الطائفية.. عدو وحدة الأمة والمسجد حصنها الأخير

في سياق دروسه القرآنية، يقدّم الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه رؤية فكرية تؤسس لقراءة عميقة في بنية الصراع داخل الأمة الإسلامية، ففي “الدرس السادس من دروس رمضان” يضع الشهيد القائد يده على أحد أخطر التحديات، الطائفية والمذهبية، ليس بوصفها خلافًا فكريًا فحسب، بل كأداة تفتيت خطيرة تمس جوهر الدين ووحدة المجتمع.

 

يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي

 

الطائفية كمدخل لانحراف الدين

يرى الشهيد القائد أن الطائفية ليست مجرد اختلاف في الفهم، بل هي نتيجة مباشرة لتقزيم الدين وتحويله إلى هويات ضيقة، الإعراض عن المنهج الإلهي الجامع، وإخضاع الدين للأطر القومية والسياسية، ويستشهد بالآية الكريمة: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ}، ليؤكد أن أخطر تجليات الطائفية تصل إلى حد منع الآخر من العبادة، وهو ما يمثل ذروة الظلم والانحراف، في هذا الطرح، تتحول الطائفية من خلاف فكري إلى صراع على المقدّس، حيث تتشظى بيوت الله نفسها إلى ساحات نزاع.

المسجد .. منبر الوحدة أم ساحة الصراع؟

يطرح شهيد القرآن مفهومًا استراتيجيًا للمسجد، إذ يصفه بأنه “أول معقل وآخر معقل للمسلمين”، هذا التوصيف يحمل دلالات عميقة، أن المسجد ليس مجرد مكان عبادة، بل مركز توجيه ووعي، وهو المساحة الوحيدة التي لم تخضع للهيمنة الكاملة، ويمثل خط الدفاع الأخير عن الهوية الدينية، لكن الخطر يكمن في تحويل المسجد إلى أداة خاضعة للسلطة أو للخوف، وتقييد الخطاب الديني بما يرضي قوى خارجية، تفريغ المنبر من مضمونه التوجيهي.

معركة الاستقلال الديني

يؤكد الشهيد القائد على ضرورة أن يكون “منبر المسجد بيد من لا يخشون إلا الله”، وهنا تتجلى عدة دلالات، أهمها رفض تسييس الخطاب الديني لصالح قوى خارجية، والدعوة إلى استقلالية المؤسسة الدينية، واعتبار الخوف من غير الله مدخلًا لتحريف الدين، ويذهب أبعد من ذلك حين يحذر من أن الخطيب قد يُجبر على تجنب قضايا معينة، يتم تعطيل آيات قرآنية مرتبطة بالصراع والعدل، ويتحول المسجد إلى أداة لإعادة إنتاج الهيمنة، في هذه الحالة، لا يعود المسجد بيتًا لله، بل مسجدًا مُسيَّرًا بإرادة غير إلهية.

الطائفية كأداة اختراق خارجي

يربط الشهيد القائد بين الصراع الطائفي والتدخل الخارجي، معتبرًا أن الفوضى الطائفية تفتح الباب أمام الاختراق السياسي والإعلامي، ويمكن استغلال الاحتجاجات الشعبية لتشويه القضايا العادلة، ويتم توجيه الغضب الشعبي نحو الداخل بدل الخارج، ويقدم مثالًا دلاليًا في رفع شعارات ضد قوى خارجية، ثم تشويه هذه الشعارات عبر ممارسات فوضوية، مما يؤدي إلى فقدان التعاطف الشعبي، هذا التحليل يكشف رؤية تعتبر الطائفية أداة ضمن حرب ناعمة تستهدف وعي المجتمع.

احتكار الفضاء العام وبقاء المسجد كملاذ

في تشخيصه للواقع، يرسم الشهيد القائد صورة لمجتمع الشارع فيه محكوم بالقوانين والاختراقات، والتعليم والإعلام تحت السيطرة، والمؤسسات الرسمية مقيدة، وفي ظل هذا الواقع، يبقى المسجد هو المساحة الحرة الوحيدة، ومن هنا تأتي خطورة إغلاق هذا الفضاء أو التحكم فيه، لأن ذلك يعني إغلاق آخر منفذ للوعي الديني المستقل.

دلالات الحديث عن “فساد عمار المساجد”
يشير الشهيد القائد إلى قول الإمام علي عليه السلام حول فساد عمار المساجد في آخر الزمان، ليبني عليها قراءة معاصرة، ليس الخطر في قلة المتدينين، بل في تحول التدين إلى شكل بلا مضمون، وفي أن يتحول القائمون على المساجد إلى أدوات تكيّف مع الضغوط، وهنا يبرز مفهوم خطير، تحوّل العبادة نفسها إلى ممارسة شكلية مفرغة من روحها.

بين الطائفية ووحدة الأمة .. معركة المفاهيم

في عمق هذا الطرح، يمكن استخلاص معركة أساسية هي معركة على تعريف الدين نفسه، هل هو جامع أم مُجزأ؟، وهل هو مستقل أم مُوجّه؟ ومعركة على دور المسجد، هل هو منصة وعي أم أداة تكييف؟، معركة على الوعي الشعبي، هل يتجه نحو الوحدة أم نحو الصراع الداخلي؟

رؤية تتجاوز اللحظة إلى مشروع فكري

تكشف هذه الرؤية عن مشروع فكري متكامل يسعى إلى إعادة الاعتبار للمسجد كمركز إشعاع.
تحصين المجتمع من الانقسام الطائفي، وتحرير الخطاب الديني من الخوف والهيمنة، وإعادة ربط الأمة بالمنهج القرآني كمرجعية جامعة، وبين التحذير من الطائفية والدعوة لاستقلال المنبر، يضع شهيد القرآن معادلة واضحة،
إذا فُقدت حرية المسجد، فُقدت آخر حصون الأمة.

You might also like