مع اقتراب 12 ربيع أول.. صنعاء المنورة تضيء سماء اليمن بالزين النبوية الخضراء

 تتسارع في العاصمة صنعاء وبقية المحافظات اليمنية الحرة الاستعدادات الرسمية والشعبية لإحياء ذكرى المولد النبوي الشريف للعام 1448هـ، فيما بدأت الشوارع والحدائق والساحات تتوشح بالأضواء الخضراء واللوحات الترحيبية، إيذانًا باقتراب الفعالية الكبرى في الثاني عشر من ربيع الأول، وبينما تنشغل الجهات الخدمية والتنظيمية بتجهيز الساحات وتحسين الطرق وتنظيم حركة المرور، ينخرط المواطنون في الأحياء والمديريات في أمسيات وفعاليات ومبادرات تعكس مكانة الذكرى في وجدان اليمنيين وارتباطهم العميق بنبي الإسلام محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

يمانيون| محسن علي
من مداخل صنعاء إلى حدائقها وشوارعها، تشهد الأمانة والمحافظة حراكًا واسعًا ومتعدد المستويات استعدادًا لإحياء المولد النبوي الشريف، في مشهد يجمع بين التهيئة الرسمية والتفاعل الشعبي، وقد بدأت أمانة العاصمة والجهات التنفيذية والخدمية التابعة لها تنفيذ خطط ميدانية تشمل تزيين الشوارع والحدائق والساحات، ورفع مستوى النظافة، وصيانة الأرصفة، وتحسين المظهر العام، إلى جانب تجهيز مواقع الاحتفال وتنظيم حركة السير.
وتبرز الزينة الضوئية بوصفها أحد أكثر مظاهر الاستعداد حضورًا في المشهد العام، فقد اكتست حدائق السبعين والثورة وغيرها من حدائق العاصمة بالأضواء الخضراء، فيما ركبت اللوحات واللافتات الترحيبية على أسوار حديقة السبعين، امتدادًا من البوابة الشمالية مرورًا بميدان السبعين إلى البوابة الجنوبية، ومع حلول المساء، تنعكس الأضواء على النوافير والممرات والأشجار والمجسمات الجمالية، فتتحول المساحات العامة إلى واجهات احتفالية تستقبل العائلات والزوار.
ولم تقتصر أعمال التزيين على تركيب المصابيح واللوحات، بل شملت تشكيل الأشجار والمجسمات النباتية، وتهذيب المسطحات الخضراء، وصيانة الممرات والنوافير، وطلاء الأرصفة والبردورات، وتهذيب الأشجار وغرسها في الجزر الوسطية. وتمنح هذه الأعمال المشهد بعدًا جماليًا وخدميًا في آن واحد، إذ تتزامن الزينة مع تهيئة الأماكن العامة لاستقبال المشاركين في الفعاليات المكرسة للمناسبة.
وفي ميدان السبعين والكلية الحربية، تتواصل التجهيزات المرتبطة بالفعالية المركزية المقررة في الثاني عشر من ربيع الأول، بما في ذلك إعداد الساحات والمداخل ومواقف السيارات، واستكمال الجوانب الخدمية والتنظيمية والفنية، فضلًا عن تحسين الشوارع المؤدية إلى مواقع الاحتفال،  وتعكس هذه الترتيبات طبيعة المناسبة التي تستقطب حضورًا شعبيًا واسعًا، وتحتاج إلى تنسيق بين الجهات الرسمية واللجان الميدانية والمبادرات المجتمعية.

حراك رسمي يتسع في المحافظات
لا يقتصر الاستعداد على صنعاء، إذ تتواصل في عدد من المحافظات الحرة لقاءات التنسيق والفعاليات التحضيرية والأنشطة الثقافية والتوعوية، بالتوازي مع أعمال الإنارة والتزيين في الشوارع والمباني والساحات، وتظهر التقارير أن المحافظات تتجه إلى تنظيم برامج متنوعة، تشمل الأمسيات والمحاضرات والندوات ومجالس الذكر، إلى جانب المبادرات الاجتماعية وأعمال الإحسان والتكافل.
وفي ذمار، شملت مظاهر الاستعداد تزيين الشوارع والأحياء بالزينة الضوئية والأعلام والكتابات الجدارية، فيما شهدت مديريات أخرى فعاليات احتفالية مرتبطة بذكرى المولد، كما تتواصل في الحديدة والمحويت وصعدة ومأرب والبيضاء والضالع وغيرها أنشطة ولقاءات وبرامج تعبّر عن اتساع المشاركة الرسمية والمجتمعية في الإعداد للمناسبة.
ويحمل هذا الانتشار في المدن والأرياف دلالة تتجاوز الجانب البصري للاحتفال؛ فالزينة الضوئية والأعلام والعبارات الترحيبية تتحول إلى لغة شعبية معلنة للتعبير عن الفرح بالمولد، فيما تمنح الفعاليات الثقافية والدينية المناسبة مضمونًا معرفيًا وتربويًا يربط الاحتفاء بالسيرة النبوية ودروسها.

كيف يحيي اليمنيون ذكرى المولد؟
يحيي اليمنيون المولد النبوي عبر مزيج من الفعاليات الدينية والثقافية والاجتماعية، ففي الأحياء والمديريات تقام الأمسيات ومجالس الذكر، وتلقى المحاضرات حول حياة الرسول وسيرته وأخلاقه، بينما تنظم المدارس مسابقات ثقافية وإذاعات مدرسية وندوات تتناول شمائله ومواقفه ودوره في بناء مجتمع قائم على الإيمان والعدل والتراحم، فيما تحتل الموشحات والمدائح النبوية والشعر مساحة بارزة في الاحتفالات، إذ يستعيد المنشدون والشعراء تراثًا إنشاديًا يعبّر عن المحبة والتوقير والتعظيم، حيث تمنح هذه الفنون المناسبة طابعها الروحاني، وتحوّل الساحات والأحياء إلى فضاءات تتداخل فيها الكلمة والإنشاد والذكر مع مشاهد الزينة والأنوار،  كما تشارك القطاعات الشبابية والرياضية في إحياء الذكرى من خلال البطولات والمسابقات والأنشطة الثقافية، بما يربط المناسبة بالنشء والشباب، ويجعلها فرصة للتعريف بسيرة الرسول وقيمه في الصدق والشجاعة والتعاون وتحمل المسؤولية، وتواكب ذلك مبادرات اجتماعية وأعمال إحسان وتكافل وخدمة للمجتمع، في محاولة لترجمة المحبة إلى فعل ملموس يلامس حياة الناس.

حب وشوق يتجددان كل عام
لا ينظر اليمنيون إلى المولد النبوي باعتباره مناسبة عابرة في الروزنامة الدينية، بل يعدونه موعدًا سنويًا لتجديد الصلة بالرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم واستحضار مكانته في الوعي والوجدان، ويتجلى هذا الارتباط في مشاركة الأسر والشباب والطلاب والعاملين، وفي حرص الأحياء على تنظيم الفعاليات، وفي تنافس الناس على تزيين المنازل والمحلات والشوارع، ويأخذ هذا الشعور طابعًا وجدانيًا واضحًا؛ فالمولد، في الوعي الشعبي، يوم ميلاد النبي الذي أخرج الناس من ظلمات الجهل إلى نور الهداية، وحمل رسالة الرحمة والعدل والكرامة، لذلك يعبّر الشعب اليمني عن شوقهم إلى هذه الذكرى بالصلاة والسلام والمدائح، وبالإنشاد والاحتشاد، وبالحديث عن شمائله وسيرته، وبالتأكيد على الاقتداء بأخلاقه في التعامل مع الأسرة والمجتمع.
غير أن القيمة الأعمق للاحتفال تبقى في قدرته على تجاوز المظاهر إلى السلوك، فحب الرسول لا يكتمل بالقول وحده، بل يظهر في الصدق والأمانة والرحمة، وإغاثة المحتاج، وصون كرامة الإنسان، والتعاون، والإحسان إلى الجار، وخدمة الناس. ومن هنا تأتي أهمية الفعاليات التي تجعل السيرة موضوعًا للدرس والحوار، لا مجرد خلفية رمزية للاحتفال.

صنعاء المنورة.. مشهد يستعد للفعالية الكبرى
تتقدم صنعاء المشهد الاحتفالي بوصفها مركزًا للفعاليات المركزية، لكنها في الوقت نفسه تعكس مشاركة شعبية واسعة تمتد من المديريات إلى الحارات والمنازل والمحال التجارية ، فالمدينة التي تضيء حدائقها وشوارعها باللون الأخضر تستعد أيضًا عبر الأعمال الخدمية والبرامج الثقافية والأنشطة المجتمعية، في صورة تجمع بين التحسين الحضري والتعبير الإيماني.
ومع اقتراب الثاني عشر من ربيع الأول، تبدو الاستعدادات وكأنها مراحل متتابعة: تزيين وإنارة، ثم فعاليات تحضيرية، ثم أمسيات ومجالس وندوات، وصولًا إلى التجمع المركزي الذي يختزل فرح اليمنيين بالمولد ويكشف حجم حضور الذكرى في حياتهم العامة، وفي هذا التدرج، تتحول المناسبة إلى موسم ثقافي وروحي واجتماعي، تتقاطع فيه جهود المؤسسات مع مبادرات المواطنين.

ختاما
حين تضيء صنعاء حدائقها وشوارعها بالأنوار الخضراء، وحين تتزين المحافظات الحرة وتعلو الموشحات وتنعقد مجالس الذكر، لا يكون اليمنيون بصدد الاحتفال بتاريخ بعيد فحسب، بل يستعيدون علاقة حية بنبي أحبوه وتعلقوا بسيرته وشمائله، كما أن الاستعدادات الجارية للمولد النبوي 1448هـ، بما فيها من تجهيز رسمي وتفاعل شعبي وزينة ضوئية وفعاليات ثقافية وأعمال تكافل، تكشف أن الذكرى حاضرة في وجدان الناس بوصفها مناسبة للحب والشوق والوفاء.
وفي الثاني عشر من ربيع الأول، ستتجه الأنظار إلى الفعالية الكبرى، لكن الاحتفال الحقيقي يتجاوز يوم المناسبة إلى ما تتركه السيرة من أثر في السلوك العام: رحمةً وتعاونًا وصدقًا وإحسانًا وثباتًا على القيم، فكلما تحولت الأضواء التي تملأ الشوارع إلى نور في القلوب، وتحولت المدائح إلى أخلاق، وتحول الحضور إلى خدمة للناس، اقترب الاحتفاء من معناه الأصيل؛ احتفاءً بمولد رسول الإسلام، وتجديدًا للعهد بمنهجه، وتعبيرًا عن محبة لا تنطفئ.

You might also like