اليمنيون والمولد النبوي.. حكاية وفاء تمتد من الأنصار إلى ساحات اليوم
تدخل الاستعدادات اليمنية لإحياء ذكرى المولد النبوي الشريف 1448هـ مرحلة الذروة، مع اقتراب الفعالية المركزية المقررة يوم الثلاثاء المقبل في العاصمة صنعاء، بالتزامن مع فعاليات واسعة في مختلف المحافظات والمديريات، لكن المولد النبوي في اليمن لا يبدأ يوم الفعالية المركزية، ولا ينتهي بانطفاء أضواء الساحات؛ فالمناسبة تتحول على مدى أسابيع إلى مشهد اجتماعي وثقافي وديني واسع، تتزين خلاله الشوارع والميادين بالرايات الخضراء واللوحات المضيئة، وتتردد الأناشيد والمدائح النبوية، فيما تتوالى اللقاءات القبلية والأمسيات الثقافية والوقفات الشعبية.
وفي خلفية هذا المشهد، تحضر علاقة اليمنيين بالرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم باعتبارها علاقة ذات جذور عميقة في الذاكرة الدينية والتاريخية اليمنية، تستحضر قصة الأنصار الذين ارتبط اسمهم في السيرة بنصرة الرسول واحتضان دعوته، وتستعيد معها معاني الوفاء والنصرة والإيثار والثبات.. وهكذا، يتحول المولد بالنسبة إلى قطاعات واسعة من اليمنيين من مناسبة للاحتفاء إلى مناسبة لاستعادة سؤال أعمق: ماذا يعني أن يحب الإنسان رسول الله، وكيف يمكن أن تتحول هذه المحبة إلى سلوك ومسؤولية وقيم حاضرة في المجتمع؟
يمانيون| محسن علي
من اليمن إلى يثرب.. ذاكرة الأنصار
لا يمكن قراءة الحضور اليمني في مناسبة المولد بمعزل عن الذاكرة التاريخية التي تربط اليمنيين بقصة الأنصار، فالأوس والخزرج، اللتان ارتبط بهما اسم الأنصار في المدينة المنورة، تنسبهما الروايات التاريخية إلى الأزد، وهم من قبائل عربية ارتبطت بجنوب الجزيرة العربية، قبل استقرار الأوس والخزرج في يثرب؛ ومن هنا نشأت في الذاكرة اليمنية رمزية خاصة لهذه القصة؛ إذ يُستحضر الأنصار باعتبارهم نموذجًا لجماعة آمنت بالرسالة، واستقبلت الرسول، ونصرته، وتقاسمت مع المهاجرين أعباء بناء المجتمع الجديد، ولا يعني استحضار هذه الذاكرة القول إن كل القبائل اليمنية المعاصرة تمثل امتدادًا نسبيًا مباشرًا للأنصار، بقدر ما يعكس حضور قصة الأنصار في الوعي اليمني بوصفها رمزًا للنصرة والوفاء والاحتضان وتحمل المسؤولية، ولهذا تتكرر في الخطاب الشعبي والقبلي خلال موسم المولد مفردات مثل: النصرة، والوفاء، والعهد، والمحبة، والإيثار، وهي معانٍ تستمد دلالتها من قصة الأنصار في السيرة النبوية.
علاقة تتجاوز المناسبة
تتميز مظاهر الاحتفاء بالمولد في اليمن بكونها لا تقتصر على يوم واحد، وإنما تتحول إلى موسم اجتماعي واسع يبدأ بالتحضير المبكر، ويمتد عبر الأحياء والقرى والمديريات، وصولًا إلى الساحات المركزية، وفي هذا الموسم، تتداخل مظاهر الاحتفاء الديني مع الموروث الاجتماعي اليمني؛ فتقام الأمسيات، وتلقى الكلمات، وتنشد القصائد والمدائح، وتقام اللقاءات القبلية والاجتماعية، فيما تكتسي المدن والقرى باللون الأخضر والعبارات المرتبطة بالمناسبة، كما تظهر في هذا المشهد مشاركة الأسر والشباب والطلاب والنساء والقطاعات الاجتماعية المختلفة، بما يجعل المولد مساحة عامة للتعبير عن المحبة للرسول وأهل بيته، واستحضار سيرته وأخلاقه ومواقفه، وبذلك، تبدو المناسبة في صورتها اليمنية أقرب إلى ذاكرة جماعية متجددة تستعيد من خلالها الأجيال معاني الانتماء الديني والثقافي، وتعيد تقديم السيرة النبوية في قالب اجتماعي معاصر.
صنعاء تستعد للفعالية المركزية
مع اقتراب الثلاثاء المقبل، تتجه الأنظار إلى ميدان السبعين في العاصمة صنعاء، بالتوازي مع ساحات وفعاليات مركزية في عدد من المحافظات، وتأتي هذه الفعالية المركزية بعد أسابيع من التحضيرات واللقاءات والأنشطة التي شهدتها مناطق مختلفة، فيما تعمل اللجان المحلية على استكمال الترتيبات المتعلقة باستقبال المشاركين وتنظيم حركة الوفود وإدارة الساحات، وفي المحافظات والمديريات، تتواصل الوقفات والأمسيات واللقاءات التحضيرية، في مشهد يعكس اتساع نطاق المشاركة وتنوع أشكال التعبير عن المناسبة، وتتفاوت طبيعة الفعاليات من منطقة إلى أخرى، إلا أن عناصر مشتركة تحضر في معظمها: الحديث عن السيرة النبوية، والإنشاد والمدائح، والزينة والرايات، واللقاءات الاجتماعية، والاستعداد للمشاركة في الفعاليات المركزية.
القبيلة.. حين تتحول الذاكرة إلى موقف اجتماعي
يبرز العامل القبلي بوصفه أحد المكونات اللافتة في المشهد اليمني خلال موسم المولد، فالقبيلة لا تحضر فقط كأفراد داخل الساحات، وإنما تتحرك أحيانًا في صورة وفود ومجالس ولقاءات، بما يعكس طبيعة البنية الاجتماعية اليمنية ودور القبيلة في تنظيم المشاركة المجتمعية، أما في الخطاب القبلي المصاحب للمناسبة، تحضر قيم الوفاء بالعهد، وإغاثة المحتاج، وحماية الجار، ونصرة المظلوم، والتكافل، وهي قيم ينظر إليها المشاركون باعتبارها من المعاني التي يمكن استلهامها من السيرة النبوية، ومن هذه الزاوية، تتجاوز المشاركة القبلية حدود الحشد للمناسبة، لتطرح سؤالًا أكثر أهمية: هل تستطيع القيم التي ترفعها القبائل في موسم المولد أن تتحول إلى سلوك دائم في المجتمع؟ فإذا انعكست هذه القيم على المصالحات، والحد من الثأر، وإغاثة المحتاجين، ورعاية الفقراء، وحماية المجتمع، فإن الاحتفاء ينتقل من المظهر إلى الأثر.
الأوس والخزرج.. قصة يمنية في ذاكرة المدينة
ربما يكون أكثر ما يمنح العلاقة بين اليمنيين والمولد النبوي خصوصيتها هو استحضار قصة الأنصار، فحين وصل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة، وجد في الأوس والخزرج جماعة احتضنت الدعوة وأسهمت في تأسيس المجتمع الإسلامي الجديد، وأصبحت كلمة الأنصار عنوانًا لموقف تاريخي ارتبط بالنصرة والتضحية والإيثار، كما تحضر هذه القصة في الذاكرة اليمنية باعتبارها واحدة من الصفحات المضيئة في تاريخ المنطقة العربية والإسلامية، ويجد فيها اليمنيون رمزًا قريبًا من وجدانهم، وجدودهم الأوس والخزرج في الذاكرة التاريخية، ولهذا فإن استحضار الأنصار خلال موسم المولد لا يقتصر على استعادة قصة تاريخية، وإنما يتحول إلى استدعاء لقيمها: أن تحب، وأن تنصر، وأن تفي، وأن تتحمل المسؤولية، وأن تجعل الإيمان سلوكًا عمليًا.
محبة الرسول وأهل بيته في المشهد اليمني
تتجلى محبة الرسول وأهل بيته في الأناشيد والقصائد واللافتات والخطب والفعاليات المختلفة، كما يحمل الإنشاد والمديح النبوي حضورًا خاصًا في هذه المناسبة، حيث تتداخل القصيدة والموشح والأهازيج مع الموروث الفني اليمني، فتتشكل للمولد هوية بصرية وسمعية خاصة، إذ لا يقتصر هذا التعبير على الفعاليات المركزية، بل يمتد إلى المجالس والأحياء والقرى والمدارس واللقاءات الاجتماعية، بما يجعل المناسبة حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية خلال فترة الاحتفاء بها، وفي هذا السياق، ينظر كثير من المشاركين إلى محبة الرسول باعتبارها أكثر من عاطفة وجدانية؛ فهي، في تصورهم، تستدعي الاقتداء بأخلاقه في الصدق والأمانة والرحمة والعدل وحسن التعامل مع الناس.
من المدينة إلى اليمن.. قيم تتجدد
تستعيد الساحات اليمنية خلال المولد صورة رمزية تتجاوز حدود المكان؛ فالقصة التي بدأت في مكة، ثم وجدت في المدينة مجتمعًا احتضنها ونصرها، تتحول اليوم إلى مصدر لاستحضار قيم الوفاء والمسؤولية والتكافل، فإذا كان الأنصار قد قدموا في الذاكرة الإسلامية نموذجًا في احتضان الرسول ونصرة رسالته، فإن استحضار هذه القصة اليوم يضع المجتمع أمام مسؤولية أخلاقية تتمثل في تحويل القيم التي يتحدث عنها إلى واقع ملموس، كما أن الاحتفاء الحقيقي بالسيرة لا يقاس بعدد الأضواء والرايات وحدها، وإنما بما تتركه المناسبة من أثر في الإنسان والمجتمع؛ في صلة الرحم، وإغاثة المحتاج، ورعاية اليتيم، وإصلاح ذات البين، واحترام الإنسان، وتعزيز التكافل، والابتعاد عن الظلم والكراهية.
اليمنيون.. المولد بوصفه ذاكرة وهوية
في اليمن، يبدو المولد النبوي أكثر من موسم ديني عابر؛ فهو مناسبة تتقاطع فيها العقيدة مع الثقافة، والذاكرة التاريخية والهوية الإيمانية مع الواقع الاجتماعي، والإنشاد مع الموروث الشعبي، والاحتفاء بالرسول مع استحضار قيمه، فمن صنعاء إلى صعدة، ومن عمران وحجة والمحويت إلى ذمار وتعز والبيضاء والجوف والضالع ومأرب وغيرها، تتعدد صور الاحتفاء، لكن المعنى المركزي يبقى واحدًا: استحضار الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الوجدان العام وتجديد الصلة بسيرته، وتمنح قصة الأنصار هذا الاحتفاء بعدًا تاريخيًا خاصًا؛ إذ تستعيد الذاكرة اليمنية قصة قوم ارتبط اسمهم بنصرة الرسول واحتضان دعوته، لتجعل من تلك القصة رمزًا لمعاني الوفاء والنصرة والتكافل وتحمل المسؤولية.
بين الاحتفاء والاقتداء
غير أن التحدي الحقيقي يبدأ بعد انتهاء الفعاليات، فالمولد الذي يجمع الناس في الساحات يمكن أن يكون مدخلًا لتعزيز السلم الاجتماعي، والصلح بين المتخاصمين، ومساندة الأسر المحتاجة، وتشجيع المبادرات المجتمعية، وترسيخ ثقافة الرحمة والتكافل، كما أن استحضار سيرة الرسول وأهل بيته يضع المجتمع أمام مسؤولية أخلاقية: أن تتحول المحبة إلى اقتداء، والاحتفاء إلى عمل، والذكرى إلى سلوك، وهنا تكمن القيمة الأعمق للمناسبة؛ فالسيرة النبوية ليست مجرد صفحات من الماضي، وقصة الأنصار ليست مجرد حدث تاريخي، والمولد ليس مجرد أضواء ورايات وأناشيد، وإنما يمكن لهذه العناصر مجتمعة أن تتحول إلى مشروع أخلاقي واجتماعي يعيد بناء علاقة الإنسان بقيمه وبمجتمعه وبمسؤوليته تجاه الآخرين.
ختاما
منذ قصة الأوس والخزرج الذين ارتبط اسمهم بالأنصار في المدينة، وصولًا إلى الساحات اليمنية التي تستعد اليوم لإحياء المولد النبوي، تبدو علاقة اليمنيين بالرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم حاضرة في الذاكرة الدينية والثقافية والاجتماعية، وإن اختلفت صور التعبير عنها عبر العصور؛ ومع اقتراب الفعالية المركزية في صنعاء وبقية الساحات، يستعيد اليمنيون هذه المناسبة بوصفها فرصة للتعبير عن محبتهم للرسول وأهل بيته، واستحضار سيرته، وتجديد الحديث عن قيم الرحمة والعدل والوفاء والنصرة والتكافل.
وبين ذاكرة الأنصار ومشهد اليوم، تبقى الرسالة الأهم أن محبة الرسول لا تكتمل بالاحتفاء به فحسب، وإنما تكتمل حين تتحول سيرته إلى أخلاق، وقيمه إلى سلوك، وذكراه إلى مشروع لبناء مجتمع أكثر تماسكًا ورحمة وتكافلًا.