غدر يسبق التوقيع.. حين تتحرك المفاوضات تحت ظل النار
منذ اللحظة الأولى لانطلاق جولة المفاوضات الأمريكية مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية في إسلام أباد، لم يكن المشهد يوحي بمسار تسوية حقيقية بقدر ما كان يعكس صراعًا مفتوحًا بين لغة الدبلوماسية المعلنة ووقائع الميدان المشتعل، فبينما تُرفع شعارات التهدئة وتُتداول عبارات “الحوار” و”خفض التصعيد”، تستمر الغارات على جنوب لبنان، ويتواصل النزف في غزة، وتبقى حاملات الطائرات الأمريكية في قلب المنطقة كرسالة ضغط لا كإشارة سلام، هذا التناقض الصارخ يعيد إلى الواجهة أزمة الثقة العميقة التي تحيط بأي تفاهم محتمل، فالمفاوضات لا تبدأ من فراغ، بل تأتي فوق ركام تجارب سابقة انهارت تحت وطأة التصعيد، وفوق ذاكرة سياسية مثقلة بالاتفاقات التي لم تصمد أمام نهج الغدر المستمر من جانب العدو الصهيوأمريكي.
يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي
الغدر السياسي قبل التعثر الدبلوماسي
إن أخطر ما يحيط بهذه الجولة ليس فقط احتمال الفشل في التوصل إلى اتفاق، بل احتمال أن تتحول المفاوضات نفسها إلى أداة لإدارة الوقت وإعادة التموضع من قبل العدو ، ففي كثير من الأحيان، تُستخدم الطاولة السياسية لشراء الوقت، وتهدئة الضغوط الدولية، وتهيئة المسرح لموجة جديدة من التصعيد، وما يحدث اليوم في غزة ولبنان يقدم مثالًا واضحًا على الفجوة بين الخطاب السياسي والواقع العسكري، وعليه، فإن القراءة التحليلية العميقة تذهب إلى أن فشل هذه الجولة لن يكون مجرد تعثر تقني في البنود، بل نتيجة طبيعية لغياب الأساس الحقيقي لأي التزام طويل الأمد.
إذا فشلت الجولة .. إلى أين تتجه المنطقة؟
فشل المفاوضات سيعني دخول المنطقة في طور أكثر خطورة، تتراجع فيه فرص الاحتواء السياسي لصالح منطق الردع بالنار، وسيتجلى ذلك في ثلاثة مسارات متوازية، تصعيد بحري في الممرات الاستراتيجية، واتساع رقعة الضربات العدائية في لبنان وغزة، وارتفاع احتمالات الاحتكاك المباشر بين القوى الإقليمية والدولية، وهذا ما يجعل هذه الجولة لحظة مفصلية، في مستقبل الأمن الإقليمي برمته.
فشل الثقة قبل فشل البنود
البعد الأخطر في هذه المفاوضات ليس فقط الخلاف على الملفات المطروحة، بل فشل الثقة البنيوي بين الطرفين، والتجارب السابقة، جعلت طهران تنظر إلى أي التزام أمريكي بعين الشك، خصوصًا في ظل تغيّر الإدارات وتبدل السياسات ونهج الغدر المستمر، كما أن إيران من خلال تلك التجارب ترى أن الولايات المتحدة تستخدم الوقت لإعادة التموضع ورفع سقف أوراق الضغط الإقليمي، من هنا، فإن احتمالية فشل المفاوضات تبدأ من غياب الضمانات الصلبة، لا من نصوص الاتفاق فقط.
استمرار العدوان على لبنان وغزة كعامل نسف مباشر
أحد أخطر إرهاصات الفشل يتمثل في استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية على جنوب لبنان، بالتوازي مع استمرار الضغط على غزة، هذا الواقع يبعث برسالة سياسية شديدة السلبية، مفادها أن النار ما تزال تُستخدم كورقة ضغط على طاولة التفاوض، وقد أشارت تقارير حديثة إلى أن الغارات على لبنان تمثل تهديدًا مباشرًا لاستمرار المحادثات، بل إن الجمهورية الإسلامية الإيرانية أكدت سابقًا بإمكانية الانسحاب من التفاوض بسبب هذا التصعيد، وهنا يصبح فشل المفاوضات مرتبطًا بالميدان أكثر من القاعة.
التصعيد البحري ومضيق هرمز
من أبرز أبعاد الفشل المحتمل أيضًا عودة التوتر في مضيق هرمز، فالمضيق ليس مجرد ممر مائي، بل ورقة ضغط استراتيجية ذات تأثير عالمي على الطاقة والتجارة، وقد صدرت اليوم تهديدات إيرانية مباشرة ضد أي تحرك بحري أمريكي في المضيق، مع تحذير من أن ذلك قد ينسف مسار التفاوض خلال دقائق، مع محاولات أمريكية لعبور المضيق قبل ساعات من بدء المفاوضات، وأي انهيار في هذا الملف يعني، عودة ارتفاع أسعار النفط عالميًا من جديد ، واضطراب سلاسل الإمداد، واحتمالية الاحتكاك المباشر في البحر، وبالتالي، فإن الفشل هنا لن يكون سياسيًا فقط، بل اقتصاديًا عالميًا، وبالتالي إذا انهارت الجولة، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا هو العودة إلى منطق الردع بالنار، وهذا قد يتخذ عدة صور، منها تصعيد أمريكي عسكري من خلال زيادة الحشود البحرية والجوية، وتوسيع ساحات الاشتباك، خصوصًا في لبنان وربما جبهات أخرى مرتبطة بالصراع، وحرب استنزاف طويلة تقوم على الضربات المحدودة والردود المتبادلة دون إعلان حرب شاملة،
وبحسب تحذيرات خبراء عسكريين من أن انهيار المسار التفاوضي قد يعيد المنطقة إلى مربع الحرب المفتوحة.
البعد السياسي .. سقوط الرهان على التسوية السريعة
فشل هذه الجولة سيحمل أيضًا دلالة سياسية عميقة، وهي سقوط الرهان على التسوية السريعة، أي أن المنطقة قد تدخل مرحلة طويلة من الهدن المؤقتة، والانفجارات الميدانية المتقطعة، بمعنى أن الفشل لن يكون نهاية المسار، بل بداية مرحلة أكثر تعقيدًا، تُدار فيها الأزمات بدل حلها.
ختاما ..
إن أبعاد فشل المفاوضات تتجاوز مجرد تعثر دبلوماسي، لتلامس مستقبل الاستقرار الإقليمي بأكمله، فإذا انهارت هذه الجولة، فإن المنطقة ستكون أمام مشهد شديد الخطورة، بحر متوتر، جنوب لبنان مشتعل، غزة تنزف، وأسواق الطاقة على حافة الاضطراب، وعندها لن يكون السؤال:
هل فشلت المفاوضات؟ بل ما حجم الانفجار الذي سيعقب هذا الفشل؟
وبدون أدنى شك فإن العدو الصهيوأمريكي وكل أدواته في المنطقة أول من سيدفع ثمنا باهضا وسيخرج بهزيمة شاملة لن تقف عند الهزيمة العسكرية وحدها .