المحافظات اليمنية المحتلة.. كيف حوّل الاحتلال السعودي الإماراتي الثروة إلى معاناة والموقع الاستراتيجي إلى ساحة نهب وهيمنة؟

بعد أكثر من عقد من العدوان والتدخل السعودي الإماراتي في اليمن، تبدو الصورة في المحافظات الواقعة تحت الاحتلال أكثر وضوحاً من أي وقت مضى، فبعيداً عن الشعارات التي رُفعت تحت عناوين دعم الشرعية وإعادة الاستقرار وتحسين حياة المواطنين، تكشف الوقائع الميدانية عن واقع مختلف تماماً، عنوانه الأبرز الفوضى والانهيار الاقتصادي وتفكيك مؤسسات الدولة ونهب الثروات والسيطرة على المواقع الاستراتيجية، لقد تحولت المحافظات الجنوبية والشرقية المحتلة إلى نموذج صارخ للفشل والانهيار والمعاناة الذي رافق المشروع السعودي الإماراتي الاستعماري، حيث يعيش المواطنون أسوأ الظروف المعيشية في تاريخهم الحديث، في الوقت الذي تُنقل فيه الثروات النفطية والغازية وتُفرض الهيمنة على الموانئ والجزر والممرات البحرية ذات الأهمية الاستراتيجية.

يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي

 

 

الاحتلال بأدوات جديدة

عبر التاريخ، لم يكن اليمن هدفاً للأطماع الخارجية بسبب فقره أو ضعفه، بل بسبب ما يمتلكه من موقع استراتيجي استثنائي وثروات طبيعية هائلة، واليوم تعود الأطماع الاستعمارية القديمة بأدوات جديدة، حيث لم تعد الجيوش الأجنبية بحاجة إلى رفع أعلام الاحتلال التقليدية، بل أصبحت تعتمد على إنشاء التشكيلات المسلحة التابعة لها، وصناعة كيانات محلية مرتبطة بمصالحها، واستخدام بعض القوى والمرتزقة اليمنيين كغطاء سياسي وإعلامي لمشروع الهيمنة والسيطرة، ومن هنا يمكن فهم المشهد القائم في المحافظات المحتلة؛ فكل المؤشرات تؤكد أن ما يجري يتجاوز بكثير الادعاءات المعلنة، ويتصل مباشرة بمشروع استراتيجي يستهدف التحكم بالموقع الجغرافي اليمني وثرواته ومقدراته الوطنية.

 

باب المندب والجزر والموانئ .. جوهر المشروع الحقيقي

تشكل المحافظات الساحلية والجزر اليمنية أهمية استثنائية في الحسابات الجيوسياسية الدولية، فمن يسيطر على باب المندب يملك تأثيراً مباشراً على أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وهو ما يفسر حجم الاهتمام السعودي الإماراتي بالموانئ والجزر والسواحل اليمنية خلال السنوات الماضية، لقد اتجهت سياسات تحالف العدوان إلى فرض نفوذ مباشر أو غير مباشر على عدد من المواقع الحيوية، وتحويلها إلى مناطق نفوذ تخدم الأجندات الاستعمارية أكثر مما تخدم أبناء اليمن، وفي الوقت الذي كان المواطن ينتظر مشاريع تنموية وخدمية تعالج أزماته المتراكمة، كانت الأولوية تتجه نحو تعزيز السيطرة على المواقع الاستراتيجية ذات القيمة العسكرية والاقتصادية.

 

ثروات منهوبة وشعب جائع

تمتلك المحافظات المحتلة الجزء الأكبر من الثروة النفطية والغازية في اليمن، إضافة إلى الثروات السمكية والمعدنية الهائلة، لكن المفارقة المؤلمة أن أبناء هذه المحافظات لا يلمسون أي أثر لهذه الثروات على حياتهم اليومية، فالنفط يُستخرج، والموارد تُستنزف، والموانئ تعمل، لكن المواطن لا يجد كهرباء مستقرة ولا خدمات أساسية ولا فرص عمل كافية، بينما تتفاقم معدلات الفقر والبطالة بصورة غير مسبوقة،
لقد تحولت الثروات الوطنية إلى مورد تستفيد منه القوى الخارجية وشبكات الفساد المرتبطة بها، فيما يُترك الشعب ليواجه أزمات معيشية خانقة وانهياراً اقتصادياً متواصلاً.

 

عدن .. نموذج لانهيار الوعود

تمثل مدينة عدن المثال الأكثر وضوحاً على فشل المشروع السعودي الإماراتي، ووضوح حقيقة تواجده وتدخله، فعلى الرغم من مرور سنوات طويلة على السيطرة عليها، ما تزال المدينة تعاني من انهيار شبه كامل للخدمات الأساسية، الكهرباء تنقطع لساعات طويلة في ظل درجات حرارة مرتفعة، والمياه تعاني من اختلالات مستمرة، والقطاع الصحي يواجه أوضاعاً صعبة، بينما ترتفع الأسعار بصورة متسارعة نتيجة الانهيار المستمر للعملة المحلية،
وإذا كانت عدن، التي يفترض أنها العاصمة المؤقتة للسلطة الموالية للتحالف، تعيش هذا الواقع الكارثي، فإن بقية المحافظات المحتلة ليست أفضل حالاً.

 

انهيار العملة وتجويع المواطنين

أحد أخطر نتائج الاحتلال يتمثل في الانهيار الاقتصادي الذي ضرب المحافظات المحتلة بصورة غير مسبوقة، فقد شهد الريال اليمني تدهوراً حاداً انعكس مباشرة على أسعار الغذاء والدواء والاحتياجات الأساسية، ما أدى إلى اتساع دائرة الفقر والعوز، وأصبح المواطن عاجزاً عن تأمين متطلبات الحياة الأساسية، في حين تتواصل السياسات الاقتصادية التي أدت إلى مزيد من التدهور والانهيار، ويرى مراقبون أن هذا الواقع ليس مجرد نتيجة للفشل الإداري، بل يعكس حالة من الاستنزاف المنظم للاقتصاد الوطني وإضعاف مقومات الاستقرار الاقتصادي في تلك المناطق.

 

الفوضى الأمنية.. الوجه الآخر للاحتلال

لم يجلب تحالف العدوان الأمن والاستقرار كما وعد، بل تحولت المحافظات المحتلة إلى مسرح للفوضى والصراعات المتكررة، فالفصائل المسلحة التابعة للسعودية والإمارات تتنازع النفوذ والمصالح والمناطق الحيوية، فيما تتكرر الاشتباكات وأعمال الاغتيال والانفلات الأمني بصورة مستمرة، وأصبح المواطن يدفع ثمن هذه الصراعات اليومية التي تعكس حجم الانقسامات داخل المعسكر الموالي للتحالف، وتؤكد أن تلك التشكيلات لم تُبنَ لخدمة اليمن أو حماية مواطنيه، بل لخدمة أجندات ومصالح خارجية متعارضة.

 

من شعار الدعم إلى واقع الاحتلال

بعد سنوات طويلة من التدخل، لم يعد بالإمكان إخفاء التناقض الكبير بين الشعارات التي رُفعت في بداية الحرب والواقع الذي تعيشه المحافظات المحتلة اليوم، فالاستقرار الموعود لم يتحقق، والتنمية لم تصل، والخدمات انهارت، والاقتصاد تدهور، والأمن تراجع، بينما تعزز الوجود الأجنبي في المواقع الاستراتيجية، واستمرت عمليات السيطرة على الثروات والموارد الوطنية، ولهذا يرى كثير من اليمنيين أن ما يجري في المحافظات المحتلة يمثل نموذجاً واضحاً لمشروع احتلالي يسعى إلى إخضاع اليمن واستغلال موقعه الاستراتيجي وثرواته الهائلة تحت عناوين وشعارات مختلفة.

 

ختاما ..

تكشف المحافظات اليمنية المحتلة اليوم حقيقة المشروع السعودي الإماراتي بصورة لا لبس فيها، فبدلاً من تحسين حياة المواطنين، أنتج التدخل واقعاً من الانهيار الاقتصادي والتدهور الخدمي والفوضى الأمنية والصراعات الداخلية، في الوقت الذي استمرت فيه السيطرة على الثروات والمواقع الاستراتيجية، لقد تحولت المناطق الغنية بالنفط والغاز والموانئ إلى ساحات معاناة يومية، يعيش سكانها أزمات الكهرباء والجوع وارتفاع الأسعار وانعدام الأمن، بينما تتجه عائدات الثروة ومكاسب الموقع الاستراتيجي لخدمة مصالح القوى الخارجية، وهكذا يتجسد المشهد اليمني في المحافظات المحتلة كواحد من أبرز الأمثلة على التناقض بين ثراء الأرض وفقر الإنسان، وبين عظمة الموقع الجغرافي وقسوة الواقع الذي فُرض على أبنائه بفعل سياسات الهيمنة والاحتلال.

You might also like