الحج بين قدسية الشعيرة واستغلال السياسة

تحوّلت قضية إدارة الحج في السنوات الأخيرة إلى واحدة من أكثر القضايا إثارةً للجدل في العالم الإسلامي، خصوصاً مع نهج النظام السعودي العبثي والعدواني وقيامه بتسييس الشعيرة المقدسة، وتحويلها من عبادة جامعة للمسلمين إلى أداة نفوذ سياسي واقتصادي وأمني، وبينما يفترض بالحج أن يكون موسماً للوحدة والتجرّد والمساواة، يرى كثيرون أن السياسات السعودية المعاصرة دفعت بهذه الشعيرة نحو مسارات تتناقض مع روح الإسلام ومقاصده الكبرى، إنّ أخطر ما في هذا التحول لا يقتصر على ارتفاع التكاليف أو سوء التنظيم فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة تعريف العلاقة بين المسلمين وبيت الله الحرام، بحيث يصبح الوصول إلى أقدس بقاع الأرض خاضعاً للاعتبارات السياسية والقدرة المالية والاصطفافات الإقليمية، لا لحق المسلمين الشرعي في أداء الفريضة.

يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي

 

الحج من عبادة جامعة إلى أداة هيمنة

يقوم مفهوم الحج في الإسلام على مبدأ المساواة الكاملة بين المسلمين، فلا امتياز لجنس أو قوم أو سلطة، بل الجميع يقفون في المشاعر المقدسة بصفة “ضيوف الرحمن”.، غير أنّ الواقع الذي فرضته السياسات السعودية يعكس صورة مختلفة تماماً، حيث أصبحت التأشيرات والحصص والإجراءات الأمنية والقيود اللوجستية أدوات ضغط سياسي تستخدم ضد شعوب أو دول بعينها، ويبرز هذا النهج بشكل واضح في ما يتعلق بالحجاج اليمنيين، الذين واجهوا خلال السنوات الأخيرة عراقيل معقّدة في التنقل والتفويج والسفر، الأمر الذي اعتبره مراقبون شكلاً من أشكال “الصدّ عن سبيل الله”، خصوصاً عندما تتحول الإجراءات التنظيمية إلى وسائل عقاب جماعي ذات خلفية سياسية، ويرى محللون أن النظام السعودي يتعامل مع الحج باعتباره “ملف سيادة” أكثر من كونه “أمانة إسلامية”، وهو ما يتجلّى في طريقة إدارة الحشود، وآليات منح التصاريح، والسياسات الأمنية المشددة داخل المشاعر المقدسة.

البعد الاقتصادي .. حين تتحول الفريضة إلى مشروع استثماري

من أبرز الانتهاكات التي ترتكبها السلطات السعودية بحق فريضة الحج، ما يتعلق بالتكاليف الباهظة للحج، والتي ارتفعت بصورة غير مسبوقة خلال العقدين الأخيرين، فبعد أن كان الحج متاحاً لشرائح واسعة من المسلمين، أصبح اليوم عبئاً مالياً هائلاً، خصوصاً على الشعوب الفقيرة، ويؤكد مراقبون أن الرسوم المرتفعة وأسعار السكن والنقل والخدمات حولت الحج إلى نشاط اقتصادي ضخم يدر مليارات الدولارات سنوياً، في وقت تتراجع فيه البساطة التي عُرفت بها هذه الشعيرة تاريخياً، وبدلاً من أن تكون المشاعر المقدسة مساحة للزهد والتجرد، باتت محاطة بمشاريع فندقية وتجارية عملاقة تعكس منطق الاستثمار أكثر من روح العبادة، وتتجاوز دلالات هذا التحول الجانب الاقتصادي إلى أبعاد اجتماعية خطيرة، إذ أصبح الحج في متناول الأغنياء بصورة أكبر، بينما يجد ملايين المسلمين أنفسهم عاجزين عن أداء الفريضة بسبب الكلفة المرتفعة والإجراءات المعقدة.

تسييس الشعائر .. إخضاع المقدس للحسابات السياسية

من أخطر ما توجهت إليه السياسة السعودية هو مسألة تسييس الحج، أي استخدام الشعيرة المقدسة كأداة لترتيب العلاقات السياسية وممارسة الضغوط الإقليمية، ويتجلى ذلك في التعامل الانتقائي مع بعض الشعوب، وفرض قيود على جنسيات معينة، إضافة إلى مراقبة الحجاج أمنياً والتحقيق مع بعضهم بسبب آرائهم أو منشوراتهم في مواقع التواصل الاجتماعي،
هذا التحول يحمل دلالات عميقة؛ إذ إن الحج في التصور الإسلامي فضاء آمن للمسلمين كافة، بينما تشير هذه الممارسات إلى نقل الصراع السياسي إلى داخل أقدس بقاع الأرض، وهو ما يعد انتهاكاً لحرمة الشعيرة ومساساً بمبدأ “أمن الحرم”، كما أن التضييق على الحجاج اليمنيين، في مقابل الانفتاح الواسع على الفعاليات الفنية والترفيهية داخل المملكة، خلق حالة استياء واسعة لدى قطاعات من الرأي العام الإسلامي، التي ترى في ذلك ازدواجية واضحة في التعاطي مع المقدسات والهوية الدينية.

كارثة منى .. جرح مفتوح في الذاكرة الإسلامية

لا تزال كارثة تدافع منى عام 2015 تمثل واحدة من أكثر المحطات إيلاماً في تاريخ الحج الحديث، بعدما أدت إلى مقتل الآلاف من الحجاج في واحدة من أسوأ الكوارث المرتبطة بإدارة الحشود، وقد أعادت تلك الحادثة طرح أسئلة جوهرية حول كفاءة الإدارة السعودية للمشاعر المقدسة، خصوصاً مع الشهادات التي تحدثت عن سوء التنظيم وضعف الاستجابة وغياب الشفافية في إعلان الأرقام الحقيقية للضحايا، ولم تكن الكارثة مجرد حادث عابر، بل تحولت إلى رمز لفشل الإدارة الأمنية واللوجستية في التعامل مع ملايين الحجاج، رغم الإمكانات الاقتصادية الضخمة التي تمتلكها المملكة.

الذاكرة اليمنية ومجزرة تنومة

ضمن السياق التاريخي للعلاقة المتوترة بين اليمن والنظام السعودي المجرم ، تستحضر الذاكرة اليمنية مجزرة تنومة بوصفها واحدة من أبشع الجرائم التي ارتُكبت بحق الحجاج اليمنيين في بدايات تأسيس الدولة السعودية المتطرفة، ورغم محدودية التغطية الإعلامية العربية والدولية لتلك الجريمة، فإنها بقيت حاضرة في الوعي اليمني كدليل على طبيعة العلاقة القائمة على القمع والإقصاء، بحسب الرواية اليمنية المتداولة حول الحادثة، ويستدعي الحديث عن تنومة اليوم أبعاداً رمزية تتعلق باستمرار السياسات التي يعتبرها اليمنيون امتداداً لعقود طويلة من التضييق والهيمنة.

الصراع على قدسية المكان

تكشف كل هذه المعطيات عن صراع أعمق من مجرد خلاف سياسي؛ إنه صراع على هوية الحج نفسه، هل يبقى الحج شعيرة إسلامية جامعة تتجاوز الحدود والسياسات؟
أم يتحول إلى أداة تخضع لاعتبارات السلطة والنفوذ والمصالح الاقتصادية؟
إن كثيراً من الأصوات في العالم الإسلامي باتت تدعو إلى إعادة الاعتبار للرسالة الروحية للحج، بوصفه موسماً للتحرر من العصبيات السياسية والطبقية، لا مناسبة لتكريس النفوذ والهيمنة،
ويرى مراقبون أن استمرار تسييس الحج يحمل مخاطر كبيرة على وحدة المسلمين، لأنه يفتح الباب أمام تحويل المقدسات إلى أدوات صراع، ويقوض الثقة بعدالة إدارة الحرمين الشريفين.

ختاما ..

الحج في جوهره رسالة وحدة ومساواة وسلام، وأي ممارسات تحوّله إلى مساحة للإقصاء أو الاستثمار السياسي والاقتصادي تمثل انحرافاً عن مقاصده الكبرى، وبين التضييق على الحجاج، وارتفاع التكاليف، والكوارث التنظيمية، والتعامل الأمني المشدد، تتصاعد الأسئلة داخل العالم الإسلامي حول مستقبل إدارة هذه الشعيرة العظيمة، ويبقى الأمل لدى كثير من المسلمين أن تستعيد المشاعر المقدسة رسالتها الحقيقية بوصفها ملكاً روحياً للأمة الإسلامية جمعاء، لا ساحة للصراعات السياسية ولا مشروعاً اقتصادياً مغلقاً، وأن يبقى بيت الله الحرام مفتوحاً لكل المسلمين دون تمييز أو إقصاء أو استغلال.

You might also like