من الزامل إلى الميدان.. كيف صنع الشهيد لطف القحوم مدرسةً خالدة في الإنشاد المقاوم؟
في مسيرة المشروع القرآني منذ بزوع فجره بقيادة شهيده المؤسس الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي “رضوان الله عليه” برزت شخصيات قرآنية صنعت حضورها بالكلمة والموقف، وخلّدت أسماءها بالعطاء والتضحية، وكان الشهيد المنشد لطف يحيى القحوم واحداً من تلك النماذج الاستثنائية التي تجاوزت حدود الفن والإنشاد لتصبح رمزاً من رموز الصمود والجهاد، فمنذ انطلاقته المبكرة في صفوف المسيرة القرآنية، حمل القحوم رسالة الوعي والبصيرة، وسخّر موهبته وصوته لخدمة قضايا الأمة، قبل أن ينتقل من منابر الإنشاد إلى ميادين المواجهة، مختتماً مسيرته بالشهادة التي توّجت سنوات طويلة من الجهاد والعطاء.
يمانيون| محسن علي
البدايات.. نشأة في رحاب المشروع القرآني
ارتبط اسم الشهيد لطف القحوم مبكراً بالمشروع القرآني الذي أسسه الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي، حيث كان من أوائل الشباب الذين تأثروا بأفكار ومبادئ المسيرة القرآنية القائمة على العودة إلى القرآن الكريم ومواجهة مشاريع الهيمنة والاستكبار، وفي ظل الظروف الصعبة التي عاشتها محافظة صعدة خلال المراحل الأولى من انطلاق المشروع القرآني، تشكل وعي القحوم الفكري والثقافي، فكان حاضراً في الأنشطة الثقافية والدورات التوعوية، ومؤمناً بأن المعركة الحقيقية تبدأ من بناء الإنسان وإحياء الهوية الإيمانية للأمة.
الحنجرة الذهبية التي ختمت مسيرتها بالشهادة
شكّل الشهيد المنشد لطف يحيى القحوم علامة فارقة في مسيرة الإنشاد الشعبي اليمني خلال العقدين الأخيرين، حيث ارتبط اسمه بالزامل الوطني والثقافي الذي واكب مختلف المحطات والأحداث التي شهدها اليمن، وتمكن بموهبته الفريدة وصوته العذب من الوصول إلى شرائح واسعة من المجتمع، حتى أصبح واحداً من أكثر المنشدين حضوراً وتأثيراً في الساحة اليمنية، كما استطاع بصوته المميز وأدائه المؤثر أن يحول الزامل الشعبي من لون تراثي محدود الانتشار إلى خطاب تعبوي حاضر في الميادين والجبهات والمناسبات الوطنية، قبل أن يختم مسيرته بالشهادة وهو في الصفوف الأمامية للدفاع عن وطنه وقضيته، ليصبح اسمه رمزاً يجمع بين الكلمة والموقف والفن والتضحية
الكلمة الملتزمة.. صوت في خدمة القضية
أدرك الشهيد لطف القحوم مبكراً أهمية الكلمة في صناعة الوعي وتحريك الجماهير، فاختار أن يجعل من صوته منبراً لنشر الثقافة القرآنية وتعزيز روح الصمود والثبات، وخلال سنوات المواجهة التي شهدتها صعدة، برز اسمه كواحد من أبرز المنشدين الذين رافقوا مراحل الصمود الأولى، حيث تحولت زوامله وأناشيده إلى رسائل تعبئة وتوعية، تنقل معاني التضحية والعزة والإيمان، وتستنهض همم المجاهدين في مختلف الميادين، ومع مرور الوقت أصبح صوته جزءاً من ذاكرة المشروع القرآني، وواحداً من أكثر الأصوات حضوراً وتأثيراً في الساحة الوطنية، لما امتاز به من صدق الأداء وقوة الرسالة وارتباطه الوثيق بقضايا الأمة.
رفيق الجبهات وصوت المجاهدين
لم يكن لطف القحوم من أولئك الذين يكتفون بإيصال الرسالة من بعيد، بل كان يرى أن الكلمة الصادقة يجب أن يرافقها موقف عملي، ولهذا ظل حاضراً إلى جانب المجاهدين في مختلف الجبهات، متنقلاً بين مواقع المواجهة، مشاركاً في الأنشطة التعبوية والثقافية، وموثقاً بصوته ووجدانه بطولات الرجال الذين واجهوا العدوان والحصار.
وقد شكّلت الجبهات بالنسبة له امتداداً طبيعياً للمشروع القرآني الذي آمن به، فكان يرى أن الدفاع عن الوطن والكرامة والسيادة واجب ديني وأخلاقي لا ينفصل عن مسؤولية التوعية والتثقيف.
مجدد الزامل اليمني وصاحب البصمة الخاصة
تميّز الشهيد لطف القحوم بأسلوب فني مختلف عن السائد، إذ مزج بين الألحان التراثية اليمنية والتجديد في الأداء والإيقاع، الأمر الذي منح الزامل الشعبي مساحة أوسع للانتشار والتأثير، وقد اعتبره العديد من المهتمين بالفن الشعبي أحد أبرز المجددين لهذا اللون الفني، بل إن بعض الكتاب والباحثين رأوا أنه أسهم في تأسيس مرحلة جديدة من فن الزامل اليمني الحديث، حيث لم تكن قوة تأثيره نابعة من جمال الصوت فحسب، بل من صدق التجربة التي عاشها، حيث جاءت كلماته وأداؤه معبرين عن واقع الناس وتطلعاتهم، وهو ما منح أعماله قبولاً واسعاً واستمرارية تجاوزت سنوات رحيله.
منشد الثورة الشعبية ومسيرة الصمود
مع اتساع حضور المسيرة القرآنية في المشهد الوطني، أصبح لطف القحوم أحد أبرز الأصوات التي رافقت التحولات الكبرى في اليمن، ففي مختلف المناسبات الوطنية والدينية والثقافية، كانت أعماله الفنية تحمل مضامين تعبوية ووحدوية، تؤكد على قيم الاستقلال والحرية والاعتماد على الله، وترفض الخضوع للهيمنة الأجنبية، وتمكن من إحداث نقلة نوعية في فن الزامل اليمني، حيث مزج بين الأصالة التراثية والرسالة المعاصرة، لتتحول أعماله إلى مدرسة فنية متكاملة أثّرت في جيل كامل من المنشدين والشعراء.
الشهادة.. خاتمة المجاهدين الصادقين
حين اشتدت المواجهة مع قوى العدوان الأمريكي السعودي الإماراتي وفصائلهم من المرتزقة المأجورين، لم يتردد الشهيد لطف القحوم في الالتحاق بميادين الجهاد في سبيل الله والدفاع عن المستضعفين والوطن، وظل حاضراً في ساحات المواجهة حتى ارتقى شهيداً في فبراير عام 2016، بعد مسيرة حافلة بالعطاء والتضحية، وجاء استشهاده ليجسد المعنى الحقيقي للانسجام بين القول والعمل، حيث ختم حياته بالطريقة التي عاش من أجلها، مدافعاً عن مبادئه وقيمه التي آمن بها منذ بدايات انخراطه في المشروع القرآني، وكان من آخر أعماله الفنية والإنشادية ” أشري يا هذه الدنيا جوازي.. ما أظن به حر ما أشر جوازه”.
ختاما..
لم ينهِ استشهاد لطف القحوم حضوره وتأثيره، بل زاد من مكانته في وجدان المجتمع اليمني، فما تزال زوامله وأناشيده الجهادية والثورية والحماسية تتردد في الساحات والفعاليات والمناسبات الدينية والوطنية، وما تزال سيرته تُستحضر كنموذج للمنشد المجاهد الذي جعل من موهبته سلاحاً في معركة الوعي، ومن حياته مشروعاً للجهاد والعطاء.