بعد بيان القوات المسلحة.. اليمن يعلن الانتقال عملياً إلى مرحلة كسر الحصار وفرض معادلات جديدة
شكل البيان الصادر عن المتحدث الرسمي للقوات المسلحة اليمنية محطة لافتة في مسارالتطورات العسكرية والسياسية والاقتصادية مع دول تحالف العدوان، وكان بمثابة إعلان رئيسي لمرحلة جديدة فاصلة عنوانها كسر الحصار وانتزاع الحقوق ودحر المحتلين، في مسار المواجهة مع تحالف العدوان الأمريكي السعودي وأذيالهم من الخونة المأجورين، تسعى من خلالها صنعاء إلى فرض معادلات عملية مختلفة لكسر القيود المفروضة منذ 12 عاما، بعدما أعلن العميد يحيى سريع التصدي لمحاولة تشكيل من الطيران الحربي للعدو السعودي منع هبوط طائرة مدنية إيرانية في مطار صنعاء الدولي، مؤكداً أن الدفاعات الجوية أجبرت الطائرات على مغادرة الأجواء، والتأكيد على جاهزية القوات المسلحة لتنفيذ أي خيارات تقررها القيادة.
يمانيون| محسن علي
لم يكن البيان العسكري مجرد كلمات يتناول حادثة ميدانية عابرة، بل حمل – وفق مضمونه – رسائل سياسية وعسكرية وشعبية متشابكة، رسمت ملامح مرحلة جديدة ترى صنعاء أنها تقوم على الانتقال من إدارة تداعيات الحصار إلى العمل على إنهائه، مستندة إلى ما تعتبره معادلة ردع متصاعدة، وحاضنة شعبية وقبلية واسعة، وتحركات عملية لتسيير الرحلات الجوية إلى مطار صنعاء كثمرة من ثمار التضحيات والصبر الاستراتيجي.
من الدفاع عن الأجواء إلى معركة كسر الحصار
اللافت في البيان أنه لم يكتف بالإعلان عن التصدي لمحاولة منع هبوط الطائرة، بل ربط تلك الواقعة بإطار أشمل يتعلق بالحصار المفروض على اليمن، معتبراً أن ما جرى يمثل امتداداً لسياسة استمرت قرابة أحد عشر عاماً، وفي هذا السياق، حمل البيان رسالة واضحة مفادها أن صنعاء لم تعد تنظر إلى الحصار باعتباره واقعاً قابلاً للاستمرار، بل قضية تعتزم التعامل معها بخيارات متعددة، تجمع بين الجاهزية العسكرية والتحرك السياسي والتعبئة الشعبية، كما أن التحذير من تكرار أي خرق للأجواء، والتلويح بالرد على المطارات والمصالح الحيوية في حال وقوع اعتداءات جديدة، يعكس سعياً إلى تثبيت معادلة ردع تهدف إلى رفع كلفة استمرار القيود المفروضة على اليمن، وأن أي محاولة لمنع ذلك قد تُواجَه بإجراءات تعتبرها القوات المسلحة مشروعة في إطار الدفاع عن البلاد.
معادلة ردع جديدة
يرى مراقبون أن البيان يرسخ خطاباً يقوم على أن أمن الأجواء اليمنية بات جزءاً من معادلة الردع، وأن أي محاولة للتأثير في حركة الطيران المدني قد تُقابَل بردود تتجاوز حدود الحادثة نفسها، ومن هذه الزاوية، يبدو أن صنعاء تسعى إلى نقل المواجهة من مرحلة ردود الفعل إلى مرحلة فرض قواعد اشتباك جديدة، تجعل استمرار الحصار أو عرقلة الملاحة الجوية مرتبطاً بحسابات أمنية وسياسية أكثر تعقيداً
رسائل ردع متعددة الاتجاهات
البيان حمل عدة رسائل متزامنة، تبدأ بتأكيد جاهزية منظومات الدفاع الجوي، وتمتد إلى التحذير من أي محاولات جديدة لخرق الأجواء، وصولاً إلى التلويح باستهداف المصالح الحيوية إذا تعرضت أجواء اليمن لأي اختراق جديد أو شن عدوانا عليه، ويقرأ مراقبون هذه الرسائل باعتبارها محاولة لترسيخ معادلة ردع جديدة تقوم على أن أي تصعيد في ملف الحصار قد يقابله تصعيد في ساحات أخرى، بما يجعل كلفة استمرار القيود أعلى من كلفة إنهائها.
صنعاء وطهران.. من رحلة جوية إلى رسالة استراتيجية
ومن أبرز الرسائل التي حملها البيان تأكيد استمرار الرحلات الجوية بين مطاري صنعاء وطهران، والإشادة بالمبادرة الإيرانية لتسيير رحلة نقلت مرضى وعالقين ووفداً رسمياً وشعبياً، وفي القراءة التحليلية، فإن هذا التأكيد يتجاوز الإعلان عن خط جوي، ليعكس توجهاً نحو تحويل كسر الحصار إلى ممارسة عملية، فإصرار البيان على استمرار الرحلات “مهما كانت النتائج والتداعيات” يوحي بأن صنعاء تنظر إلى هذا المسار باعتباره جزءاً من تثبيت واقع جديد في حركة الطيران، ورسالة بأن مطار صنعاء لن يبقى رهينة للقيود المفروضة عليه، كما أن استمرار الرحلات، إذا تواصل، قد يشكل اختباراً عملياً لحدود القيود المفروضة على المطار، وقد يفتح الباب أمام ترتيبات أو سجالات جديدة بشأن حركة الملاحة الجوية، ما يجعل استهداف المطارات السعودية في دائرة الأهداف المشروعة للجيش اليمني.
القبيلة اليمنية.. الحاضنة التاريخية في معركة السيادة
وفي الداخل، لم يغفل البيان البعد الشعبي، إذ دعا أبناء الشعب إلى مواصلة النفير العام ورفع الجهوزية استجابة لتوجيهات قائد الثورة السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي، وهو ما يعكس الرهان على الدور التاريخي للقبيلة اليمنية باعتبارها إحدى ركائز الحشد والإسناد، مستندة إلى حضورها التاريخي والبطولي في محطات الصراع المختلفة، وهو ما ترجمته القبائل في حشودها الهادرة بمختلف المحافظات الحرة منذ دعوة السيد القائد في بيانه الأخير بمناسبة العام الهجري الجديد, وحتى اليوم، وتلبيتها السريعة لدعوة قائد الثورة في النكف المسلح استعداد لخوض معركة التحرير الشامل وانتزاع الحقوق وكسر الحصار، باعتبارها ركيزة التعبئة في المرحلة المقبلة.
المشهد الإقليمي
إقليمياً، حمل البيان رسائل متعددة الاتجاهات؛ فمن جهة، وجّه تحذيرات من أي محاولات جديدة لعرقلة حركة الطيران، ومن جهة أخرى أكد استمرار التواصل الجوي مع طهران، بما يعكس رفض استمرار القيود على مطار صنعاء، وفي الوقت نفسه، يوحي البيان بأن ملف الحصار قد يتحول إلى أحد أكثر ملفات المرحلة المقبلة حساسية، وفي حال لم تعتبر السعودية من فشلها الذريع ، فإن صنعاء تؤكد مضيها في دك المصالح الحيوية للعدو السعودي في البر والبحر وفق ما أعلنه البيان.
قراءة في المشهد
سياسياً، يبدو أن البيان يتجاوز حدود الرد على حادثة ميدانية ليؤسس لخطاب عنوانه أن ملف الحصار دخل مرحلة أكثر حساسية، وأن صنعاء تسعى إلى تحويله إلى أولوية تتداخل فيها الأبعاد العسكرية والسياسية والإنسانية، كما يعكس البيان تمسك القيادة العسكرية بخيار الجمع بين الردع العسكري، والتحرك السياسي، والتعبئة الشعبية، باعتبارها ركائز متكاملة أثبتت قوتها وفاعليتها خلال المرحلة الماضية وإلى اليوم.
إيران وكسر العزلة الجوية
ومن أبرز ما تضمنه البيان الإشادة بالمبادرة الإيرانية لتسيير الرحلة الجوية إلى صنعاء، واعتبارها خطوة في اتجاه كسر الحصار الجوي، مع التأكيد على استمرار الرحلات بين صنعاء وطهران، ويكشف ذلك عن سعي صنعاء، وفق البيان، إلى تثبيت واقع جديد في حركة الملاحة الجوية، باعتبار تشغيل الرحلات جزءاً من معركة أوسع لإنهاء القيود المفروضة على المطار.
هذه الخطوة الإيرانية الجريئة لاقت ارتياحا منقطع النظير بين الأوساط الرسمية والشعبية ‘ وفي هذا السياق أوضح نائب وزير الخارجية اليمنية عبدالواحد أبوراس أن دور إيران في كسر الحصار على مطار صنعاء محل تقدير واعتزاز الشعب اليمني، مشيرا إلى أن هذه المبادرة تعكس عمق العلاقة الأخوية بين الشعبين اليمني والإيراني ، وتجسد الفارق بين طائرات تحمل المرضى والمسافرين والعالقين، وبين الطائرات السعودية التي تحمل القنابل والصواريخ.
من رحلة جوية إلى معادلة استراتيجية جديدة
لم يكن تأكيد القوات المسلحة اليمنية على استمرار الرحلات الجوية بين مطاري صنعاء وطهران مجرد إعلان عن خط ملاحي جديد، بل حمل – وفق قراءة لمضمون البيان – أبعاداً تتجاوز الجانب الإنساني إلى رسائل سياسية واستراتيجية، فالبيان أكد أن الرحلات ستستمر “مهما كانت النتائج والتداعيات”، وهو ما يعكس تمسك صنعاء بتحويل كسر الحصار من مطلب سياسي إلى واقع عملي، عبر تثبيت حركة الطيران المدني وإفشال أي محاولات لمنعها، كما أن الإشادة بالموقف الإيراني، وربطها باستمرار الرحلات، توحي بأن صنعاء تنظر إلى هذا المسار باعتباره جزءاً من جهود إنهاء العزلة الجوية المفروضة على البلاد، ورسالة بأن مطار صنعاء لن يبقى رهينة للقيود التي فرضتها الحرب خلال السنوات الماضية.
سيناريوهات الأيام القادمة
استناداً إلى ما ورد في البيان، يمكن تصور عدد من السيناريوهات المحتملة،:
السيناريو الأول.. تصعيد متبادل
قد يشهد الملف مزيداً من التوتر مع استمرار تبادل الرسائل العسكرية والإعلامية، والأيام القادم تحدد هذا المسار إما إرغام النظام السعودي على القبول بسيادة اليمن ورفع يده عن الشعب اليمني، وتوسيع حركة الطيران عبر مطار صنعاء وطهران، وإما فرض حصار يمني على مطارات السعودية وتكريس معادلة المطار بالمطار والميناء بالميناء.
السيناريو الثاني: لجوء السعودية إلى الضغط على طهران وصنعاء عبر المسار الديبلوماسي ممثلا بالأمم المتحدة، لإيجاد آلية تشغيلية للمطار ، بما يحفظ لها الخروج بماء الوجه من اليمن وهو ما دأبت عليه في مفاوضتها خلال مرحلة خفض التصعيد حرصا منها على إبقاء اليمن في حالة اللا سلم واللا حرب.
السيناريو الثالث: قيامها بتحريك ورقة المرتزقة التي بدأت بتحشيدهم في مطرح الريان بمحافظة الجوف، وتفجير الجبهات عسكريا ضد حكومة صنعاء، مع دعمهم ماليا وعسكريا، والإيهام أن ما يحدث شأن داخلي قبلي في اليمن لا علاقة لها به, وهذا لن يعفيها من تحمل المسؤولية على الإطلاق.
السيناريو الرابع: أن ترتكب حماقة عسكرية مجددا باختراق أجواء اليمن بسرب من طيرانها الحربي لقصف مدرج مطار صنعاء، أو توعز للكيان الصهيوني للقيام بذلك, وبذلك تجر الكيان وأمريكا مجددا إلى مستنقع اليمن التي لا تزال غارقة في وحله.
خاتمة
يؤشر بيان القوات المسلحة اليمنية إلى مرحلة يصفها بأنها مختلفة في التعامل مع ملف الحصار، إذ يجمع بين إعلان الجاهزية العسكرية، والدعوة إلى التعبئة الشعبية، والتأكيد على مواصلة العمل لإنهاء القيود المفروضة على مطار صنعاء، وبين هذه الرسائل، يبقى مسار الأحداث مرتبطاً بردود فعل الأيام القادمة، فيما إذا كانت المنطقة ستتجه نحو مزيد من التصعيد, فصبر اليمانيين نفذ، والمماطلة السعودية افتضحت ولن يستمر حصارها ومراوغتها ومماطلتها إلى ما لا نهاية، فالقبائل على أهبة الاستعداد والقوات المسلحة أياديها على الزناد تنتظر إشارة قائد الثورة فقط.