات الترهيب الحكومية، ويؤكد أن الحاضنة الشعبية للمقاومة هي صخرة صلبة ستتحطم عليها كل القرارات “الدبلوماسية” التي تُكتب بحبر الذل.

​دماء الجنوب وأوجاع عكار.. الميزان الحقيقي للوطنية

​في التحليل لهذا الواقع، يبرز الجنوب كبوصلة وحيدة للكرامة.

أهالي الشهداء سابقة، يعودون اليوم للتأكيد بأنهم مستعدون لتقديم المزيد، ولكن ليس فداءً لكرسي وزير أو رئيس، بل فداءً لعزة هذا الوطن.

هذا التناقض الصارخ بين تضحيات الشعب اللبناني و”رمادية” المواقف الرسمية يضع لبنان أمام مفترق طرق خطير.

​إن الشعب الذي تهجر من بيوته ودُمرت أرزاقه، يرفض أن تُباع تضحياته في بازار “التنازلات” الدولية.

الرسالة كانت واضحة وصريحة من أمام السرايا: حماية الوطن لا تكون عبر ملاحقة المقاومين في أزقة بيروت، بل عبر تعزيز جبهات الصمود.

المواطن اللبناني بات يرى في الحكومة اللبنانية والكيان الصهيوني “وجهين لعملة واحدة” في هذه اللحظة؛ فبينما يقتل الأول بالسلاح، يقتل الثاني بالصمت والقرارات المطعونة بالخيانة.

إن دماء الشهداء لا يمكن أن تُقابل بمواقف رمادية، بل بمواقف واضحة تعانق البندقية وتلفظ المداهن والمساوم.

​الخاتمة: الكرامة لا تُشترى بالبيانات.. والكلمة الأخيرة للميدان

​في الختام، يتضح أن الرهان على “الدولة” بمفهومها الحالي هو رهان على سراب.

لقد أثبتت الحكومة اللبنانية أنها فقدت البوصلة، وأنها اختارت أن تكون “شريكاً صامتاً” في العدوان الصهيوني-الأمريكي، مفضلةً الحفاظ على علاقاتها الدولية على حساب دماء أبنائها.

​لكن الكلمة الفصل لن تخرج من “غرف السرايا” المظلمة، بل من “ميادين العزة” حيث يرابط المجاهدون، ومن “ساحات الغضب” حيث يزأر الشعب.

إن التاريخ لن يرحم أولئك الذين طعنوا المقاومة في لحظة عسرتها، ولن ينسى اللبنانيون من قايض صرخات أطفالهم بابتسامات دبلوماسية زائفة.

المقاومة باقية لأنها نبتت من هذه الأرض ومن أوجاع هؤلاء الناس، أما الحكومات فإلى زوال طالما أنها لا تشبه كرامة شعبها.

إن الفجر اللبناني لن يبزغ إلا من فوهة البندقية ومن إرادة الشعب الذي قرر ألا يموت “على الفرشة”، بل شهيداً عزيزاً في مواجهة كيانٍ غاصب وسلطةٍ مرتهنة.

You might also like