المولد النبوي في اليمن.. احتفاء يتجاوز المناسبة إلى استحضار المنهج وصناعة نموذج جماهيري متفرد

لا يحضر المولد النبوي الشريف في الوعي اليمني بوصفه مناسبة دينية عابرة، أو طقسًا احتفاليًا ينتهي بانتهاء أيامه، بل يتقدم بوصفه محطة لاستعادة سيرة الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم، واستحضار قيمه ومبادئه ومشروعه الحضاري في واقع الأمة، وفي الخطاب اليمني المعاصر، يبرز الاحتفاء بالمولد باعتباره مناسبة ذات أبعاد دينية وثقافية واجتماعية وسياسية، تتداخل فيها مظاهر الاحتفال الشعبي والرسمي مع محاولة تقديم قراءة عملية للسيرة النبوية، تقوم على الانتقال من مجرد معرفة الرسول إلى الاقتداء به وتجسيد منهجه في الحياة، ومن هنا، يكتسب الاحتفاء اليمني بالمولد خصوصية لافتة، سواء من حيث اتساع المشاركة الشعبية والرسمية، أو من حيث التركيز على شمولية المنهج النبوي، أو من حيث تحويل المناسبة إلى مشهد جماهيري واسع يعكس حالة من الاجتماع والارتباط بالهوية الدينية والوطنية.

 

يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي

 

احتفال يتجاوز المظاهر إلى دلالات الهوية

تتجاوز مظاهر الاحتفال بالمولد في اليمن حدود الزينة والإنشاد والمجالس الدينية إلى بناء مشهد عام واسع تشارك فيه قطاعات اجتماعية مختلفة، إلى جانب حضور رسمي ومؤسسي، وتحمل هذه المشاركة دلالة تتجاوز حجم الفعاليات ذاتها؛ فهي تعكس، في نظر المشاركين، رغبة في جعل المناسبة حدثًا عامًا يستعيد فيه المجتمع علاقته بسيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ويعيد التأكيد على مكانة الرسول في الوجدان الشعبي، كما أن اتساع المشاركة يمنح المناسبة وظيفة اجتماعية تتمثل في جمع فئات متعددة في فضاء واحد، بما يجعل المولد مناسبة لإنتاج شعور جماعي بالانتماء إلى هوية دينية وثقافية مشتركة، وهنا تكمن إحدى أهم دلالات المشهد اليمني، وهي تحويل المناسبة من احتفاء فردي أو محدود إلى حدث اجتماعي واسع، تتقاطع فيه الرمزية الدينية مع التعبير الجماهيري عن الهوية.

 

خصوصية القراءة اليمنية للسيرة النبوية

تتمثل إحدى أبرز الأفكار التي يطرحها الخطاب اليمني حول المولد في أن معرفة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لا ينبغي أن تتوقف عند دراسة سيرته أو ترديد صفاته ومناقبه، وإنما ينبغي أن تتحول إلى مشروع عملي في حياة الإنسان والمجتمع، وبهذه الرؤية، تصبح السيرة النبوية إطارًا متكاملًا يتناول علاقة الإنسان بربه، وأخلاقه، وعبادته، ومسؤوليته الاجتماعية، وعلاقته بالحق والعدل، وصولًا إلى بناء المجتمع والدولة ومواجهة التحديات، ولهذا يبرز التأكيد على أن الاقتداء بالرسول لا يختزل في جانب واحد من جوانب الدين؛ فالصلاة والصيام والعبادة والأخلاق تمثل جزءًا من المنهج، كما أن العدل والمسؤولية والجهاد وبناء المجتمع وحماية الأمة تمثل، في هذه القراءة، جوانب أخرى من المشروع النبوي المتكامل، وهذه النقطة تحديدًا تمنح الاحتفاء بعدًا فكريًا؛ إذ يصبح السؤال المركزي ليس كيف نحتفل بالنبي؟ وإنما كيف نقرأ النبي، وكيف نترجم ما نقرأه إلى واقع؟

 

القرآن بوصفه مدخلًا لفهم الرسول صلوات الله عليه وعلى آله

يؤكد الخطاب اليمني على قراءة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من خلال القرآن الكريم، باعتباره المصدر الذي يحفظ صورة الرسالة ومنهجها بعيدًا عن الاختزال أو التجزئة، فالقرآن لا يقدم النبي باعتباره شخصية تاريخية فحسب، وإنما يقدمه بوصفه رسولًا وقائدًا ومربيًا وقدوة، ويجعل الاقتداء به جزءًا من بناء الإنسان المؤمن، ومن هذا المنطلق، فإن قراءة السيرة في ضوء القرآن تعني البحث عن القيم والمبادئ التي حكمت حركة الرسول، وليس الاكتفاء بسرد الأحداث التاريخية، وهنا تنتقل المناسبة من استذكار التاريخ إلى استلهام المنهج؛ أي من الحديث عن رسول الله إلى محاولة اكتشاف ما الذي يمكن أن يعنيه الرسول للأمة في حاضرها، وكيف يمكن لقيمه أن تتحول إلى سلوك وممارسة وموقف.

 

من العبادة إلى بناء المجتمع العادل

من أبرز الأبعاد التي يحاول الخطاب اليمني إبرازها في مناسبة المولد التأكيد على شمولية الإسلام في التجربة النبوية، فالرسول صلى الله عليه وآله وسلم لم يقدم نموذجًا للعبادة الفردية فقط، وإنما أسس مجتمعًا يقوم على منظومة من القيم، وأقام علاقات اجتماعية وسياسية واقتصادية، ووضع أسسًا للعدل والمسؤولية والتكافل وحماية المجتمع، وعليه، فإن استحضار التجربة النبوية في الوعي اليمني لا ينفصل عن الحديث عن بناء الدولة العادلة، ومواجهة الظلم، وتحمل المسؤولية، وتعزيز التكافل الاجتماعي، وربط الإيمان بالسلوك والعمل، وهذا البعد يجعل المولد في التصور المطروح مناسبة لإعادة تعريف العلاقة بين الدين والحياة، فالدين ليس شعائر منفصلة عن الواقع، وإنما منظومة قيم يفترض أن يكون لها أثر في الإنسان والمجتمع والدولة.

 

 

المشهد الجماهيري .. عندما تتحول المناسبة إلى لوحة وطنية

ربما يمثل المشهد الجماهيري أحد أكثر عناصر الاحتفال اليمني بالمولد لفتًا للانتباه، فالساحات التي تستقبل الحشود، والأضواء التي تملأ المدن والطرقات، والألوان والزينة والرايات، والمشهد البصري الجماعي، كلها تنتج صورة تتجاوز الوظيفة الجمالية إلى دلالة اجتماعية واضحة، إن اجتماع أعداد كبيرة من الناس في مكان واحد للاحتفاء بالمناسبة يصنع ما يمكن وصفه بـ “الذاكرة الجماعية”؛ إذ يصبح الفرد جزءًا من مشهد أكبر منه، ويشعر بأنه يشارك في حدث يتجاوز تجربته الشخصية، كما أن المشهد البصري الجماعي يؤدي دورًا مهمًا في نقل الرسالة إلى من هم خارج الساحات؛ فالصورة الجماهيرية تصبح بحد ذاتها خطابًا إعلاميًا، وتتحول المناسبة إلى حدث قادر على الانتشار عبر الصور والفيديوهات والمنصات الإعلامية ووسائل التواصل الاجتماعي، وبذلك، لا يعود الاحتفال مجرد تجمع بشري، وإنما يتحول إلى رسالة بصرية ضخمة تعبر عن حضور المناسبة في المجال العام.

 

 

المولد بوصفه مناسبة لإعادة إنتاج التضامن الاجتماعي

من الناحية الاجتماعية، يمثل الاحتفال الجماهيري فرصة لإعادة بناء الروابط المجتمعية في ظل ظروف صعبة عاشها اليمنيون خلال السنوات الماضية، فالاجتماع حول رمز ديني مشترك، وتبادل التهاني، وتنظيم الفعاليات، والمشاركة في الأعمال المجتمعية والخيرية، كلها عوامل يمكن أن تسهم في تعزيز الإحساس بالانتماء والتكافل، وهنا تظهر وظيفة أخرى للمناسبة، إنتاج حالة من الأمل الجماعي في مجتمع أنهكته الأزمات، فحين يرى الفرد آلاف الأشخاص مجتمعين حول قيمة أو رمز مشترك، فإن المناسبة لا تؤدي وظيفة دينية فقط، بل تمنحه شعورًا بالمشاركة والانتماء والقدرة على تجاوز حالة التفكك التي تفرضها الأزمات.

 

لماذا الاحتفال بالمولد في اليمن”متفرد”؟
إن الحديث عن تفرد الاحتفال اليمني لا ينبغي أن يُفهم باعتباره مقارنة كمية مع احتفالات الشعوب الأخرى، بقدر ما يعبر عن مجموعة من الخصائص في الاحتفال مجتمعة في التجربة اليمنية، ومن أبرز هذه الخصائص :

_ اتساع المشاركة الشعبية.
_ حضور المؤسسات والفعاليات الرسمية.
_ التركيز على السيرة بوصفها منهج حياة.
_ الربط بين العبادة والأخلاق والعمل والمسؤولية.
_ استحضار القرآن باعتباره أساسًا لفهم الرسالة النبوية.
_ تحويل المناسبة إلى مشهد جماهيري وبصري واسع.
_ الجمع بين البعد الديني والاجتماعي والثقافي.
_ توظيف المناسبة في تعزيز الهوية والانتماء.
ومن مجموع هذه العناصر يتشكل نموذج احتفالي يرى فيه المشاركون أن المولد ليس مجرد مناسبة تُقام ثم تنتهي، بل حدثًا سنويًا لإعادة تأكيد الهوية واستحضار النموذج النبوي.

 

 

ختاما

يقدم الاحتفال بالمولد النبوي في اليمن، وفق الرؤية التي يحملها أنصاره، نموذجًا يجمع بين الاحتفاء الديني والتعبير الشعبي واستحضار السيرة النبوية بوصفها مشروعًا للحياة، فالمشهد الذي تصنعه الجماهير في الساحات، والأضواء التي تملأ المدن، والألوان التي تتداخل في لوحة واحدة، ليست مجرد تفاصيل احتفالية؛ إنها تعبير عن حالة جماعية ترى في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رمزًا جامعًا للهوية والقيم والرسالة، وفي النهاية، فإن أعظم ما يمكن أن يخرج به اليمنيون من هذه المناسبة ليس فقط أن يصنعوا مشهدًا جماهيريًا مهيبًا، وإنما أن يحولوا هذا المشهد إلى منهج وسلوك وأخلاق وعدل وتكافل ومسؤولية، وهنا تحديدًا تكمن الرسالة الأعمق للاحتفاء أن نقرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا لكي نحتفي بذكراه فقط، بل لكي نستعيد حضوره في حياتنا، ونستلهم من سيرته طريقًا لبناء الإنسان والمجتمع والأمة، بارك الله في كل من يسهم في صناعة هذه اللوحة الإيمانية والجماهيرية، ويجعل من محبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دافعًا للعمل الصالح، وبناء المجتمع، وترسيخ قيم العدل والرحمة والتكافل والإحسان.

You might also like