العشق المحمدي.. سر القوة والصمود اليمني قراءة صحفية تحليلية في دلالات الحشود المليونية بذكرى المولد النبوي الشريف

في لحظة تتجاوز حدود المشهد الاحتفائي إلى ما هو أبعد من الصورة الجماهيرية العابرة، خرجت الحشود اليمنية في ذكرى المولد النبوي الشريف، لتقدم مشهداً بالغ الدلالة عن العلاقة التي تشكلت بين اليمنيين والرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وعن حضور الرمزية الدينية في الوعي الجمعي اليمني، شهد ميدان السبعين في العاصمة صنعاء وساحات الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم فعالية مركزية كبرى بمناسبة المولد النبوي، كما سبقت الفعاليةَ تحضيراتٌ جماهيرية وتنظيمية واسعة، وتوافدت حشود من مختلف مناطق محافظة صنعاء نحو العاصمة منذ ساعات مبكرة، لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس فقط، كم بلغ عدد المشاركين؟ بل ما الذي يدفع مجتمعاً أنهكته سنوات العدوان والأزمات إلى إنتاج هذا الحضور الجماهيري الواسع؟ وما الذي يجعل مناسبة دينية تتحول إلى محطة سنوية شديدة التأثير في المجال العام؟ ما سر القوة؟ الإجابة تبدأ من العلاقة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فالرسالة المركزية في هذا اليوم العظيم والحشد المبارك أن القوة لا تُفهم باعتبارها قدرة مادية فقط، وإنما باعتبارها نتاجاً لمنظومة معنوية تقوم على الإيمان والهوية والانتماء والقدرة على الصبر وتحمل الأعباء، وهنا تأتي الآية الكريمة: ﴿قُل أَطيعُوا اللَّهَ وَأَطيعُوا الرَّسولَ فَإِن تَوَلَّوا فَإِنَّما عَلَيهِ ما حُمِّلَ وَعَلَيكُم ما حُمِّلتُم وَإِن تُطيعوهُ تَهتَدوا وَما عَلَى الرَّسولِ إِلَّا البَلاغُ المُبينُ﴾، ووفق ذلك تتحول محبة الرسول من شعور وجداني إلى مفهوم شامل للطاعة والاقتداء والتمسك بالقيم التي ارتبطت بالسيرة النبوية، الصبر، والرحمة، والعدل، والتكافل، والثبات، وتحمل المسؤولية، وهذا ما يفسر، في الخطاب المؤيد للمناسبة، لماذا لا يُنظر إلى المولد بوصفه احتفالاً زمنياً محدوداً، بل باعتباره مناسبة لإعادة إنتاج الهوية الدينية والاجتماعية واستحضار النموذج النبوي في المجال العام.

يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي

 

 

من المناسبة الدينية إلى الظاهرة الاجتماعية

أحد أبرز أبعاد المشهد أن الاحتفاء بالمولد لم يقتصر على الفعالية المركزية، فخلال الأسابيع السابقة للمناسبة، شهدت المحافظات والمديريات فعاليات تربوية وثقافية وشبابية واجتماعية متعددة تحت شعار “لبيك يا رسول الله”، وأُقيمت فعاليات تربوية ركزت على تعزيز محبة الرسول والاقتداء بقيمه، فيما شهدت مديريات أخرى أمسيات وفعاليات شعبية وثقافية ورياضية مرتبطة بالمناسبة، وتكشف هذه الصورة عن تحول المولد إلى ظاهرة مجتمعية متعددة المستويات؛ تبدأ من الأسرة والمدرسة والحي، وتمتد إلى المؤسسات والفعاليات العامة، وتنتهي في المشهد الجماهيري الكبير، وهذا الامتداد مهم في فهم ظاهرة الحشود؛ إذ إن الحضور في الساحات لا يبدأ يوم الفعالية، وإنما هو نتيجة تراكم اجتماعي وثقافي يمتد على مدى أسابيع.

 

 

لماذا تتجاوز المناسبة حدود الاحتفال؟

تُقدَّم المناسبة باعتبارها مساحة جامعة لا باعتبارها مناسبة لفئة اجتماعية محددة، وتشير الفعاليات التي سبقت المناسبة إلى حضور قطاعات مختلفة، التربويون، والشباب، والطلاب، والنساء، والأسر، والفعاليات الاجتماعية والثقافية، كما امتدت الأنشطة إلى المديريات والقرى والأحياء، قبل أن تتجه الحشود نحو الساحات المركزية، ومن هنا تبرز دلالة أخرى، أن المولد أصبح في الوعي الجماهيري اليمني مناسبة لإظهار الانتماء الجمعي، فالإنسان الذي يصل إلى الساحة لا يحمل فقط مشاعر شخصية تجاه المناسبة، وإنما يدخل ضمن مشهد جماعي كبير يردد شعاراً واحداً ويشارك في طقس اجتماعي موحد، وهذه الوحدة الرمزية تمنح المناسبة قوة تأثير تتجاوز مضمونها الاحتفالي المباشر.

 

 

“لبيك يا رسول الله”.. ماذا يعني الشعار؟

الشعار الذي تكرر على امتداد الفعاليات، “لبيك يا رسول الله”، يمثل في ذاته رسالة رمزية مكثفة، فهو يجمع بين المحبة والاستجابة، وبين الارتباط الوجداني والاستعداد لتحويل هذا الارتباط إلى موقف وسلوك، ومن هنا فإن قوة الشعار ليست في كلماته فقط، وإنما في تحوله إلى فعل جماهيري؛ آلاف وملايين الأشخاص يرددونه في اللحظة ذاتها، فينتقل من عبارة إلى هوية صوتية للمشهد كله، وقد تكرر هذا الشعار في الفعاليات التربوية والشعبية والرياضية التي سبقت المناسبة المركزية، بما يعكس اتساع استخدامه داخل الفضاء الاجتماعي.

 

 

الصمود .. قراءة مختلفة

ربط الخطاب بين حب النبي والصمود اليمني يمثل محاولة لتفسير تجربة اجتماعية وسياسية طويلة من خلال عامل معنوي.

وبعيداً عن المبالغة في اختزال كل عوامل الصمود في سبب واحد، فإن الهوية الدينية يمكن أن تكون بالفعل أحد العوامل التي تمنح المجتمعات قدرة أكبر على إنتاج المعنى في أوقات الأزمات، فالمجتمعات التي تواجه ظروفاً قاسية تحتاج إلى رواية تفسر المعاناة وتمنحها معنى، وإلى رموز تستطيع جمع الناس حول قيم مشتركة، وفي الحالة اليمنية، يقدم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، في الوعي الديني للمشاركين، نموذجاً تاريخياً للصبر والثبات وبناء الجماعة ومواجهة التحديات، ومن هنا يصبح استحضار سيرته وسيلة لتعزيز الإحساس بالقدرة على الاستمرار.

 

 

الحشود باعتبارها رسالة سياسية واجتماعية

لا يمكن قراءة المشهد الجماهيري بمعزل عن السياق اليمني، فالحشد الكبير يحمل، إلى جانب البعد الديني، رسالة سياسية واجتماعية واضحة، نحن مجتمع قادر على الحضور والتنظيم وإظهار تماسكه رغم سنوات الصراع والأزمات، وهذه الرسالة لا تعني بالضرورة أن جميع المشاركين يحملون الموقف السياسي ذاته أو أن دوافعهم متطابقة؛ فالحشود الكبيرة بطبيعتها تضم دوافع وتجارب متعددة، لكن الصورة العامة تظل ذات دلالة؛ إذ تتحول الساحة إلى مساحة لإظهار القوة الاجتماعية والقدرة التنظيمية والارتباط بالهوية، وقد عكست التحضيرات المسبقة لهذا العام مستوى واسعاً من التنظيم، بمشاركة لجان استقبال وتنظيم وصحة وإعلام وفنية وتقنية وأمن، بما يؤكد أن المشهد الجماهيري لم يكن وليد لحظة عفوية فقط، وإنما جاء نتيجة استعداد مؤسسي ومجتمعي واسع.

 

هل المولد مناسبة طائفية؟

في مشهد مهيب ظهرت تلك الحشود العظيمة بتنوع مكوناتها لتعبر في حضورها عن رفضها الصريح لوصف هذه الذكرى العظيمة بالطائفية، باعتبارها مناسبة دينية جامعة، وهنا ينبغي التفريق بين طبيعة المناسبة في الوعي الشعبي وبين الجدل السياسي والمذهبي المحيط بها، فالاحتفال بالمولد النبوي موجود في مجتمعات إسلامية متعددة، وإن اختلفت أشكاله وطرائق إحيائه بين البلدان والمدارس الإسلامية، أما في اليمن، فقد اكتسبت المناسبة خلال السنوات الأخيرة حضوراً جماهيرياً وسياسياً أكبر، وأصبحت مرتبطة في الخطاب العام بمفاهيم الهوية والثبات والارتباط بالرسول، وبالتالي فإن الجدل حولها لا يدور فقط حول الاحتفال الديني ذاته، وإنما حول موقعه داخل الصراع السياسي والاجتماعي الأوسع.

 

لماذا يصعب تفسير المشهد بالأرقام وحدها؟

الأرقام، مهما بلغت، لا تستطيع وحدها تفسير ظاهرة بهذا الحجم، فالصورة التي تقدمها الساحات هي نتيجة تفاعل عدة عوامل، الدين، والهوية، والذاكرة التاريخية، والانتماء الاجتماعي، والتنظيم، والخطاب الإعلامي، والرغبة في التعبير الجماعي، ولهذا فإن اختزال المشهد في كونه “تجمعاً جماهيرياً” يفقده جانباً مهماً من دلالته، فالجموع لا تذهب فقط إلى الساحة لتشاهد فعالية؛ إنها تشارك في إنتاج مشهد جماعي تقول من خلاله: هذه المناسبة تعني لنا شيئاً، وهذا الرمز يحتل مساحة مركزية في وعينا.

 

اليمن.. بين ذاكرة الأنصار وحاضر التحديات

يحضر التاريخ بقوة في الخطاب اليمني المرتبط بالمولد، ولا سيما استحضار قصة الأنصار ودور اليمنيين في بدايات الإسلام، وهذا الاستحضار يمنح المناسبة بعداً تاريخياً؛ إذ تُقدَّم العلاقة بالنبي صلوات الله عليه وعلى آله، باعتبارها امتداداً لذاكرة دينية عميقة، لا مجرد علاقة رمزية مع شخصية تاريخية، وفي المقابل، فإن توظيف هذه الذاكرة في الحاضر لدى الجيل الحالي الذي يرى نفسه امتداداً لذلك التاريخ، وهنا تكمن واحدة من أهم أدوات القوة الرمزية، ربط الماضي بالحاضر والمستقبل في قصة واحدة متماسكة.

 

 

الخلاصة .. ما سر كل هذا؟

ربما لا توجد إجابة واحدة عن السؤال، ما سر قوة اليمنيين وصمودهم وثباتهم؟ فالصمود ظاهرة مركبة، تتداخل فيها عوامل اجتماعية وتاريخية وسياسية واقتصادية ونفسية، لكن ما يكشفه مشهد المولد النبوي بوضوح هو أن الدين والهوية والمحبة النبوية تشكل، بالنسبة إلى قطاعات واسعة من اليمنيين، مصدراً مهماً للمعنى والانتماء والقدرة على الحشد والتعبير الجماعي، لقد خرجت الحشود من مختلف المناطق إلى الساحات، وتوجت أسابيع من الفعاليات والأنشطة بمشهد مركزي واسع في ميدان السبعين، في صورة وصفتها مصادر إعلامية بأنها مشاركة مليونية، وبذلك يمكن فهم الرسالة الأساسية للخطاب الموجه إلى الشعب اليمني بأن القوة ليست في كثرة الإمكانات وحدها، ولا الصمود في غياب الألم، ولا الثبات في سهولة الطريق؛ وإنما تكمن قوة المجتمع أيضاً في قدرته على امتلاك معنى يؤمن به، ورمز يجتمع حوله، وقيم يرى فيها امتداداً لهويته وتاريخه، ومن هذه الزاوية، فإن عبارة “لبيك يا رسول الله” لا تظهر فقط كشعار يُرفع في الساحات، بل كعنوان لظاهرة اجتماعية واسعة تقول إن المولد النبوي أصبح، في الوعي الجماهيري اليمني، محطة سنوية لإعادة تأكيد الهوية واستحضار السيرة وتجديد الانتماء.

You might also like