في ذكرى رحيل رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه .. الشهادة مسؤولية تتجدد وبناء لا يتوقف

تحل ذكرى استشهاد المجاهد أحمد غالب الرهوي، رئيس مجلس الوزراء، وعدد من رفاقه الوزراء والزملاء في رئاسة الوزراء، الذين ارتقوا شهداء إثر الغارة الإسرائيلية التي استهدفتهم وهم يؤدون واجبهم في مرحلة استثنائية من تاريخ اليمن والأمة، وتحمل هذه الذكرى دلالات تتجاوز استحضار أسماء الشهداء ومناقبهم؛ فهي تستعيد نموذجاً لرجال ارتبطت مسؤولياتهم العامة بمرحلة بالغة الصعوبة، شهدت العدوان والحصار والتحديات الاقتصادية والسياسية، وصولاً إلى انخراط اليمن في موقفه المعلن تجاه قضية فلسطين والحرب على غزة.

يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي

 

 

رجال مسؤولية لا رجال مناصب

تكمن إحدى أبرز دلالات الذكرى في تقديم الرهوي ورفاقه باعتبارهم رجال مسؤولية قبل أن يكونوا رجال مناصب، فالمنصب، مهما كان موقعه، يبقى مؤقتاً، بينما المسؤولية الحقيقية تظهر عندما تصبح كلفة أداء الواجب مرتفعة،
ومن هذه الزاوية، تتحول سيرتهم إلى درس في مفهوم العمل العام، المسؤول ليس من يشغل موقعاً فحسب، بل من يحمل أمانته بإخلاص، ويحافظ على حضوره وأدائه في أصعب الظروف، ولهذا فإن تخليدهم لا ينبغي أن يقتصر على استحضار أسمائهم، بل على استحضار القيم التي ارتبطت بمسيرتهم، الإخلاص، والصدق، والثبات، وتحمل المسؤولية، وخدمة الوطن والشعب.

 

فلسطين.. اختبار للموقف

يحتل الموقف اليمني من قضية فلسطين ومظلومية الشعب الفلسطيني في غزة موقعاً مركزياً في الخطاب المرتبط بهذه الذكرى، فهذا الموقف قُدّم باعتباره تعبيراً عن رفض الوقوف متفرجاً أمام المأساة الإنسانية التي يعيشها الفلسطينيون، وعن قناعة بأن نصرة المظلوم ليست شعاراً عابراً، وإنما مسؤولية أخلاقية وإنسانية تُختبر عند الشدائد، وفي هذا السياق، أصبحت التضحيات التي قدمها اليمنيون جزءاً من سردية تؤكد أن المواقف الكبرى لا تُقاس فقط بالكلمات، وإنما بما يتحمله أصحابها من تبعات وتضحيات.

 

الشهادة.. من الفقد إلى الدافع

إن استحضار الشهداء لا ينبغي أن يتحول إلى مناسبة للحزن وحده؛ فالرسالة الأعمق التي تحملها الذكرى هي أن تتحول التضحيات إلى قوة تدفع الأحياء إلى مضاعفة العمل، فالوفاء الحقيقي للشهيد لا يكون فقط بإحياء ذكراه، وإنما بالحفاظ على القيم التي عاش من أجلها، وترجمة المسؤولية إلى إنجاز، والموقف إلى عمل، والتضحية إلى بناء، ومن هنا تبرز معادلة مهمة، إذا كانت الشهادة نهاية حياة الفرد، فإنها في الذاكرة الجماعية بداية لمسؤولية الآخرين.

 

من التضحيات إلى بناء الدولة

إن أهم ما تفرضه الذكرى هو الانتقال من استحضار التضحيات إلى استثمار معناها في بناء الدولة وتحسين حياة الناس، فترسيخ المؤسسات، ورفع كفاءة الإدارة، وحماية المال العام من الهدر، وتحسين الخدمات، وتطوير الكوادر، وتعزيز الانضباط والتنسيق؛ كلها صور عملية للوفاء بالشهداء، ولا يمكن أن يكون تخليد الشهداء مجرد فعاليات سنوية إذا لم ينعكس على مستوى الأداء العام، فكل مؤسسة تتطور، وكل خدمة تتحسن، وكل مسؤول يؤدي أمانته بإخلاص، يمثل امتداداً عملياً للقيم التي يُستحضر الشهداء من أجلها.

 

الذكرى.. اختبار للوفاء

بعد مرور عام على استشهاد الرهوي ورفاقه، تبقى الذكرى محطة لإعادة تقييم معنى المسؤولية الوطنية في زمن الأزمات، لقد رحل الأشخاص، لكن المسؤولية لم ترحل؛ والمؤسسات التي خدموا فيها مطالبة بمواصلة العمل، والمجتمع مطالب بتحويل التضحيات إلى طاقة بناء، والأجيال الجديدة مطالبة بأن تتعلم من سيرتهم أن قيمة الإنسان لا تُقاس بالموقع الذي يشغله، وإنما بما يقدمه من أجل وطنه وشعبه،
ومن هنا فإن أعظم وفاء للشهداء ليس أن نتذكر أسماءهم مرة كل عام، وإنما أن نسأل أنفسنا كل يوم هل نؤدي مسؤولياتنا بالصدق الذي أدوا به مسؤولياتهم؟ وهل نحافظ على الأمانة التي حملوها؟ وهل تتحول تضحياتهم إلى عمل وبناء وإنجاز؟ إن الذكرى الحقيقية ليست يوم رحيلهم فقط، بل كل يوم يتحول فيه الوفاء إلى عمل، والتضحية إلى إنجاز، والمسؤولية إلى بناء.
رحم الله أحمد غالب الرهوي ورفاقه، وكل شهداء اليمن وفلسطين، وشفى الله الجرحى، وجعل تضحيات الشهداء دافعاً لمزيد من الثبات والعمل والبناء والعزة والكرامة.

You might also like