السلطان راشد عبدالباقي فارس الكندي ثاني سلاطين الشحر من آل إقبال
[547 - 575هـ / 1152 - 1180م]
يعتبر السلطان راشد بن عبدالباقي بن فارس بن راشد بن إقبال بن محفوظ الكندي، أحد حكام اليمن في القرن السادس الهجري، وثاني سلاطين دولة آل إقبال الكندية، المعروفة كذلك في مرحلتها الأولى بـ”دولة آل فارس”، التي قامت في الشحر بحضرموت واتخذتها عاصمة لها.
ينتمي السلطان راشد إلى أسرة كندية تولت السلطة في ساحل حضرموت الجنوبي، وتمكنت من إقامة إمارة ذات نفوذ على الشحر ومناطق الساحل الحضرمي.
وقد تولى راشد الحكم عقب وفاة والده عبدالباقي بن فارس سنة 547هـ/1152م، فواصل مسيرة أسرته في حكم الشحر وساحل حضرموت.
وتبرز أهمية عهده في أنه يمثل المرحلة الثانية من قيام الإمارة الكندية الأولى، كما أن نهاية حكمه ارتبطت بالتوسع الأيوبي في اليمن وحضرموت، وما ترتب على ذلك من سقوط إمارة آل إقبال الأولى وزوال استقلالها، وفيما يلي نبذة عنه.
يمانيون / صالح مقبل فارع
◆ الاسم والأسرة والانتماء:
هو السلطان راشد بن عبدالباقي بن فارس بن راشد بن إقبال بن محفوظ الكندي.
وهو ينتمي إلى أسرة آل فارس، التي هي آل إقبال التي تنتمي إلى قبيلة “كندة” القبيلة العربية اليمنية المشهورة، وأسرته هي التي حكمت الشحر وأسست دولة فيها وأصبح لها نفوذا سياسيا في الشحر وساحل حضرموت، في القرن السادس الهجري، الثاني عشر الميلادي.
وكان عبدالباقي بن فارس والد السلطان راشد هو الحاكم السابق، وبعد وفاته انتقلت السلطة إلى ابنه راشد، وبذلك استمر حكم الأسرة في الشحر دون انقطاع في بداية عهده.
◆ المنصب، والمكانة السياسية:
يعتبر السلطان راشد بن عبدالباقي فارس أحد ملوك اليمن وحكامها، وثاني سلاطين دولة آل فارس/ آل إقبال الكندية، الذي حكم الشحر في القرن السادس الهجري، الثاني عشر الميلادي، عاصمته الشحر.
أما دولة آل إقبال الكندية الأولى (آل فارس) [540 – 575هـ / 1145 – 1180م]: فهي إحدى الدول اليمنية التي تأسست في اليمن وحكمته في القرون الوسطى بعد استقلاله عن الدولة العباسية، تأسست في الشحر، حضرموت، إمارة ذاتية استقلت فيما بعد وأصبحت دولة مستقلة؛ هي إمارة آل إقبال الكندية، وكان تأسيسها في القرن السادس الهجري، الثاني عشر الميلادي، عام [540هـ/1145م]، على أنقاض الدولة الزريعية، في محافظة حضرموت، مدينة الشحر، على يد مؤسسها: عبدالباقي بن فارس بن راشد، وكانت عاصمتها الشحر، وحكمت الساحل الجنوبي لحضرموت، ساحل بحر العرب، وعاصرت: عدة إمارات في حضرموت، وآخر الدولة الزريعية في عدن، والزيدية في صعدة، والحاتمية في صنعاء والمهدية في زبيد، واستمرت:0 35 عاما، خلال الفترة: [540 – 575هـ / 1145 – 1180م]، وتعاقب على حكمها بعد التأسيس شخصان هما: مؤسس دولة آل إقبال الأولى عبدالباقي بن فارس بن راشد محفوظ [540 – 547هـ / 1145 – 1152م]، وابنه راشد عبدالباقي فارس [547 – 575هـ / 1152 – 1180م]، وانتهت دولة آل إقبال الأولى (دولة آل فارس) عام [575هـ/1180م] على يد الدولة الأيوبية، وكان آخر حكامها هو راشد عبدالباقي فارس، الذي قتله الجيش الأيوبي بقيادة علي بن مهدي عام [575هـ /1180م] واستولوا على دولته.
◆ توليه الحكم:
تولى السلطان راشد عبدالباقي فارس الحكم بعد وفاة أبيه عبدالباقي سنة [547هـ/1152م].
◆ مدة الحكم:
استمر حكم السلطان راشد عبدالباقي فارس 28 سنة، من سنة [547هـ/1152م]، إلى سنة [575هـ /1180م]، وذلك خلال الفترة: [547 – 575هـ / 1152 – 1180م]، فحكم الشحر وكل ساحل حضرموت الجنوبي، جنوب اليمن.
◆ نطاق سلطانه:
امتد نطاق حكمه على مدينة الشحر العاصمة، وساحل حضرموت الجنوبي، ساحل اليمني الجنوبي، المطل على بحر العرب، فأصبحت الإمارة الكندية إحدى القوى المحلية التي حافظت على وجودها في حضرموت خلال فترة اتسمت بالتنافس بين القوى اليمنية والإقليمية.
فيما كانت تحده من الشمال: دولة آل راشد القحطانية التي تمركزت في تريم، ودولة آل الدغار التي تمركزت في شبام، ويحده من الغرب: الدولة الزريعية التي تمركزت في عدن، بينما يحده من الشرق: بلاد عمان.
وكانت الشحر ذات أهمية كبيرة بسبب موقعها الساحلي، وصلاتها التجارية، وإشرافها على جزء مهم من طرق التجارة البحرية في جنوب الجزيرة العربية.
ومن ثم لم تكن إمارة آل إقبال مجرد سلطة محلية محدودة، بل كانت جزءا من المشهد السياسي المتعدد القوى في اليمن وحضرموت خلال القرن السادس الهجري.
◆ الشحر: العاصمة ومركز الحكم:
تعتبر مدينة الشحر الساحلية، قاعدته، وعاصمة دولته ومركز حكمه وإمارته.
وتتميز الشحر بموقعها على ساحل حضرموت، الأمر الذي منحها أهمية اقتصادية واستراتيجية كبيرة، فقد ارتبطت بالحركة التجارية البحرية في بحر العرب، وكانت مناطق الساحل الحضرمي على صلة بالموانئ والأسواق في جنوب الجزيرة العربية والمناطق الواقعة عبر البحر.
ولهذا كان امتلاك الشحر والسيطرة على ساحل حضرموت يمثل عنصرا مهما في قوة أي أسرة حاكمة في المنطقة.
وقد استطاع آل إقبال الكنديون المحافظة على نفوذهم في الشحر خلال فترة من عهد السلطان راشد، إلى أن وصلت موجة التوسع الأيوبي إلى حضرموت.
◆ عصره السياسي:
عاش السلطان راشد في فترة شهدت تغيرا كبيرا في الخريطة السياسية لليمن.
فخلال القرن السادس الهجري كانت اليمن مقسمة بين عدد من القوى السياسية، كما شهدت البلاد توسع نفوذ الدولة الأيوبية([1]) بعد دخولها اليمن سنة 1174م، وما رافق ذلك من تغير في موازين القوى.
وكانت حضرموت، بحكم موقعها الجغرافي وصلاتها التجارية، جزءا من هذا الصراع على النفوذ.
وفي ظل هذه التطورات تمكنت القوات الأيوبية من التوسع باتجاه حضرموت، الأمر الذي وضع إمارة آل إقبال أمام قوة سياسية وعسكرية أكبر منها.
◆ نهاية حكمه ومقتله:
انتهى حكم السلطان راشد عبدالباقي بمقتله على يد الغز الأيوبيين وقائدهم عمر بن المهدي سنة [575هـ /1180م]، وذلك عندما جاء الأيوبيون اليمن؛ واحتلوه وسيطروا عليه كله، وكان ضمن المناطق المحتلة هي الشحر حضرموت، حيث إمارة السلطان راشد عبدالباقي فارس.
فعندما تقدم الجيش الأيوبي إلى الشحر لم يسلم السلطان راشد الشحر للأيوبيين سلاما بسلام، بل واجههم وقاومهم، ووقعت بينهم معركة؛ وظل يقاومهم حتى قضى نحبه في معركة غير متكافئة بينه وبين الجيش الأيوبي بقيادة علي بن مهدي التي وقعت في منطقة حضرموت سنة [575هـ /1180م]؛ فخسر السلطان راشد المعركة، وانهزم بل وقتل، وانتصر فيها الأيوبيون الذين قتلوه ودخلوا عاصمته الشحر، وسيطروا عليها وأزالوا دولته، وسيطروا على أراضيها ومناطقها.
وراشد هو جد عبدالباقي الذي جاء بالأيوبيين مع ابن أبي العرب؛ فدخلوا الشحر وطردوا أهلها سنة [607هـ/1210م]([2]).
◆ زوال وانتهاء دولة آل إقبال الكندية الأولى [575هـ /1180م]:
وبمقتل السلطان راشد عام [575هـ /1180م] انتهت وزالت إمارة آل فارس/ آل إقبال الكندية الأولى، بعد أن استمرت كدولة مستقلة 35 عاما، خلال الفترة: [540 – 575هـ / 1145 – 1180م]، وهذا هو الغياب الأول لها، ولكنها لم تغب كثيرا إذ عادت في سنة [621هـ/1224م]، وهو ما يمثل بداية مرحلة جديدة في تاريخ الأسرة.
◆ انتقال حكم الشحر من آل إقبال الكندية إلى النفوذ الأيوبي:
وبذلك انتقلت الشحر من حكم الأسرة آل إقبال الكندية إلى النفوذ الأيوبي، وانتهت مرحلة من الاستقلال السياسي لآل إقبال في حضرموت.
وتعد هذه الحادثة نقطة تحول في تاريخ الإمارة؛ إذ لم يكن سقوط السلطان راشد مجرد نهاية لحكم شخصي، بل ارتبط بزوال كيان سياسي محلي استمر لعدة عقود.
◆ أهمية عهده في تاريخ حضرموت:
تنبع أهمية عهد السلطان راشد بن عبدالباقي من عدة جوانب:
1- استمرار حكم آل إقبال الكنديين: مثل راشد الحلقة الثانية في سلسلة سلاطين الأسرة، وحافظ على وجودها السياسي في الشحر.
2- أهمية الشحر: كانت الشحر عاصمة الإمارة ومركزها السياسي والاقتصادي، وموقعها الساحلي منحها أهمية استراتيجية.
3- حكم ساحل حضرموت الجنوبي: ارتبط حكم راشد بنفوذ واسع على ساحل حضرموت الجنوبي، مما جعل الإمارة طرفا مهما في التوازنات المحلية.
4- مواجهة التوسع الأيوبي: جاء عهده في مرحلة توسعت فيها الدولة الأيوبية خارج مراكزها الأولى، ووصل نفوذها إلى اليمن وحضرموت.
5- نهاية المرحلة الأولى من الدولة: ارتبط مقتله وسقوط الشحر بانتهاء دولة آل إقبال الكندية الأولى، وبداية مرحلة جديدة من النفوذ الأيوبي في المنطقة.
6- استمرار الأسرة بعد سقوط الإمارة: لم يؤد سقوط الإمارة الأولى إلى اختفاء الأسرة نهائيا، إذ استمر ذكر آل إقبال في الأحداث السياسية اللاحقة.
◆ الخلاصة:
كان السلطان راشد بن عبدالباقي بن فارس بن راشد بن إقبال بن محفوظ الكندي ثاني سلاطين دولة آل إقبال الكندية الأولى (آل فارس) في الشحر، وقد تولى الحكم سنة 547هـ/1152م عقب وفاة والده عبدالباقي.
وحكم الشحر وساحل حضرموت الجنوبي مدة تقارب 28 عاما، حتى انتهى حكمه في سنة 575هـ/1180م في خضم التوسع الأيوبي في حضرموت. وبمقتله وسيطرة الأيوبيين على الشحر انتهت المرحلة الأولى من إمارة آل إقبال الكندية، التي كانت قد رسخت وجودها السياسي في ساحل حضرموت.
ويمثل عهد راشد مرحلة مهمة في تاريخ الشحر وحضرموت؛ لأنه يجسد استمرار الحكم المحلي الكندي في منطقة ساحلية ذات أهمية تجارية واستراتيجية، وفي الوقت نفسه يمثل نهاية ذلك الاستقلال أمام قوة إقليمية صاعدة هي الدولة الأيوبية.
وعليه، فإن راشد بن عبدالباقي يحتل موقعا بارزا في تسلسل ملوك وحكام اليمن، بوصفه ثاني سلاطين آل إقبال الكنديين، وآخر حكام المرحلة الأولى من دولتهم في الشحر، قبل أن تعود الأسرة إلى الظهور في مرحلة لاحقة.
◆ المصادر والمراجع:
– تاريخ حضرموت للحامد: تاريخ حضرموت، تأليف: صالح الحامد، مكتبة الإرشاد، صنعاء اليمن، توزيع: مكتبة تريم الحديثة، الطبعة الثانية 1423هـ – 2003م.
– جواهر تاريخ الأحقاف، تأليف: محمد علي عوض باحنان، الناشر: دار المنهاج للنشر والتوزيع، جدة، السعودية، الطبعة الأولى، 1420هـ- 2008م.
* * *
([1]) الدولة الأيوبية الأعجمية الكردية؛ الغزية [569 – 626هـ / 1174 – 1229م]، هي إحدى الدول الأجنبية الإسلامية التي تأسست في مصر؛ ثم تمدد نفوذها إلى اليمن فحكمته في القرون الوسطى بعد استقلاله عن الدولة العباسية، تأسست في اليمن في القرن السادس الهجري، الثاني عشر الميلادي، عام [569هـ/1174م]، على أنقاض عدة دول يمنية، في محافظة “تعز”، على يد مؤسسها: توران شاه بن أيوب الأيوبي، وكانت عاصمتها: “تعز”، وحكمت كل اليمن ثم وسطه وجنوبه، وعاصرت عدة دول يمنية، كـ: الزيدية، والزريعية، والحاتمية، والمهدية، وقضت الأيوبية على هذه الدول جميعا، واستمرت 55 عاما، خلال الفترة: [569 – 626هـ / 1174 – 1229م]، وتعاقب على حكمها 6 ملوك، وهم: الملك المعظم توران شاه بن أيوب الأيوبي [569 – 571هـ / 1174 – 1175م]، مؤسس الدولة الأيوبية في اليمن، والملك العزيز طغتكين بن أيوب الأيوبي [24 شعبان 579 – 26 شوال 593هـ / 11 ديسمبر 1183 – 10 سبتمبر 1197م]، والمعز إسماعيل بن طغتكين الأيوبي [593 – 598هـ / 1197 – 1202م]، والناصر أيوب بن طغتكين بن أيوب [598 – 611هـ / 1202 – 1214م]، لم يحكم، لصغر سنه وضعف شخصيته، وكان الحاكم الفعلي هو خادمه سنقر ثم غازي جبريل، وسليمان بن شاهنشاه بن عمر تقي الدين بن شاهنشاه بن أيوب [ 611 – 612هـ / 1214 – 1215م]، والملك المسعود يوسف بن الكامل بن العادل أيوب الأيوبي [612 – 625هـ / 1215 – 1228م]، وهو آخرهم. وكان أهم أحداث الدولة الأيوبية وإنجازاتها أنها وحدت اليمن من جديد بعد أن كانت أكثر من 10 دول؛ فقضت الأيوبية على هذه الدول جميعا ووحدت اليمن تحت حكمها وسلطانها، وانتهت الدولة الأيوبية عام [626هـ/1229م] على يد الدولة الرسولية، وكان آخر حكامها هو الملك المسعود يوسف الأيوبي.
([2]) جواهر تاريخ الأحقاف 387، تاريخ حضرموت للحامد 425، 448.