اليمن يهزم الرواية المعادية.. حشود المولد النبوي تسقط سنوات التضليل وتؤكد ثبات الشعب
لم تكن المشاهد من العاصمة اليمنية صنعاء في ذكرى المولد النبوي الشريف مجرد صور لحشود جماهيرية احتشدت لإحياء مناسبة دينية، بل كانت مشهداً يمنياً بالغ الدلالة، أعاد رسم صورة اليمن أمام الداخل والخارج، ووضع سنوات طويلة من الحملات الإعلامية والشائعات والافتراءات أمام اختبار الحقيقة، سنوات من الضخ الإعلامي، ومئات المنابر التي سخّرت خطابها لتشويه اليمن، وقلب الحقائق، وضرب الثقة بين الشعب وقيادته، والترويج لانهيار الجبهة الداخلية، لم تستطع أن تصمد أمام الصورة التي خرجت من صنعاء: شعب حاضر، متماسك، واثق، ومتمسك بهويته وموقفه وقضاياه، لقد جاءت حشود المولد النبوي لتكشف أن اليمن الذي حاولت آلة الحرب والإعلام تصويره بلداً منهكاً ومنقسماً ومعزولاً، ما يزال يمتلك قدرة هائلة على الحضور الشعبي والتنظيم والتعبئة، وأن الرهان على كسر إرادة اليمنيين عبر الحصار والضغوط والحرب الإعلامية لم يحقق أهدافه.
يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي
اليمن أمام آلة التضليل
منذ سنوات، لم تتوقف محاولات صناعة صورة مختلفة عن اليمن؛ صورة تقوم على التشويه والتخويف والتشكيك، وتقديم الشعب اليمني باعتباره مجتمعاً فقد قدرته على الصمود أو أنه بات على وشك الانهيار، لكن اليمنيين لم يتلقوا تلك الروايات من خلف الشاشات فقط؛ بل عاشوا العدوان والحصار بأنفسهم، وشاهدوا نتائجها، واختبروا صدق الادعاءات من عدمه في حياتهم اليومية، ولهذا، أصبحت التجربة المباشرة أقوى من الدعاية، كلما ارتفع منسوب التضليل، ازدادت لدى قطاعات واسعة من اليمنيين الحاجة إلى التحقق بأنفسهم، وكلما حاولت الحملات الإعلامية ضرب الثقة، كانت الوقائع على الأرض تعيد تشكيل تلك الثقة وفق ما يراه الناس ويعيشونه، وهنا تحديداً جاءت مشاهد المولد النبوي لتقدم واحدة من أكثر الصور وضوحاً، اليمن لم يُهزم إعلامياً كما أراد خصومه، ولم تفقد صنعاء قدرتها على جمع جمهورها حول المناسبات والقضايا التي تعتبرها جزءاً من هويتها.
سنوات الحصار لم تكسر إرادة اليمن
الحصار والعدوان والضغوط الاقتصادية والسياسية لم تكن أحداثاً عابرة في حياة اليمنيين؛ فقد امتدت لسنوات وفرضت كلفة إنسانية واقتصادية واجتماعية هائلة، ومع ذلك، فإن استمرار الفعاليات الجماهيرية الكبرى يحمل رسالة سياسية واجتماعية واضحة، الضغط لم ينتج الانهيار الذي راهن عليه خصوم اليمن،
بل إن السنوات الصعبة دفعت قطاعات واسعة من المجتمع إلى إعادة تعريف معركة اليمن باعتبارها معركة استقلال وقرار وسيادة، وربطت الصمود الداخلي بمواجهة التدخل الخارجي ومحاولة لفرض الإرادة على اليمن، ومن هنا، فإن مشهد المولد لم يكن منفصلاً عن سنوات الصراع، بل جاء في سياقها ليقول إن المجتمع الذي تحمل الحرب والحصار ما يزال قادراً على الوقوف في الساحات والتعبير عن موقفه بصورة جماعية واسعة.
صنعاء.. عاصمة الحضور اليمني
كانت صنعاء في ذكرى المولد النبوي مركزاً لمشهد جماهيري واسع، حمل دلالات تتجاوز حدود المناسبة، فالعاصمة اليمنية لم تظهر كمدينة منكفئة على آثار الحرب والعدوان، وإنما كمدينة قادرة على احتضان فعالية جماهيرية كبرى، وإظهار مستوى مرتفع من التنظيم والحضور الشعبي، والأهم أن الرسالة لم تكن موجهة إلى الداخل اليمني فقط، لقد كانت الصورة موجهة أيضاً إلى الخارج، هذا هو اليمن الذي بقي واقفاً رغم العدوان، وهذا شعبه الذي ما يزال حاضراً، وهذه عاصمته التي لم تنجح سنوات الاستهداف في إفراغها من قدرتها على التعبير والحشد.
شعبٌ يمني لا يتنازل عن هويته
يمثل المولد النبوي في اليمن مناسبة دينية ذات حضور عميق، لكن الاحتفاء بها في صنعاء أخذ كذلك بعداً مرتبطاً بالهوية التي تؤكد عليها القيادة الثورية ممثلة بالسيد القائد يحفظه الله،
فالرسالة التي حضرت في المناسبة تقوم على التمسك بالهوية الإيمانية، والارتباط بالنبي محمد، صلى الله عليه وآله وسلم، ورفض محاولات فصل الشعب عن هويته الدينية والثقافية، وبذلك تحولت المناسبة إلى مساحة واسعة لإعادة تأكيد الهوية اليمنية، هوية دينية ووطنية مرتبطة بالاستقلال والكرامة ورفض الوصاية الخارجية.
فلسطين حاضرة في قلب اليمن
ولم يكن اليمن في هذه المناسبة يتحدث عن نفسه فقط، ففلسطين والقدس حضرتا في الوجدان والخطاب الجماهيري باعتبارهما قضية تتجاوز حدود الجغرافيا اليمنية.
وفي مرحلة تشهد فيها المنطقة تحولات سياسية متسارعة، ومسارات تطبيع وعلاقات متزايدة مع الاحتلال الإسرائيلي، يقدّم اليمن نفسه باعتباره من أكثر المواقف العربية وضوحاً في رفض التطبيع وإعلان الانحياز إلى فلسطين، وهنا تكتسب الحشود دلالة إضافية؛ فالجمهور الذي خرج لإحياء ذكرى المولد النبوي خرج أيضاً ليؤكد، في خطابه وموقفه، أن فلسطين ليست قضية بعيدة عن اليمن، وأن القدس ما تزال حاضرة في الوعي الشعبي اليمني، لقد أراد اليمن أن يقول إن الحرب التي يخوضها لا تجعله منفصلاً عن قضايا أمته، وإن سنوات الحصار لم تدفعه إلى التخلي عن مواقفه تجاه فلسطين والقدس.
عندما تسقط «الأبواق» أمام الصورة
ربما كانت الرسالة الأوضح في المشهد أن الإعلام مهما اتسع تأثيره لا يستطيع إلى الأبد صناعة واقع يناقض ما يراه الناس بأعينهم، يمكن إطلاق مئات الروايات، وتكرار آلاف الادعاءات، وتشغيل عشرات المنصات، لكن صورة شعب حاضر في الميدان قادرة على إعادة طرح الأسئلة من جديد، وما لا يمكن تجاهله هو أن القدرة على الحشد والتنظيم وإظهار التماسك الشعبي تمثل حقيقة قائمة لا تستطيع الحملات الإعلامية إلغاءها بمجرد تجاهلها.
ختاما ..
من صنعاء، جاءت صورة يمنية تقول بوضوح إن سنوات العدوان والحصار والضخ الإعلامي لم تستطع محو حضور الشعب اليمني ولا اقتلاعه من هويته، وجاءت حشود المولد النبوي لتضع الروايات التي تحدثت عن انهيار الجبهة الداخلية أمام مشهد مختلف، شعب حاضر، وقيادة ما تزال قادرة على تعبئته، وهوية دينية ووطنية ما تزال حاضرة بقوة، وقضية فلسطينية ما تزال تحتل موقعاً متقدماً في الخطاب الشعبي والسياسي، لقد أراد أعداء اليمن أن يكون الحصار وسيلة لكسر الإرادة، وأن يكون الإعلام أداة لتفكيك الثقة، وأن تصبح سنوات العدوان والحصار سبباً لانهيار التماسك، لكن المشهد الذي خرج من صنعاء يحمل رسالة مغايرة، اليمن لم يتخلَّ عن هويته، اليمن لم ينسَ قضاياه، اليمن لم يفقد صوته، واليمن، رغم سنوات العدوان والحصار، ما يزال قادراً على الوقوف وإعلان موقفه أمام العالم، وفي هذه المعادلة، لم تكن حشود المولد النبوي مجرد تجمع جماهيري؛ بل كانت رسالة يمنية صاخبة بأن الرواية التي تُفرض عبر الشاشات لا تستطيع دائماً أن تهزم الحقيقة التي يصنعها الناس على الأرض.