من الإيمان إلى الموقف.. اليمن في قلب معركة التحرر
الهوية الإيمانية في اليمن ليست مجرد عنوان ديني أو مصطلح ثقافي يعبر عن خصوصية المجتمع اليمني، بل تحولت إلى إطار فكري وسياسي واجتماعي يحاول إعادة تعريف موقع اليمن في محيطه العربي والإسلامي، وربط الإيمان بالوعي والمسؤولية والموقف، ويستند هذا المفهوم إلى الشهادة النبوية الخالدة «الإيمان يمان والحكمة يمانية»، التي تحضر بقوة في الخطاب اليمني المعاصر باعتبارها دلالة على خصوصية إيمانية وحضارية، وعلى مسؤولية تتجاوز حدود الجغرافيا نحو قضايا الأمة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي
من الهوية إلى المسؤولية
تقوم الهوية الإيمانية، وفق هذا التصور، على أن الدين ليس شعائر منفصلة عن الواقع، وإنما منظومة قيم تحدد موقف الإنسان من العدل والظلم، والاستقلال والتبعية، والكرامة والاستضعاف، ومن هنا ينتقل مفهوم الهوية من مجرد الانتماء إلى المسؤولية؛ فالسؤال لا يعود فقط: من نحن؟ بل: ماذا يفرض علينا انتماؤنا من مواقف؟ وتبرز قيم العزة والكرامة والحرية ورفض الظلم ونصرة المستضعفين باعتبارها مكونات أساسية في بناء وعي يرى أن الإيمان الحقيقي ينبغي أن ينعكس على السلوك والموقف.
المشروع القرآني وبناء الوعي
يرتبط مفهوم الهوية الإيمانية بما يُعرف بالمشروع القرآني، الذي يضع القرآن في مركز عملية بناء الوعي الفردي والجماعي، ويقدم المشروع القرآني مفاهيم الاستقلال ورفض التبعية ومواجهة الظلم والثقة بالله وتحمل المسؤولية باعتبارها عناصر مترابطة في تشكيل الشخصية والموقف السياسي، وبذلك يصبح الانتقال من الإيمان إلى الموقف نتيجة طبيعية لمنظومة فكرية ترى أن الوعي هو المقدمة الضرورية للفعل.
فلسطين .. الاختبار العملي للهوية
تمثل القضية الفلسطينية الاختبار الأبرز لهذا التحول، ومع اندلاع العدوان على غزة في أكتوبر 2023، انتقل الموقف اليمني من التضامن السياسي والشعبي إلى المشاركة المباشرة في معادلات الصراع الإقليمي، خصوصًا عبر العمليات المرتبطة بالبحر الأحمر والملاحة المرتبطة بالعدو الإسرائيلي، وهكذا أصبحت فلسطين جزءًا أساسيًا من تعريف الدور اليمني إقليميًا، وأصبح الموقف منها أحد أبرز تعبيرات الهوية السياسية التي يطرحها المشروع القرآني.
اليمن والبحر الأحمر .. الجغرافيا تتحول إلى قوة
أعادت التطورات الأخيرة إبراز الأهمية الاستراتيجية لموقع اليمن المطل على البحر الأحمر وخليج عدن والقريب من باب المندب،
وأظهرت المواجهات أن الموقع الجغرافي يمكن أن يتحول إلى مصدر تأثير سياسي وأمني عندما يقترن بالقدرة على الفعل والإرادة السياسية، وهذه إحدى أبرز دلالات التجربة اليمنية، قدرة طرف محدود الإمكانات التقليدية على التأثير في حسابات الملاحة والأمن الإقليمي والدولي.
صراع يتجاوز الميدان العسكري
لا ينظر الخطاب المرتبط بالهوية الإيمانية إلى الصراع باعتباره عسكريًا فقط، بل يضع ضمنه الحرب الإعلامية والثقافية والاقتصادية ومحاولات التأثير في الوعي والتطبيع والتبعية السياسية والاقتصادية، ومن هنا تصبح حماية الهوية جزءًا من حماية القرار والاستقلال، لأن المجتمع، وفق هذا التصور، يكون أكثر قدرة على مقاومة التحديات الخارجية كلما امتلك وعيًا بجذوره وقيمه وقضاياه.
القيادة وصناعة الموقف
يحتل السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي يحفظه الله، موقعًا مركزيًا في صياغة الخطاب المرتبط بالهوية الإيمانية، وتقدم قيادته باعتبارها عاملًا أساسيًا في تحويل المبادئ القرآنية إلى مواقف عملية، وربط قضايا الإيمان بالاستقلال والسيادة ومواجهة الهيمنة الخارجية، وقد أسهم في خطابه الواعي والمثالي في بناء سردية سياسية تقوم على الصمود والثقة بالله ورفض الخضوع للضغوط وربط الموقف اليمني بالقضية الفلسطينية.
من الصمود إلى البناء
مع ذلك، فإن الهوية الإيمانية تواجه اختبارًا لا يقل أهمية عن اختبار المواجهة الخارجية، يتمثل في بناء الداخل، فالصمود السياسي والعسكري لا يكتمل دون تنمية واقتصاد قوي ومؤسسات فعالة وعدالة اجتماعية، وتحسين التعليم والخدمات وحماية المال العام، ومن هنا، فإن أبرز التحديات التي يواجهها المشروع القرآني يتمثل في تعزيز الهوية في البناء؛ وتحويل قيم العزة والاستقلال والكرامة إلى واقع ينعكس على كل شؤون الحياة.
ختاما ..
تكشف التجربة اليمنية أن الهوية يمكن أن تتحول من مجرد انتماء ثقافي إلى قوة فاعلة عندما تتحول إلى وعي وموقف وسلوك، وقد جعلت التطورات المرتبطة بغزة والبحر الأحمر اليمن طرفًا حاضرًا في معادلات الصراع الإقليمي، وأعادت طرح أسئلة تتعلق بالاستقلال والقرار والسيادة وطبيعة القوة في الصراعات الحديثة، والقيمة الأعمق للمشروع القرآني تظل في قدرته على الجمع بين الإيمان والوعي، والسيادة والتنمية، والهوية وبناء الدولة، فإذا كان الإيمان قد أنتج الموقف، والموقف أنتج الصمود، والصمودُ سينتج حتما بناءً.