القطاع السمكي اليمني.. 12 عاماً من الاستنزاف والحصار وخسائر تتجاوز 15 مليار دولار
يمثل القطاع السمكي أحد أهم القطاعات الاقتصادية والإنتاجية في اليمن، لما يمتلكه البلد من شريط ساحلي طويل ومياه إقليمية غنية بالثروة البحرية، فضلاً عن ارتباطه المباشر بالأمن الغذائي ومصادر دخل مئات الآلاف من الأسر، غير أن هذا القطاع دفع، على مدى 12 عاماً، ثمناً باهظاً جراء ما تعرضت له البنية التحتية السمكية وموانئ الاصطياد ومراكز الإنزال والصيادون ومصادر الإنتاج من أضرار واسعة جراء بفعل العدوان والحصار الأمريكي السعودي، بالتوازي مع القيود المفروضة على حركة الصيد والاستثمار والتصدير، وما رافق ذلك من استنزاف للمخزون السمكي والبيئة البحرية.
وفي هذا السياق، أكد وكيل قطاع الثروة السمكية بوزارة الزراعة والثروة السمكية والموارد المائية، الدكتور فوزي الصغير، أن الخسائر التقديرية المباشرة وغير المباشرة التي لحقت بالقطاع السمكي تجاوزت 15 مليار دولار، وهي خسائر شملت مختلف حلقات النشاط السمكي، بدءاً من البنية التحتية والإنتاج والاصطياد، وصولاً إلى التصدير والاستثمار والصناعات المرتبطة بالقطاع.
يمانيون| محسن علي
البنية التحتية.. موانئ ومراكز إنزال تحت الاستهداف
طالت الأضرار بصورة مباشرة البنية التحتية للقطاع، حيث تعرضت موانئ الاصطياد ومراكز الإنزال ومختبرات الجودة والمنشآت المرتبطة بالتصدير للقصف والتدمير، وبحسب البيانات الرسمية، تعرض نحو 11 ميناءً ومركز إنزال سمكي للقصف المباشر، كان من أبرزها ميناء الاصطياد في الحديدة، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على قدرة الصيادين على ممارسة نشاطهم وعلى حركة تداول وتسويق المنتجات البحرية.
ولم تتوقف الخسائر عند تدمير المنشآت، إذ شملت كذلك تعطيل مشاريع استثمارية وعوائد تصديرية قدرت قيمتها بنحو ملياري دولار، فضلاً عن خسائر أخرى بمليارات الدولارات جراء أعمال الصيد الجائر والمنظم التي تمارسها سفن أجنبية في المياه الإقليمية اليمنية، وفق ما أوردته الجهات الرسمية.
الصيادون في مرمى الاستهداف
لم يكن الصياد اليمني مجرد متضرر اقتصادي من تداعيات الحرب والحصار، بل وجد نفسه أمام مخاطر تهدد حياته بصورة مباشرة، وتشير البيانات الرسمية إلى استشهاد أكثر من 272 صياداً وإصابة أكثر من 214 آخرين، لتتجاوز حصيلة الضحايا 490 شهيداً وجريحاً، هذه الأرقام تستحضر جرائم استهداف الصيادين في عرض البحر، ومن بينها مجزرة عقبان وكدمان في أكتوبر 2015م، التي راح ضحيتها نحو 100 صياد، في واحدة من أكثر الوقائع دموية التي طالت العاملين في قطاع الصيد.
وإلى جانب جرائم القتل والإصابة، تعرض الصيادون وقواربهم لعمليات اعتراض واحتجاز وملاحقة، حيث سجلت الفترة بين عامي 2015 و2023 نحو 1458 حالة احتجاز لقوارب الصيد، و181 حالة اعتراض، فيما تعرض 493 قارباً للقصف المباشر، وتضرر 571 بحاراً، كما أسهمت تداعيات الحرب والمخاطر التي فرضتها على المناطق الساحلية في تهجير نحو 50 ألف شخص، فيما فقد أكثر من 21 ألفاً و600 شخص مصادر دخلهم الأساسية المرتبطة بالنشاط البحري.
عسكرة البحر واستنزاف المخزون السمكي
لم تقتصر تداعيات الحرب والحصار على موانئ الصيد والسكان الساحليين، بل امتدت إلى المياه الإقليمية نفسها، التي تحولت، وفق التقارير الرسمية، إلى مناطق عالية المخاطر نتيجة الانتشار العسكري والوجود البحري الأجنبي، حيث أدى ذلك إلى تضييق نطاق حركة الصيادين اليمنيين، ومنع كثير منهم من الوصول إلى مناطق الصيد، في الوقت الذي استمرت فيه السفن الأجنبية في ممارسة أنشطة صيد وصفتها الجهات المختصة بالجائر وغير القانوني والمنظم، وفي المقابل، تعرضت البيئة البحرية لأضرار إضافية نتيجة جرف الشعاب المرجانية وتدمير أجزاء من البيئة البحرية، فضلاً عن جرف المخزون السمكي وترك المخلفات وتلويث المياه، الأمر الذي يهدد استدامة الموارد البحرية على المدى البعيد.
وهكذا وجد الصياد اليمني نفسه أمام معادلة شديدة الصعوبة: بحر غني بالثروة، لكنه محفوف بالمخاطر، ومصدر رزق مفتوح أمام الاستنزاف الخارجي، بينما تضيق أمام الصياد المحلي مساحات الوصول والعمل.
الصادرات السمكية.. تراجع حاد يفقد اليمن جزءاً من أسواقه
انعكست هذه التداعيات بصورة واضحة على صادرات اليمن من المنتجات البحرية، التي كانت تمثل ثاني أكبر مصدر للصادرات الوطنية بعد النفط والغاز، فقد تراجعت الصادرات السمكية بنسبة بلغت 83.7 بالمائة، لتنخفض من نحو 46 ألفاً و300 طن عام 2014م إلى 7521 طناً فقط عام 2025م، ويكشف هذا التراجع حجم الضربة التي تلقاها القطاع خلال سنوات الحرب والحصار، بعدما كانت الأسواق الخارجية تستوعب أكثر من 60 بالمائة من الإنتاج السمكي اليمني، ولا سيما السوق السعودية، بحسب البيانات الواردة في التقرير.
ولا يقتصر أثر انخفاض الصادرات على خسارة الأسواق الخارجية، بل يمتد إلى تقليص عوائد العملة الأجنبية، وتراجع نشاط الصناعات المرتبطة بالتعبئة والتغليف والتبريد والنقل والتسويق، وبالتالي إضعاف سلسلة القيمة الاقتصادية للمنتج البحري.
مفارقة السوق.. ثروة بحرية كبيرة ومنتجات مستوردة
في الوقت الذي يمتلك فيه اليمن واحدة من أغنى المناطق السمكية في المنطقة، يواجه المنتج المحلي منافسة غير متكافئة داخل السوق الوطنية، ومن أبرز مظاهر هذه المفارقة دخول كميات كبيرة من المنتجات البحرية المصنعة، وفي مقدمتها التونة المعلبة، إلى السوق اليمنية، الأمر الذي يضع الصناعات المحلية أمام تحديات إضافية، ويحد من فرص توطين الصناعات التحويلية والاستفادة من القيمة المضافة للثروة البحرية.
الصيادون.. دائرة متشابكة من الفقر وارتفاع التكاليف
خلف الأرقام الاقتصادية الكبيرة، يعيش مئات الآلاف من الصيادين وأسرهم أوضاعاً معيشية صعبة، بعدما تراجعت قدرة القطاع على توفير دخل مستقر، فارتفاع أسعار الوقود، وصعوبة الوصول إلى مناطق الصيد، وارتفاع تكاليف تشغيل القوارب وشراء المحركات ومستلزمات الإنتاج، كلها عوامل إجرامية من قبل تحالف العدوان أدت إلى تضاعف تكلفة رحلات الصيد، وأثقلت كاهل الأسر التي تعتمد بصورة رئيسية على البحر كمصدر للدخل، وفي المقابل، تقلصت مداخيل كثير من الصيادين إلى مستويات لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، ما دفع شريحة واسعة منهم إلى تراكم الديون والدخول في دائرة اقتصادية يصعب الخروج منها.
تراجع الجمعيات السمكية وتوسع نفوذ الوسطاء
تأثرت الجمعيات السمكية بدورها بالأزمة الاقتصادية وشح التمويل والسيولة، بعد أن كانت تؤدي دوراً مهماً في توفير الخدمات والتمويل والتسويق للصيادين، ومع تراجع هذا الدور، توسع نفوذ الوسطاء وتجار الجملة في سلاسل توريد المنتجات البحرية، ما جعل الصياد في موقع تفاوضي أضعف، وأتاح للوسطاء فرض شروطهم على عمليات الشراء والتسويق.
وتنعكس هذه المعادلة في النهاية على دخل الصياد وعلى أسعار المنتج للمستهلك، في ظل غياب منظومة متكاملة ومستقرة تربط الصياد مباشرة بالأسواق وتضمن له عائداً أكثر عدالة.
الصمود رغم الخسائر.. إنتاج يتجاوز 39 ألف طن
وعلى الرغم من حجم الأضرار، لم يتوقف القطاع السمكي بصورة كاملة، بل واصل نشاطه الإنتاجي، في مؤشر على امتلاك القطاع قدرة عالية على الصمود والاستعادة، وأوضح الدكتور فوزي الصغير أن إنتاج الصيد التقليدي في البحر الأحمر خلال عام 2025م بلغ نحو 39 ألفاً و549 طناً، بقيمة تقدر بـ 33 ملياراً و212 مليون ريال، وتعكس هذه الأرقام، رغم محدوديتها مقارنة بالإمكانات الفعلية، وجود قاعدة إنتاجية لا تزال قادرة على النمو، خصوصاً إذا ما توافرت مستلزمات الإنتاج والأمن البحري والبنية التحتية والتمويل المناسب.
سلاسل القيمة.. محاولة لإعادة تنظيم القطاع
وفي إطار جهود تطوير القطاع، شهد العمل التنموي خلال الفترة الأخيرة توجهات تستند إلى مفهوم سلاسل القيمة، عبر تشكيل مجاميع إنتاجية وتنفيذ مشاريع للقروض الميسرة وتمكين الصيادين وتوفير القوارب والمحركات، بإسهام من الهيئة العامة للزكاة في توفير عدد من مستلزمات العمل للصيادين، بالتوازي مع إطلاق مشروع الصيد التعاقدي بهدف تصريف كميات كبيرة من الأسماك والمساهمة في استقرار الأسعار وتحسين فرص التسويق.، جميعها تهدف إلى معالجة عدد من الاختلالات التي تراكمت خلال سنوات الحرب، ولا سيما ضعف التمويل والتسويق وارتفاع تكاليف الإنتاج.
تأهيل ميناء الحديدة والتحول الرقمي
وفي مجال البنية التحتية، جرى العمل على تأهيل ميناء الاصطياد بالحديدة، بما في ذلك تعميق بوابته البحرية ورصف ساحاته وإنشاء مبانٍ إدارية ومراكز للإنزال، كما شهد القطاع خطوات باتجاه التحول الرقمي من خلال إصدار آلاف رخص الصيادين والتصاريح الإلكترونية، إلى جانب البدء في تطبيق آليات البيع بالوزن، بما يسهم في تنظيم النشاط السمكي وتحسين الرقابة على حركة المنتجات.
البحث العلمي.. من الصيد إلى الاستزراع والصناعات التحويلية
ولم تغب الأبحاث والدراسات عن مسار تطوير القطاع، إذ أنجزت الهيئة العامة لأبحاث علوم البحار والأحياء المائية أدلة علمية ودراسات جدوى تتعلق بتطوير الاستزراع السمكي والصناعات التحويلية.، حيث شملت هذه التوجهات مشاريع مرتبطة بتعليب الأسماك، ومنها الباغة، إضافة إلى إنتاج مسحوق وزيت السمك، بما يفتح المجال أمام تعظيم القيمة الاقتصادية للموارد البحرية والاستفادة من المنتجات ومخلفات التصنيع.
“ساحل تهامة”.. نموذج للتكامل المجتمعي
وتبرز تجربة جمعية ساحل تهامة التعاونية السمكية بوصفها أحد النماذج التي تسعى إلى بناء منظومة أكثر تكاملاً لخدمة الصيادين والمجتمعات الساحلية، وتشمل أنشطة الجمعية توفير محطات وقود ومصانع ثلج منخفضة التكلفة، وتفعيل وكالات التسويق في عدد من المحافظات، إلى جانب تنفيذ مبادرات بيئية وتنموية، بينها مشاتل المانجو ومحطات المياه وبعض الخدمات الإنسانية والتعليمية، وتعكس هذه التجربة أهمية الدور الذي يمكن أن تؤديه الجمعيات التعاونية في تخفيف أعباء الإنتاج عن الصيادين وربطهم بالأسواق، خصوصاً في ظل ارتفاع تكاليف التشغيل وضعف التمويل.
ثروة واعدة تنتظر بيئة آمنة للاستثمار
ورغم سنوات الاستنزاف، لا يزال القطاع السمكي اليمني يحتفظ بمقومات كبيرة تؤهله ليكون أحد محركات التعافي الاقتصادي في البلاد، بالنظر إلى حجم الموارد البحرية وتنوعها، وارتباطها المباشر بالأمن الغذائي وفرص العمل والتصدير، غير أن الاستفادة من هذه الإمكانات تتطلب إعادة بناء البنية التحتية، وتوفير التمويل للصيادين والجمعيات، وتطوير الصناعات التحويلية، وحماية البيئة البحرية، وتنظيم عمليات الصيد، وفتح الأسواق أمام المنتجات اليمنية، كما تتطلب معالجة آثار السنوات الماضية حماية الصيادين من المخاطر والانتهاكات، ووضع حد لاستنزاف المخزون السمكي، وإعادة تأهيل الموانئ ومراكز الإنزال، وتوفير الظروف الملائمة للاستثمار المحلي.
ختاما
وبينما أظهرت سنوات الحرب حجم الاستنزاف الذي تعرض له هذا القطاع، فإن استمرار الإنتاج رغم كل التحديات يؤكد في المقابل أن البحر اليمني لا يزال يمتلك القدرة على النهوض؛ وأن استعادة هذه الثروة لمكانتها الاقتصادية والإقليمية يمكن أن تشكل رافعة حقيقية للتنمية، متى ما توافرت لها الحماية والاستثمار والبنية التحتية والأسواق.