اتفاقية الدفاع الثلاثية.. مظلة نجاة سعودية أم اعتراف متأخر بفشل سياسة التحالفات ؟
لم يأت الإعلان عن اتفاقية الدفاع الثلاثية بين السعودية وتركيا وباكستان في ظرف طبيعي، بل جاء بعد سنوات من الاستنزاف العسكري والسياسي، وفي لحظة تواجه فيها الرياض تحديات أمنية متصاعدة، أبرزها الضربات التي تنفذها القوات المسلحة اليمنية والتي فرضت معادلات ردع غير مسبوقة، وأظهرت محدودية الخيارات العسكرية التي راهنت عليها المملكة طوال أكثر من عقد، ومن هذا المنظور، تبدو الاتفاقية الجديدة، وفق هذه القراءة، ليست إعلانًا عن ميلاد تحالف قوي بقدر ما هي محاولة سعودية للبحث عن مظلة أمنية جديدة بعد إخفاق سلسلة طويلة من التحالفات التي أنفقت عليها مليارات الدولارات دون أن تحقق الأهداف التي أُنشئت من أجلها، فمنذ انطلاق عدوانها العسكري في اليمن عام 2015، اعتمدت الرياض سياسة تقوم على تدويل المواجهة، والانتقال من تحالف إلى آخر، ومن إطار عسكري إلى إطار سياسي جديد، غير أن الوقائع الميدانية أظهرت أن تلك التحالفات لم تستطع كسر معادلات الردع التي فرضتها القوات المسلحة اليمنية، ولم تنجح في توفير الحماية الكاملة للعمق السعودي من الهجمات المتكررة، واليوم، وبعد أكثر من عشر سنوات من الحرب العدوانية على اليمن، تعود السعودية لتقديم تحالف جديد تحت عنوان “الدفاع المشترك”، في خطوة يراها مراقبون اعترافًا غير مباشر بأن كل الصيغ السابقة لم تحقق الغاية التي أُنشئت من أجلها، وأن المملكة ما زالت تبحث عن قوة خارجية تتقاسم معها عبء المواجهة وتمنحها شعورًا أكبر بالأمن.
يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي
من عاصفة الحزم إلى الدفاع الثلاثي .. رحلة البحث عن الحماية
يكشف تسلسل الأحداث أن السعودية انتقلت من تحالف إلى آخر دون أن تتمكن من بناء منظومة ردع مستقرة، بدأ الأمر بـ”عاصفة الحزم”، ثم التحالف الإسلامي، ثم مبادرات أمن البحر الأحمر، وصولًا إلى الاتفاقية الثلاثية الجديدة،
وفي كل مرة كانت الشعارات كبيرة، لكن النتائج الميدانية بقيت دون مستوى التوقعات، إذ تقلصت المشاركة الفعلية، وانسحب بعض الشركاء، بينما بقيت المملكة تتحمل العبء الأكبر سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا، ومن هنا يرى محللون أن الاتفاقية الجديدة ليست تعبيرًا عن فائض قوة، وإنما عن حاجة متزايدة إلى إعادة بناء شبكة حماية إقليمية بعد أن أثبتت السنوات الماضية أن التفوق في التسليح لا يعني بالضرورة القدرة على فرض الإرادة السياسية أو توفير الأمن الداخلي.
الاتفاقية .. شهادة جديدة على أزمة النظام العربي
إذا صحّ أن الأمن القومي العربي يفترض أن يُدار عبر مؤسساته الجماعية، فإن إنشاء تحالف دفاعي خارج الأطر العربية يفتح الباب أمام تساؤلات حول فعالية تلك المؤسسات، ومن هذا المنطلق، يُنظر إلى الاتفاقية باعتبارها مؤشرًا على تراجع الدور الذي يفترض أن تؤديه جامعة الدول العربية في منظومة الدفاع العربي المشترك، كما تعكس، وفق هذا الطرح، محدودية قدرة مجلس التعاون لدول الخليج العربية على توفير مظلة أمنية موحدة لدوله الأعضاء، فحين تبحث دولة محورية بحجم السعودية عن ترتيبات دفاعية خارج البيت العربي والخليجي، فإن ذلك يعكس أزمة ثقة في فعالية المنظومات القائمة، ويفتح نقاشًا أوسع حول مستقبل الأمن الجماعي العربي.
تحالف يولد مثقلًا بالتناقضات
ورغم الضجة الإعلامية التي صاحبت الإعلان، فإن الاتفاقية تواجه منذ لحظتها الأولى تحديات بنيوية، فتركيا ليست في وارد الدخول في مواجهة مفتوحة مع إيران، وباكستان لا تستطيع التضحية بعلاقاتها مع طهران أو الزج بجيشها في صراعات لا تمس أمنها القومي مباشرة، كما أن أنقرة عضو في حلف شمال الأطلسي، وتخضع قراراتها العسكرية لحسابات إقليمية ودولية معقدة، كما أن الدول الثلاث لا تتشارك تعريفًا واحدًا للتهديد، ولا تمتلك رؤية موحدة لطبيعة الخصوم أو حدود الالتزامات العسكرية، وهو ما يجعل الاتفاقية، وفق هذه القراءة، أقرب إلى تفاهم سياسي منها إلى تحالف قتالي قادر على خوض مواجهة مشتركة.
ختاما ..
في ميزان التحليل، لا تبدو اتفاقية الدفاع الثلاثية بداية مرحلة جديدة بقدر ما تبدو امتدادًا لمحاولات متكررة لإعادة إنتاج سياسة التحالفات التي لم تنجح في تغيير موازين الصراع، وبحسب هذا الطرح، فإن أي ترتيبات أمنية جديدة ستظل محدودة الأثر ما لم تُعالج الأسباب السياسية، وفي مقدمتها ملف العدوان والحصار، وأي تحالفات لن تحقق للسعودية شيء بل سترتفع تكاليفها هذه التحالفات مقابل الهزيمة المتكررة.